في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَجَآءَ إِخۡوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَعَرَفَهُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ} (58)

54

ودارت عجلة الزمن . وطوى السياق دوراتها بما كان فيها طوال سنوات الرخاء . فلم يذكر كيف كان الخصب ، وكيف زرع الناس . وكيف أدار يوسف جهاز الدولة . وكيف نظم ودبر وادخر . كأن هذه كلها أمور مقررة بقوله :

( إني حفيظ عليم ) . .

وكذلك لم يذكر مقدم سني الجدب ، وكيف تلقاها الناس ، وكيف ضاعت الأرزاق . . لأن هذا كله ملحوظ في رؤيا الملك وتأويلها :

( ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ) . .

كذلك لم يبرز السياق الملك ولا أحدا من رجاله بعد ذلك في السورة كلها . كأن الأمر كله قد صار ليوسف . الذي اضطلع بالعبء في الأزمة الخانقة الرهيبة . وأبرز يوسف وحده على مسرح الحوادث ، وسلط عليه كل الأضواء . وهذه حقيقة واقعية استخدمها السياق استخداما فنيا كاملا في الأداء .

أما فعل الجدب فقد أبرزه السياق في مشهد إخوة يوسف ، يجيئون من البدو من أرض كنعان البعيدة يبحثون عن الطعام في مصر . ومن ذلك ندرك اتساع دائرة المجاعة ، كما ندرك كيف وقفت مصر - بتدبير يوسف - منها ، وكيف صارت محط أنظار جيرانها ومخزن الطعام في المنطقة كلها . وفي الوقت ذاته تمضي قصة يوسف في مجراها الأكبر بين يوسف وإخوته وهي سمة فنية تحقق هدفا دينيا في السياق :

( وجاء إخوة يوسف ، فدخلوا عليه ، فعرفهم وهم له منكرون . ولما جهزهم بجهازهم قال : ائتوني بأخ لكم من أبيكم . ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ؟ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون . قالوا : سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون . وقال لفتيانه : اجعلوا بضاعتهم في رحالهم ، لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون ) . .

لقد اجتاح الجدب والمجاعة أرض كنعان وما حولها . فاتجه إخوة يوسف - فيمن يتجهون - إلى مصر . وقد تسامع الناس بما فيها من فائض الغلة منذ السنوات السمان . وها نحن أولاء نشهدهم يدخلون على يوسف ، وهم لا يعلمون . إنه يعرفهم فهم هم لم يتغيروا كثيرا . أما يوسف فإن خيالهم لا يتصور قط أنه هو ذاك ! وأين الغلام العبراني الصغير الذي ألقوه في الجب منذ عشرين عاما أو تزيد من عزيز مصر شبه المتوج في سنه وزيه وحرسه ومهابته وخدمه وحشمه وهيله وهيلمانه ؟

ولم يكشف لهم يوسف عن نفسه . فلا بد من دروس يتلقونها :

( فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ) . .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَجَآءَ إِخۡوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَعَرَفَهُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ} (58)

قال تعالى :

{ وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ . . . }

قال الفخر الرازى - رحمه الله - اعلم أنه لما عم القحط في البلاد ، ووصل أيضاً إلى البلدة التي ان يسكنها يعقوب - عليه السلام - وصعب الزمان عليهم فقال لبنيه : إن بمصر صالحاً يمير الناس - أي يعطيهم الطعام وما هم في حاجة إليه في معاشهم - فاذهبوا إليه بدراهمكم ، وخذوا منه الطعام ، فخرجوا إليه وهم عشرة وبقى " بنيامين " مع أبيه ، ودخلوا على يوسف - عليه السلام - وصارت هذه الواقعة كالسبب في اجتماع يوسف مع إخوته ، وظهور صدق ما أخبره الله - تعالى - عنه في قوله ليوسف حال ما ألقوه في الجب { لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } وقد جاءوا إليه جميعاً - ما عدا " بنيامين " وهو الشقيق الأصغر ليوسف ليحصلوا منه على أكبر كمية من الطعام على حسب عددهم ، وليكون عندهم القدرة عل صد العدوان إذا ا تعرض لهم قطاع الطرق الذين يكثرون في أوقات الجدب والجوع .

وعبر عن معرفة يوسف لهم بالجملة الفعلية ، وعن جهلهم له بالجملة الإسمية للإشعار بأن معرفته لهم حصلت بمجرد رؤيته لهم ، أما هم فعدم معرفتهم له كان أمرا ثابتاً متمكناً منهم .

قال صاحب الكشاف : " لم يعرفوه لطول العهد ، ومفارقته إياهم في سن الحداثة ولاعتقادهم أنه قد هلك ، ولذهابه عن أوهامهم لقلة فكرهم فيه ، واهتمامهم بشأنه ، ولبعد حاله التي بلغها من الملك والسلطان عن حاله التي فارقوه عليها طريحاً في البئر ، حتى لو تخيلوا أنه هو لكذبوا أنفسهم وظنونهم ، ولأن الملك مما يبدل الزي ، ويلبس صاحبه من التهيب والاستعظام ما ينكر له المعروف . . . "

ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن المجاعة التي حدثت في السبع السنين الشداد شملت مصر وما جاورها من البلاد - كما سبق أن أشرنا - .

كما يؤخذ منها أن مصر كانت محط أنظار المعسرين من مختلف البلاد بفضل حسن تدبير يوسف - عليه السلام - وأخذه الأمور بالعدالة والرحمة وسهره على مصالح الناس ، ومراقبته لشئون بيع الطعام ، وعدم الاعتماد على غيره حتى إن إخوته قد دخلوا عليه وحده ، دون غيره من المسئولين في مصر .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَجَآءَ إِخۡوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَعَرَفَهُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ} (58)

قوله تعالى : { وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ 58 وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ 59 فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ 60 قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ 61 وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } بعد أن عم القحط بلاد مصر ووصل إلى بلاد كنعان حيث يقيم يعقوب عليه السلام وبنوه أخذ الناس من كل مكان يردون مصر طلبا للميرة . وكان يوسف عليه السلام قد احتاط للناس في غلاتهم فجمعها أحسن جمع ، فكان عليه السلام رحمة من الله على مصر بما أوتيه من سعة العقل والعلم ، وجمال السلوك والخلق ، وتمام السمت والمظهر ، وكمال التواضع والأمانة ؛ فأحبه الناس حبا عظيما ، وشاع ذكره في الآفاق لحسن خلقه ، وعظيم تدبيره وأمانته وإخلاصه . وكان في جملة من ورد مصر للميرة إخوة يوسف ؛ إذ أمرهم أبوهم بذلك . لا جرم أن كل شيء من الله بتقديره وتدبيره . فما تسير الأمور أو تمضي عجلة الزمان إلا بمشيئة الله وحكمته وعظيم تدبيره .

ومن جملة قصة يوسف بدءا بإلقائه في الجب حتى صار في قمة العلياء والكرامة والإعزاز وما تخلل ذلك من كيد وأحزان ودموع وبلاء ، كل ذلك بتقدير الله وحكمته ومشيئته .

أخذ إخوة يوسف معهم بضاعة ليعتاضوا بها طعاما وكانوا عشرة نفر . واستبقى أبوهم يعقوب أخاهم الصغير عنده ، وهو بنيامين شقيق يوسف ، وكان أحبهم إلى أبيه بعد يوسف { فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } أي عرفهم يوسف بنباهته وعظيم فطانته من حيث لا يعرفونه هم . ولا عجب في ذلك فقد فارقهم يوسف وهو طفل في الثانية عشرة على الراجح ، واستمر غيابه عنهم أربعين سنة . وعقب هذه المدة الطويلة تتغير في الشخص ملامحه الظاهرة . فبعد أن يكون أمرد الوجه يصير ذا شعر ولحية ، وبعد سواد الشعر في رأسه ووجهه يصبح بعد هذه السنين ذا كبر وشيبة . لا جرم أن ينكره من غاب عنه مثل هذه المدة الطويلة .