واللمسة الثانية في هذا المشهد الأول ، هي حركة الضعف والفشل التي راودت قلوب طائفتين من المسلمين ؛ بعد تلك الحركة الخائنة التي قام بها رأس النفاق " عبد الله بن أبي بن سلول " حين انفصل بثلث الجيش ، مغضبا أن الرسول [ ص ] لم يأخذ برأيه ، واستمع إلى شباب أهل المدينة ! وقال : ( لو نعلم قتالا لاتبعناكم ! )فدل بهذا على أن قلبه لم يخلص للعقيدة ؛ وأن شخصه ما يزال يملأ قلبه ، ويطغى في ذلك القلب على العقيدة . . العقيدة التي لا تحتمل شركة في قلب صاحبها ، ولا تطيق لها فيه شريكا ! فإما أن يخلص لها وحدها ، وإما أن تجانبه هي وتجتويه !
( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ، والله وليهما ، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) . .
وهاتان الطائفتان - كما ورد في الصحيح - من حديث سفيان بن عيينة - هما بنو حارثة وبنو سلمة . أثرت فيهما حركة عبد الله بن أبي ، وما أحدثته من رجة في الصف المسلم ، من أول خطوة في المعركة . فكادتا تفشلان وتضعفان . لولا أن أدركتهما ولاية الله وتثبيته ، كما أخبر هذا النص القرآني :
قال عمر - رضي الله عنه - سمعت جابر بن عبد الله يقول : فينا نزلت : ( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ) . . قال : نحن الطائفتان . . بنو حارثة وبنو سلمة . . وما نحب [ أو وما يسرني ] أنها لم تنزل ، لقوله تعالى : ( والله وليهما ) . . [ رواه البخاري ومسلم ] . .
وهكذا يكشف الله المخبوء في مكنونات الضمائر ؛ والذي لم يعلمه إلا أهله ، حين حاك في صدورهم لحظة ؛ ثم وقاهم الله إياه ، وصرفه عنهم ، وأيدهم بولايته ، فمضوا في الصف . . يكشفه لاستعادة أحداث المعركة ، واستحياء وقائعها ومشاهدها . ثم . . لتصوير خلجات النفوس ، وإشعار أهلها حضور الله معهم ، وعلمه بمكنونات ضمائرهم - كما قال لهم : ( والله سميع عليم )- لتوكيد هذه الحقيقة وتعميقها في حسهم . ثم لتعريفهم كيف كانت النجاة ؛ وإشعارهم عون الله وولايته ورعايته حين يدركهم الضعف ، ويدب فيهم الفشل ، ليعرفوا أين يتوجهون حين يستشعرون شيئا من هذا وأين يلتجئون . ومن ثم يوجههم هذا الوجه الذي لا وجه غيره للمؤمنين :
( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) . .
على وجه القصر والحصر . . على الله وحده فليتوكل المؤمنون . فليس لهم - إن كانوا مؤمنين - إلا هذا السند المتين .
وهكذا نجد في الآيتين الأوليين ، اللتين يستحضر بهما القرآن مشهد المعركة وجوها ، هذين التوجيهين الكبيرين الأساسيين في التصور الإسلامي ، وفي التربية الإسلامية :
( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) . .
نجدهما في أوانهما المناسب ، وفي جوهما المناسب ؛ حيث يلقيان كل إيقاعاتهما ، وكل إيحاءاتهما ، في الموعد المناسب ؛ وقد تهيأت القلوب للتلقي والاستجابة والانطباع . . ويتبين - من هذين النصين التمهيديين - كيف يتولى القرآن استحياء القلوب وتوجيهها وتربيتها ؛ بالتعقيب على الأحداث ، وهي ساخنة ! ويتبين الفرق بين رواية القرآن للأحداث وتوجيهها ، وبين سائر المصادر التي قد تروي الأحداث بتفصيل أكثر ؛ ولكنها لا تستهدف القلب البشري ، والحياة البشرية ، بالإحياء والاستجاشة ، وبالتربية والتوجيه . كما يستهدفها القرآن الكريم ، بمنهجه القويم .
122- { إذ همت طائفتان منكم ان تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون } .
همت طائفتان منكم أن تفشلا : أشرفتا على الهزيمة .
( الهم ) : هو حديث النفس واتجاهها إلى شيء معين دون ان تأخذ في تنفيذه فإذا أخذت في تنفيذه صار إرادة وعزما وتصميما .
تفشلا : من الفشل وهو الجبن والخور والضعف يقال فشل يفشل فشلا فهو فشل أي جبان ضعيف القلب .
والمعنى : اذكر يا محمد حين همت طائفتان وهما بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج ان تفشلا وتضعفا وتجبنا عن القتال وتتبعها عبد الله بن أبي سلول عندما انخذل بثلث الناس وقال يا قوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا ؟ فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم72 .
وعن ابن عباس قال : أضمروا ان يرجعوا فعزم الله لهم الرشد فثبتوا والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس كما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر ويوطنها على احتمال المكروه . . ولو كانت عزيمة لما ثبتت معها ولاية الله73 .
{ وعلى الله فليتوكل المؤمنون }
التوكل هو الاعتماد على الله تعالى بعد الأخذ بالأسباب فإذا لم يأخذ الإنسان في الأسباب كان توكلا لا توكلا .
أي وعلى الله وحده لا على غيره فليكل المؤمنون أمورهم بعد اتخاذ الأسباب التي أمرهم سبحانه باتخاذها فإنهم متى فعلوا ذلك تولاهم سبحانه بتأييده ورعايته .
إن حديث القرآن في سورة آل عمران عن غزوة احد استمر قرابة ستين آية ولم يسر القرآن في أحداث الغزوة حسب ترتيب خروجها وأحداثها بل حسب مشيئة الحق سبحانه في ان ينتزع منها العبرة والعظة ويصور الجو الذي صاحبها وبذلك تتحول الغزوة إلى نقطة ارتكاز لثروة ضخمة من المشاعر والسمات والنتائج والاستدلالات يبدأ السياق منها ثم يستطرد حولها ثم يعود إليها ثم يجول في أعماق الضمائر وفي أغوار الحياة ويكرر هذا مرة بعد مرة والقرآن بهذا يأسو جراح المؤمنين ويثبت إيمانهم ويشحذ عزائمهم ويتخلل ذلك تربية وتعليم وبيان لسنن الله ونواميسه وبهذا كان القرآن كتاب الحياة أنشأ أمة وأقام دولة وربى أجيالا وصنع ضمائر وحرك همها وعزائم { صنع الله الذي أتقن كل شيء ( النمل 88 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.