تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَأَرۡسَلۡنَا فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ} (32)

{ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ } من جنسهم ، يعرفون نسبه وحسبه وصدقه ، ليكون ذلك أسرع لانقيادهم ، إذا كان منهم ، وأبعد عن اشمئزازهم ، فدعا إلى ما دعت إليه الرسل أممهم { أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } فكلهم اتفقوا على هذه الدعوة ، وهي أول دعوة يدعون بها أممهم ، الأمر بعبادة الله ، والإخبار أنه المستحق لذلك ، والنهي عن عبادة ما سواه ، والإخبار ببطلان ذلك وفساده ، ولهذا قال : { أَفَلَا تَتَّقُونَ } ربكم ، فتجتنبوا هذه الأوثان والأصنام .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَأَرۡسَلۡنَا فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ} (32)

ولما كان ربما ظن ظان أنهم فرقة من المهلكين نجوا من عذاب سائرهم كما يكون في حروب سائر الملوك ، عبر عن إنجائهم بإنشائهم ، حقق أنهم أحدثوا بعدهم فقال : { آخرين فأرسلنا } أي فتعقب إنشاءنا لهم وتسبب عنه أن أرسلنا .

ولما كان المقصود الإبلاغ في التسلية ، عدي الفعل ب " في " دلالة على أنه عمهم بالإبلاغ كما يعم المظروف الظرف ، حتى لم يدع واحداً منهم إلا أبلغ في أمره فقال : { فيهم رسولاً منهم } فكان القياس يقتضي مبادرتهم لاتباعه لعلمهم بما حل بمن قبلهم لأجل التكذيب ، ولمعرفتهم غاية المعرفة لكون النبي منهم ، بما جعلناه عليه من المحاسن ، وما زيناه به من الفضائل ، ولأن عزه عزهم ، ولدعائه لهم إلى ما لا يخفى حسنه على عاقل ، ولا يأباه منصف ؛ ثم بين ما أرسل به بقوله : { أن اعبدوا الله } أي وحده لأنه لا مكافىء له ، ولذا حفظ اسمه فكان لا سمي له ؛ ثم علل ذلك بقوله : { ما لكم } ودل على الاستغراق بقوله : { من إله غيره } .

ولما كانت المثلات قد خلت من قبلهم في المكذبين ، وأناخت صروفها بالظالمين ، فتسبب عن علمهم بذلك إنكار قلة مبالاتهم في عدم تحرزهم من مثل مصارعهم ، قال : { أفلا تتقون* } أي تجعلون لكم وقاية مما ينبغي الخوف منه فتجعلوا وقاية تحول بينكم وبين سخط الله .