وعلى إثر بيان هذه السنة يتجاوب النداء للعظة والعبرة بهذا البيان :
( هذا بيان للناس ، وهدى وموعظة للمتقين ) . .
هذا بيان للناس كافة . فهو نقلة بشرية بعيدة ما كان الناس ببالغيها لولا هذا البيان الهادي . ولكن طائفة خاصة هي التي تجد فيه الهدى ، وتجد فيه الموعظة ، وتنتفع به وتصل على هداه . . طائفة " المتقين " . .
إن الكلمة الهادية لا يستشرفها إلا القلب المؤمن المفتوح للهدى . والعظة البالغة لا ينتفع بها إلا القلب التقي الذي يخفق لها ويتحرك بها . . والناس قلما ينقصهم العلم بالحق والباطل ، وبالهدى والضلال . . إن الحق بطبيعته من الوضوح والظهور بحيث لا يحتاج إلى بيان طويل . إنما تنقص الناس الرغبة في الحق ، والقدرة على اختيار طريقه . . والرغبة في الحق والقدرة على اختيار طريقه لا ينشئهما إلا الإيمان ، ولا يحفظهما إلا التقوى . . ومن ثم تتكرر في القرآن أمثال هذه التقريرات . تنص على أن ما في هذا الكتاب من حق ، ومن هدى ، ومن نور ، ومن موعظة ، ومن عبرة . . . إنما هي للمؤمنين وللمتقين . فالإيمان والتقوى هما اللذان يشرحان القلب للهدى والنور والموعظة والعبرة . وهما اللذان يزينان للقلب اختيار الهدى والنور والانتفاع بالموعظة والعبرة . . واحتمال مشقات الطريق . . وهذا هو الأمر ، وهذا هو لب المسألة . . لا مجرد العلم والمعرفة . . فكم ممن يعلمون ويعرفون ، وهم في حمأة الباطل يتمرغون . إما خضوعا لشهوة لا يجدي معها العلم والمعرفة ، وإما خوفا من أذى ينتظر حملة الحق وأصحاب الدعوة !
138- { هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين } .
موعظة : الموعظة التذكير بما يرقق القلب من : مرغبات في الطاعة ومنفرات عن المعصية .
اختار الطبري وبعض المفسرين ان تكون الإشارة في هذه الآية راجعة إلى ما تقدم ذكره من بيان سنن الله وقوانينه في النصر والهزيمة والمعنى : هذا الذي أوضحت لكم وعرفتكم به من أخبار هلاك الأمم السابقة فيه بيان للناس من العمي وهدى من الضلالة وموعظة للمتقين95 .
أما ابن كثير فذهب إلى أن اسم الإشارة يعود إلى القرآن الكريم فقال :
هذا بيان للناس يعني القرآن فيه بيان الأمور على جليتها .
{ وهدى وموعظة للمتقين } يعني القرآن فيه خبر ما قبلكم وهدى لقلوبكم .
وموعظة . أي زاجر عن المحارم والمآثم96 .
للمتقين . الذين طلبوا الحق وسلكوا طريقه .
وقد رجح الأستاذ سيد قطب ان المراد بهذه الآية هو القرآن الكريم فيقول :
والسنن التي يشير إليها السياق في الآية السابقة هي :
عاقبة المكذبين على مدار التاريخ ومداولة الأيام بين الناس حتى لا تدوم على حال والابتلاء لتمحيص السرائر وامتحان مدى الصبر على الشدائد واستحقاق النصر والمحق للكافرين " إن القرآن ليربط ماضي البشرية بحاضرها وحاضرها بماضيها . . وهؤلاء العرب الذين وجه إليهم القول اول مرة لم تكن حياتهم ولم تكن معارفهم قبل القرآن لتسمح لهم بمثل هذه النظرة الشاملة لولا هذا القرآن الذي أنشأهم به الله نشأة أخرى وخلق به منهم أمة تقود الدنيا إن النظام بين سكان هذه الأرض فضلا عن الربط بين السنن التي تجري وفقها الحياة جميعا . . . فها هو ذا القرآن ينقلهم من عزلة القبيلة وارتجال الفكرة إلى رابطة البشرية واطراد السنة وهي نقلة بعيدة لم تنبع من عوامل البيئة إنما حملتها إليهم هذه العقيدة بل حملتهم إليها وارتفعت بهم إلى مستواها في نصف جيل على حين أن غيرهم من معاصريهم لم يرتفعوا إلى هذا الأفق من التفكير إلا بعد قرون وقرون .
{ هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين }
أجل هذا بيان للناس ، للناس كافة فهو نقلة بشرية بعيدة ما كانوا ببالغيها لولا هذا البيان الهادي الذي لا يهتدي به ولا يتعظ إلا الذين تفتحت أرواحهم وأرهفت مداركهم بذلك الشعور العميق الهادي المنير : شعور التقوى في نفوس المتقين97 .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.