في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٖ فَإِنَّهُۥ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (145)

136

والآن وقد كشف لهم عما في معتقداتهم وتصوراتهم وتصرفاتهم من وهن وسخف وهزال . وقد بين لهم أنها لا تقوم على علم ولا بينة ولا أساس . وقد ردهم إلى نشأة الحرث والأنعام التي يتصرفون فيها من عند أنفسهم ، أو بوحي شياطينهم وشركائهم ، بينما هؤلاء لم يخلقوها لهم ، إنما الذي خلقها لهم هو الله ، الذي يجب أن تكون له وحده الحاكمية فيما خلق وفيما رزق ، وفيما أعطى من الأموال للعباد . .

الآن يقرر لهم ما حرمه الله عليهم من هذا كله . ما حرمه الله حقاً عن بينة ووحي ، لا عن ظن ووهم . والله هو صاحب الحاكمية الشرعية ، الذي إذا حرم الشيء فهو حرام ، وإذا أحله فهو حلال ؛ بلا تدخل من البشر ولا مشاركة ولا تعقيب في سلطان الحاكمية والتشريع . . وبالمناسبة يذكر ما حرمه الله على اليهود خاصة ، وأحله للمسلمين ، فقد كان عقوبة خاصة لليهود على ظلمهم وبعدهم عن شرع الله !

( قل : لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه ، إلا أن يكون ميتة ، أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير - فإنه رجس - أو فسقاً أهل لغير الله به . فمن اضطر - غير باغ ولا عاد - فإن ربك غفور رحيم . وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر . ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما - إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم - ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون . فإن كذبوك فقل : ربكم ذو رحمة واسعة ، ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ) . .

قال أبو جعفر بن جرير الطبري :

" يقول - جل ثناؤه - لنبيه محمد [ ص ] قل ، يا محمد ، لهؤلاء الذين جعلوا الله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً ، ولشركائهم من الآلهة والأنداد مثله . والقائلين : هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء - بزعمهم - والمحرمين من أنعام أخر ظهورها ، والتاركين ذكر اسم الله على أخر منها . والمحرمين بعض ما في بطون بعض أنعامهم على إناثهم وأزواجهم ، ومُحليه لذكورهم . المحرمين ما رزقهم الله افتراء على الله ؛ وإضافة ما يحرمون من ذلك إلى أن الله هو الذي حرمه عليهم : أجاءكم من الله رسول بتحريمه ذلك عليكم ، فأنبئونا به ، أم وصاكم الله بتحريمه مشاهدة منكم له ، فسمعتم منه تحريمه ذلك عليكم فحرمتموه ؟ فإنكم كذبة إن ادعيتم ذلك ، ولا يمكنكم دعواه ، لأنكم إذا ادعيتموه علم الناس كذبكم . فإني لا أجد فيما أوحي إلي من كتابه وآي تنزيله شيئاً محرماً على آكل يأكله ، مما تذكرون أنه حرمه من هذه الأنعام التي تصفون تحريم ما حرم عليكم منها - بزعمكم - إلا أن يكون( ميتة ) ، قد ماتت بغير تذكية ، أو ( دماً مسفوحاً ) ، وهو المنصبّ ، أو إلا أن يكون لحم خنزير ( فإنه رجس ) . . ( أو فسقا ) " يقول : أو إلا أن يكون فسقاً ، يعني بذلك : أو إلا أن يكون مذبوحاً ذبحه ذابح من المشركين من عبدة الأوثان لصنمه وآلهته فذكر اسم وثنه . فإن ذلك الذبح فسق ، نهى الله عنه وحرمه ، ونهى من آمن به عن أكل ما ذبح كذلك لأنه ميتة .

" وهذا إعلام من الله - جل ثناؤه - للمشركين الذين جادلوا نبي الله وأصحابه في تحريم الميتة بما جادلوهم به ، أن الذي جادلوهم فيه من ذلك هو الحرام الذي حرمه الله ، وأن الذي زعموا أن الله حرمه حلال أحله الله ؛ وأنهم كذبة في إضافتهم تحريمه إلى الله " . .

وقال في تأويل قوله تعالى : ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم ) :

. . . " أن معناه : فمن اضطر إلى أكل ما حرم الله من أكل الميتة والدم المسفوح أو لحم الخنزير ، أو ما أهل لغير الله به ، غير باغ في أكله إياه تلذذاً ، لا لضرورة حالة من الجوع ؛ ولا عاد في أكله بتجاوزه ما حده الله وأباحه له من أكله ، وذلك أن يأكل منه ما يدفع عنه الخوف على نفسه بترك أكله من الهلاك . . لم يتجاوز ذلك إلى أكثر منه . . فلا حرج عليه في أكله ما أكل من ذلك . ( فإن الله غفور ) فيما فعل من ذلك ، فساتر عليه ، بتركه عقوبته عليه . ولو شاء عاقبة عليه . ( رحيم ) بإباحته إياه أكل ذلك عند حاجته إليه . ولو شاء حرمه عليه ومنعه منه " .

أما حد الاضطرار الذي يباح فيه الأكل من هذه المحرمات ؛ والمقدار المباح منها فحولهما خلافات فقهية . . فرأي أنه يباح ما يحفظ الحياة فقد عند خوف الهلاك لو امتنع . . ورأي أنه يباح ما يحقق الكفاية والشبع . . ورأي أنه يباح فوق ذلك ما يدخر لأكلات أخرى إذا خيف انقطاع الطعام . . ولا ندخل في تفصيلات الفروع . . فهذا القدر منها يكفي في هذا الموضع .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٖ فَإِنَّهُۥ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (145)

{ قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم ( 145 ) وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ( 146 ) فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ( 147 ) }

المفردات :

طاعم يطعمه : آكل يأكله ، من ذكر و أنثى .

مسفوحا : أي : سائلا .

رجس : نجس خبيث . والمراد : حرام .

فسقا : خروجا عما أحله الله .

أهل لغير الله به : ذكر اسم غير الله تعالى عليه ، عند ذبحه .

فمن اضطر : فمن حملته الضرورة على تناول شيء من ذلك .

غير باغ : أي : غير ظالم مضطر مثله .

ولا عاد : أي : ولا متجاوز قدر الضرورة .

التفسير :

قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه . . . . الآية .

نزلت هذه الآية ، ردا على أهل مكة حين حرموا على أنفسهم أنواعا من الحيوانات ، وحرموا على إناثهم أصنافا لم يحرموها على الذكور ، فنزل الوحي جوابا لهؤلاء المشركين ؛ ليقول لهم : إن التحريم لا يكون إلا بوحي ، وأنا لا أجد فيما أوحاه الله إلي من الوحي ، تحريم أي نوع من أنواع الحيوانات ؛ إلا الأصناف الآتية :

الميتة : وهو الحيوان الذي زهقت روحه بغير ذبح شرعي .

الدم المسفوح : أي : الدم الجاري أما غير المسفوح فهو معفو عنه ، كالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح ، وكذلك الكبد والطحال فإنهما دمان غير سائلين .

لحم الخنزير – ومثل لحم الخنزير شحمه وغضاريفه ؛ فإن جميع أجزائه قذر نجس ولو ذبح ؛ لتعوده أكل النجاسات أو لأنه خبيث محظور شرعا .

فسقا أهل لغير الله به : أي : ذبح على الأصنام . وإنما سمي فسقا ؛ لتوغله في الفسق ، والخروج عن الشريعة الصحيحة ، ومنه قوله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق . ( الأنعام : 121 ) .

فمن اضطر غير باغ ولا عاد .

والمعنى : فأي شخص أصابته الضرورة ، على تناول شيء من المحرمات السابقة ؛ لحفظ الحياة ، بسبب فقده الطعام الحلال ، فإنه رخص له في ذلك .

بشرط ألا يكون باغيا على مضطر آخر مثله ، أو غير طالب له للذته ، وألا يتجاوز – فيما يتناوله – مقدار الضرورة ، التي تحفظ عليه حياته ، حتى يصل إلى مكان يجد به الطعام الحلال . وعاد : اسم فاعل بمعنى متعد ومنه قوله تعالى : بل أنتم قوم عادون . ( الشعراء : 166 ) .

فإن ربك غفور رحيم .

أي : فإن الله عظيم المغفرة والرحمة ، لا يؤاخذ المضطر على تناول شيء من ذلك ؛ لأنه أباحه له ؛ لحفظ حياته .

من كلام المفسرين

قال ابن كثير : الغرض من سياق الآية : الرد على المشركين ، الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من تحريم المحرمات على أنفسهم ، بآرائهم الفاسدة ، من البحيرة ، والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك ، فأمر الله تعالى رسوله أن يخبرهم ، بأنه لا يجد فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرم ، وأن الذي حرمه الله هو الميتة وما ذكر معها ، وما عدا ذلك فلم يحرم ، وإنما هو معفو مسكوت عنه ، فكيف تزعمون أنه حرام ، ومن أين حرمتموه ولم يحرمه الله ، وعلى هذا فلا ينبغي تحريم أشياء أخر فيما بعد هذا ، كما جاء النهي عن أكل الحمر الأهلية ، ولحوم السباع وكل ذي مخلب من الطير .

من تفسير القرطبي

ذكر القرطبي عدة أقوال في تفسير الآية ثم قال :

إن أكثر أهل العلم والفقه والأثر على أن هذه الآية مكية ، وكل محرم حرمه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو جاء في الكتاب ، مضموم إليها ، فهو زيادة حكم من الله تعالى على لسان نبيه .

فقد نزلت سورة المائدة في المدينة ، وزيد فيها بعض المحرمات : كالمنخنقة ، والموقوذة والمتردية . والنطيحة . ا ه . باختصار .

قال الإمام الشافعي : إن الكفار لما حرموا ما أحل الله ، وأحلوا ما حرمه الله ، وكانوا على المضادة والمحادة ، جاءت هذه الآية مناقضة لغرضهم ، فكأنه قال سبحانه : لا حلال إلا ما حرمتموه ، ولا حرام إلا ما حللتموه ، نازل منزلة من يقول لك : لا تأكل اليوم حلاوة ، فتقول : لا آكل اليوم إلا الحلاوة ، والغرض المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة .

فهو سبحانه ، لم يقصد حل ما وراء الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، وما أهل لغير الله به ؛ إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل .

قال إمام الحرمين : وهذا في غاية الحسن ، ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك رضي الله عنه في حصر المحرمات فيما ذكرته الآية ( 10 ) .