{ فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ } أي : جاءه الرسل بالهدية { قَالَ } منكرا عليهم ومتغيظا على عدم إجابتهم : { أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ } فليست تقع عندي موقعا ولا أفرح بها قد أغناني الله عنها وأكثر علي النعم ، { بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } لحبكم للدنيا وقلة ما بأيديكم بالنسبة لما أعطاني الله .
قوله تعالى : " فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال " أي جاء الرسول سليمان بالهدية قال : " أتمدونني بمال " . قرأ حمزة ويعقوب والأعمش : بنون واحدة مشددة وياء ثابتة بعدها . الباقون بنونين وهو اختيار أبي عبيد ؛ لأنها في كل المصاحف بنونين . وقد روى إسحاق عن نافع أنه كان يقرأ : " أتمدونِ " بنون واحدة مخففة بعدها ياء في اللفظ . قال ابن الأنباري : فهذه القراءة يجب فيها إثبات الياء عند الوقف ، ليصح لها موافقة هجاء المصحف . والأصل في النون التشديد ، فخفف التشديد من ذا الموضع كما خفف من : أشهد أنك عالم ، وأصله : أنك عالم . وعلى هذا المعنى بنى الذي قرأ : " تشاقون فيهم " [ النحل : 27 ] ، " أتحآجوني في الله " [ الأنعام : 80 ] . وقد قالت العرب : الرجال يضربون ويقصدون ، وأصله يضربوني ويقصدوني : لأنه إدغام يضربونني ويقصدونني قال الشاعر :
تَرْهَبِينِ والجِيدُ منكِ لليلَى *** والحَشَا والبَغَامُ{[12290]} والعينَانِ
والأصل ترهبيني فخفف . ومعنى " أتمدونني " أتزيدونني مالا إلى ما تشاهدونه من أموالي .
قوله تعالى : " فما آتاني الله خير مما آتاكم " أي فما أعطاني من الإسلام والملك والنبوة خير مما أعطاكم ، فلا أفرح بالمال . و " آتانِ " وقعت في كل المصاحف بغير ياء . وقرأ أبو عمرو ونافع وحفص : " آتانيَ الله " بياء مفتوحة ؛ فإذا وقفوا حذفوا . وأما يعقوب فإنه يثبتها في الوقف ويحذف في الوصل لالتقاء الساكنين . الباقون بغير ياء في الحالين . " بل أنتم بهديتكم تفرحون " لأنكم أهل مفاخرة ومكاثرة في الدنيا .
ولما كان التقدير : فأرسلت بالهدية ، وهي فيما يقال خمسمائة غلام مرد ، زينتهم بزي الجواري ، وأمرتهم بتأنيث الكلام ، وخمسمائة جارية في زي الغلمان ، وأمر لهم بتغليظ الكلام . وجزعه معوجة الثقب ، ودرة غير مثقوبة - وغير ذلك ، وسألته أن يميز بين الغلمان والجواري ، وأن يثقب الدرة ، وأن يدخل في الجزعة خيطاً ، فأمرهم بغسل الوجوه والأيدي ، فكانت الجارية تأخذ الماء بإحدى يديها ثم تنقله إلى الأخرى ثم تضرب الوجه وتصب الماء على باطن ساعدها صباً ، وكان الغلام كما يأخذ الماء يضرب به وجهه ويصب الماء على ظهر الساعد ويحدره على يديه حدراً ، وأمر الأرضة فثقبت الدرة ، والدودة فأدخلت السلك في الثقب المعوج ، رتب عليه قوله مشيراً بالفاء إلى سرعة الإرسال : { فلما جاء } أي الرسول الذي بعثته وأرسلته ، والمراد به الجنس ؛ قال أبو حيان : وهو يقع على الجمع والمفرد والمذكر والمؤنث . { سليمان } فدفع إليه ذلك { قال } أي سليمان عليه السلام للرسول ولمن في خدمته استصغاراً لما معه : { أتمدونن } أي أنت ومن معك ومن أرسلك { بمال } وإنما قصدي لكم لأجل الدين ، تحقيراً لأمر الدنيا وإعلاماً بأنه لا التفات له نحوها بوجه ، ولا يرضيه شيء دون طاعة الله .
ثم سبب عنه ما أوجب له استصغار ما معه فقال : { فما آتاني الله } أي الملك الأعظم الذي له جميع الكمال من المال والجلال بالنبوة والملك والقرب منه سبحانه ، وهو الذي يغني مطيعه عن كل ما سواه ، فمهما سأله أعطاه ، وذلك أنه صف الشياطين والإنس والسباع والوحش والطير والهوام صفوفاً فراسخ عدة ، وبسط المكان كله بلين الذهب إلى غير ذلك مما يليق به { خير مما آتاكم } أي من الملك الذي لا نبوة فيه ، ولا تأييد من الله .
ولما كان التقدير : ولكنكم لا تعلمون أن هديتكم مما يزهد فيه لتقيدكم بظاهر من الحياة الدنيا ، نسق عليه قوله : { بل أنتم } أي بجهلكم لذلك تستعظمون ما أنتم فيه ، فأنتم { بهديتكم تفرحون* } بتجويزكم أن الدنيا تردني عنكم لأنها غاية قصدي ، ويجوز أن يراد أنكم تفرحون بما يهدي إليكم فتتركون من كنتم تريدون غزوه لأجل ما آتاكم منه من الدنيا ، فحالي خلاف حالكم ، فإنه لا يرضيني إلا الدين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.