ثم يستطرد فيعرض على فرعون آثار تدبير الله في الكون وآلائه على بني الإنسان . فيختار بعض هذه الآثار المحيطة بفرعون ، المشهودة له في مصر ذات التربة الخصبة والماء الموفور والزرع والأنعام :
( الذي جعل لكم الأرض مهدا ، وسلك لكم فيها سبلا ، وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى . كلوا وارعوا أنعامكم . إن في ذلك لآيات لأولي النهي ) . .
والأرض كلها مهد للبشر في كل مكان وزمان . مهد كمهد الطفل . وما البشر إلا أطفال هذه الأرض . يضمهم حضنها ويغذوهم درها ! وهي ممهدة لهم كذلك للسير والحرث والزرع والحياة . جعلها الخالق المدبر كذلك يوم أعطى كل شيء خلقه . فأعطى هذه الأرض خلقها على الهيئة التي خلقت بها صالحة للحياة التي قدرها فيها ؛ وأعطى البشر خلقهم كذلك على الهيئة التي خلقهم بها صالحين للحياة في هذه الأرض التي مهدها لهم وجعلها مهدهم . . المعنيان متقاربان متصلان .
وصورة المهد وصفة التمهيد لا تبدو في بقعة من الأرض كما تبدو في مصر . ذلك الوادي الخصيب الأخضر السهل الممهد الذي لا يحوج أهله إلا إلى أيسر الكد في زرعه وجناه . وكأنما هو المهد الحاني على الطفل يضمه ويرعاه .
والخالق المدبر الذي جعل الأرض مهدا ، شق للبشر فيها طرقا وأنزل من السماء ماء . ومن ماء المطر تتكون الأنهار وتفيض - ومنها نهر النيل القريب من فرعون - فيخرج النبات أزواجا من أجناس كثيرة . ومصر أظهر نموذج لأخراج النبات لطعام الإنسان ورعي الحيوان .
وقد شاء الخالق المدبر أن يكون النبات أزواجا كسائر الأحياء . وهي ظاهرة مطردة في الأحياء كلها . والنبات في الغالب يحمل خلايا التذكير ، وخلايا التأنيث في النبتة الواحدة وأحيانا يكون اللقاح في نبتة ذكر منفردة كما هو الحال في الفصائل الحيوانية . وبذلك يتم التناسق في نواميس الحياة ويطرد في كل الفصائل والأنواع . .
المهد : ما يمهد للصبي ويفرش له ، أي : جعل الأرض كالمهد .
السّبل : واحدها : سبيل أي : طريق .
شتى : واحدها : شتيت ، كمريض ومرضى ، أي : مختلفة النفع والطعم واللون والشكل .
53-{ الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماءا فأخرجنا به أزواجا من نبات شتّى } .
تشتمل هذه الآية على أربع نعم يشاهدها الناس في كل مكان ، خصوصا في أرض مصر حيث يمتدّ النيل ، وحوله الأرض الزراعية ، وكان الأولى بفرعون أن يشكر ربه ، ويعرف فضله ، بدلا من الجحور والكفران .
جعل الأرض كالمهد للطفل يحوطه ويحافظ عليه ، وكذلك الكبار يمتهدون الأرض ويستقرون عليها ، وينامون ويسافرون على ظفرها .
أي : جعل لكم الأرض طرقا بين الجبال والأودية ؛ تسلكونها من قطر إلى قطر ، لقضاء مآربكم ، ونحو الآية قوله تعالى : { وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون } . ( الأنبياء : 31 ) .
{ وأنزل من السماء ماءا فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } .
في هذه الآية تحول من الغيبة إلى التكلم ، تنويعا للكلام وتفخيما لفضل الرحمن ؛ فقد أنزل الله سبحانه المطر حيث ساق السحاب وأنزل المطر .
{ فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } .
أي : أخرج الله بالمطر ألوانا وأنواعا من النبات ؛ متعددة الألوان والأشكال والطعوم ، فهذا حلو وهذا حامض وهذا مُزّ . وهذا النبات أزواج ؛ منه الذكر والأنثى . قال تعالى : { سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون } . ( يس : 36 ) .
وهذا التكامل في الخلق آية تدل على كمال القدرة ، فالإنسان والنبات والحيوان ، والكون كله أزواج ؛ فالسماء والأرض ، والسحاب سالب وموجب ، والشمس والقمر ، والأرض والجبال ، والكواكب والأفلاك والأبراج ، حتى نجم الشعري الكبير الهائل العظيم السرعة ؛ يسير بجواره نجم قزم يلازمه في مداره . قال تعالى : { وأنه هو رب الشَّعْرى } . ( النجم : 49 ) .
وكان العرب يعبدونها من دون الله ؛ فبين القرآن أن الله هو المستحق للعبادة ؛ دون سواه .
وقد ورد مثل هذه المعاني في أوائل سورة الرعد ، قال تعالى : { وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا من كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون . وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } . ( الرعد : 4 ، 3 ) .
ثم استطرد في هذا الدليل القاطع ، بذكر كثير من نعمه وإحسانه الضروري ، فقال : { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا } أي : فراشا بحالة تتمكنون من السكون فيها ، والقرار ، والبناء ، والغراس ، وإثارتها للازدراع وغيره ، وذللها لذلك ، ولم يجعلها ممتنعة عن مصلحة من مصالحكم .
{ وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا } أي : نفذ لكم الطرق الموصلة ، من أرض إلى أرض ، ومن قطر إلى قطر ، حتى كان الآدميون يتمكنون من الوصول إلى جميع الأرض بأسهل ما يكون ، وينتفعون بأسفارهم ، أكثر مما ينتفعون بإقامتهم .
{ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى } أي : أنزل المطر { فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } وأنبت بذلك جميع أصناف النوابت على اختلاف أنواعها ، وتشتت أشكالها ، وتباين أحوالها ، فساقه ، وقدره ، ويسره ، رزقا لنا ولأنعامنا ، ولولا ذلك لهلك من عليها من آدمي وحيوان .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.