تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلٗا} (50)

{ وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ( 50 ) ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا ( 51 ) ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا ( 52 ) ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا ( 53 ) }

المفردات :

فسق : خرج .

أفتتخذونه : الهمزة في مثل هذا تنفيذ : الإنكار والتعجب ممن يفعل ذلك .

الذرية : الأولاد أو الأتباع .

عدو : يطلق على الواحد والكثير ؛ كما قال تعالى : { فإنهم عدو لي إلا رب العالمين } . ( الشعراء : 77 ) .

50

التفسير :

50- { وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه . . . }

الملائكة أجسام من نور لا يعصون الله ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون ، وقد أمر الله الملائكة بالسجود لآدم ؛ سجود تحية وتعظيم لا سجود عبادة ، وقد استجابت الملائكة لأمر الله وامتثلت وسجدت لآدم ، وكان إبليس مقيما مع الملائكة فنسب إليهم ، وعندما أمر الجميع بالسجود ، أطاعت الملائكة ، أما إبليس فخانه أصله ؛ لأنه خلق من مارج من نار ؛ ولذلك تكبر وامتنع ، ظانا أنه من نار ، وآدم من طين .

وفي القرآن الكريم : { قال أنا خير من خلقتني من نار وخلقته من طين } . ( ص : 76 ) .

وما علم أن النار خائنة تحرق ما يوضع فيها ، والطين أمين ، ينبت النبات إذا وضع فيه ، وقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة مرفوعا ( خلق الملائكة من نور ، وخلق إبليس من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم )42 .

وهذه الآية صريحة في أن إبليس كان من الجن لا من الملائكة .

روى ابن جرير بإسناد صحيح عن الحسن البصري قال : ( ما كان إبليس من الملائكة ‌طرفة عين قط ، وإنه لأصل الجن ، كما أن آدم عليه السلام أصل البشر ) .

{ ففسق عن أمر ربه } . أي : خرج عن أمر ربه ، وفسق وكفر ؛ لأنه كان من الجن ، من مارج من نار ، فغلب عليه أصله .

يقال : فسقت الرطبة ؛ إذا خرجت من أكمامها ، وفسقت الفأرة من جحرها ؛ إذا خرجت منه للعبث والفساد .

{ أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو . . . }

أي : كيف تستبدلون بمن خلقكم ورزقكم ، وأمدكم بسائر النعم ، من لم يكن لكم منه منفعة قط ، بل هو عدو لكم يترقب حصول ما يضركم .

{ بئس للظالمين بدلا } .

أي : بئس البدل للكافرين بالله ؛ اتخاذ إبليس وذريته أولياء من دونه ، وهو المنعم عليهم وعلى أبيهم آدم من قبلهم .

والخلاصة : بئست عبادة الشيطان ، بدلا من عبادة الرحمان !

وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم حيث حذر الله الناس من طاعة إبليس ، وبين أنه عدو للإنسان ، وقد أخرج أبانا آدم من الجنة ؛ فوجب أن نتخذه عدوا ، ولا ننخدع بوسوسته .

قال تعالى : { ألم أعهد لكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين . وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم . ولقد أضل منكم جبلاّ كثيرا أفلم تكونوا تعقلون } . ( يس : 62 ، 60 ) .

وقال تعالى : { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } . ( فاطر : 6 ) .

وآخر سورة في القرآن الكريم ، فيها دعوة إلى لجوء المؤمن وتحصنه برب الناس وخالقهم ، وملك الناس ، وإله الناس ، المستحق وحده للعبادة ، من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس للإنسان بالشر ويدعوه إليه ؛ فإذا ذكر المؤمن ربه ؛ خنس الشيطان ورجع . وللشيطان أتباع وأعوان من الجن ، وأتباع وأعوان من الإنس ، ونحن نتحصن ونلجأ ، ونستعيذ بالله من الشياطين والإنس والجن .

قال تعالى : { قل أعود بربّ الناس . ملك الناسّ . إله الناسّ . من شرّ الوسواس الخنّاس . الذي يوسوس في صدور الناس . من الجنة والنّاس } . ( الناس : 6 ، ‍‍1 ) .

وإن الإنسان لا يأسف ويتحسر ، أن نجد بيننا فريقا من الشباب يدّعي : أنه من عبدة الشيطان ، وكتاب الله يدعونا أن نحذر الشيطان ، وأن نستعيذ بالله منه ، وأن نعتصم بإيماننا بالله ؛ حتى لا يجد الشيطان سبيلا إلى التسلط علينا .

قال تعالى : { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } . ( الأعراف : 201 ) .

وقال عز شأنه : { إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون . إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون } ( النحل : 100 ، 99 ) .

وفي يوم القيامة يدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، ويلوم أهل النار إبليس ؛ لأنه أغواهم وغرر بهم ؛ فيخطب فيهم الشيطان خطبة بتراء ؛ يجرد نفسه من المسؤولية ، يلقي التبعة على من انجرف وراء دعوته ، وقد خلق الله للإنسان عقلا ورأيا ، وإرادة واختيارا ؛ حتى يتحمل المسؤولية في اختياره .

قال تعالى : { وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمسرخكم وما أنتم بمصرخي . . . } ( إبراهيم : 22 ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلٗا} (50)

{ وَإِذْ قُلْنَا } أي اذكر وقت قولنا { للملائكة } كلهم كما هو الظاهر ، واستثنى بعض الصوفية الملائكة المهيمين ، وبعض آخر ملائكة السماء مطلقاً وزعم أن المقول له ملائكة الأرض .

{ اسجدوا لاِدَمَ } سجود تحية وإكرام أو اسجدوا لجهته على معنى اتخذوه قبلة لسجودكم لله تعالى ، وقد مر تمام الكلام في ذلك { فَسَجَدُواْ } كلهم أجمهون امتثالاً للأمر { إِلاَّ إِبْلِيسَ } لم يكن من الساجدين بل أبى واستكبر ، وقوله تعالى : { كَانَ مِنَ الجن } كلام مستأنف سيق مساق التعليل لما يفيده استثناء اللعين من الساجدين ، وقيل : حال من المستثنى وقد مقدرة والرابط الضمير وهو اختيار أبى البقاء ، والأول الصق بالقلب فكأنه قيل ما له لم يسجد ؟ فقيل كان أصله جنياً ، وهذا ظاهر في أنه ليس من الملائكة . نعم كان معهم ومعدوداً في عدادهم ، فقد أخرج ابن جرير عن سعد بن مسعود قال : كانت الملائكة تقاتل الجن فسبى إبليس وكان صغيراً فكان مع الملائكة فتعبد بالسجود معهم . وأخرج نحوه عن شهر بن حوشب ، وهو قول كثير من العلماء حتى قال الحسن فيما أخرجه عنه ابن المنذر . وابن أبي حاتم : قاتل الله تعالى أقواماً زعموا أن إبليس من الملائكة والله تعالى يقول : { كَانَ مِنَ الجن } وأخرج عنه ابن جرير . وابن الأنبياري في كتاب الأضداد . وأبو الشيخ في العظمة أنه قال : ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين وإنه لأصل الجن كما أن آدم عليه السلام أصل الإنس ، وفيه دلالة على أنه لم يكن قبله جن كما لم يكن قبل آدم عليه السلام انس ، وفي القلب من صحته ما فيه . وأقرب منه إلى الصحة ما قاله جماعة من أنه كان قبله جن إلا أنهم هلكوا ولم يكن لهم عقب سواه فالجن والشياطين اليوم كلهم من ذريته فهو في الجن كنوح عليه السلام في الإنس على ما هو المشهور ، وقيل : كان من الملائكة والجن قبيلة منهم ، وقد أخرج هذا ابن جرير . وابن المنذر . وأبو الشيخ وأبو الشيخ في العظمة . والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس ، وفي رواية أخرى عنه رضي الله تعالى عنهما أن إبليس كان من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة وكان خازناً على الجنان وكان له سلطان السماء الدنيا وكان له مجمع البحرين بحر الروم وبحر فارس وسلطان الأرض فرأى أن له بذلك عظمة وشرفاً على أهل السماء فوقع في نفسه كبر لم يعلم به أحد إلا الله تعالى فلما أمر بالسجود ظهر كبره الذي في نفسه فلعنه الله تعالى إلى يوم القيامة ، وكان على ما رواه عنه قتادة يقول : لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود .

وأجيب عن هذا بما أشرنا إليه آنفاً وبغيره مما لا يخفي ، وإلى ذلك ذهب ابن جبير ، وقد روي عنه جماعة أنه قال : الجن في الآية حي من الملائكة لم يزالوا يصوغون حلى أهل الجنة حتى تقوم الساعة ، وفي رواية أخرى عنه أن معنى { كَانَ مِنَ الجن } كان من خزنة الجنان وهو تأويل عجيب ، ومثله ما أخرجه أبو الشيخ في العظمة عن قتادة أن معنى كونه من الجن أنه أجن عن طاعة الله تعالى أي ستر ومنع ، ورواية الكثير عنه أنه قائل بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقيل : هو من الملائكة ومعنى { كَانَ مِنَ الجن } صار منهم بالمسخ ، وقيل : معنى ذلك أنه عد منهم لموافقته إياهم في المعصية حيث أنهم كانوا من قبل عاصين فبعثت طائفة من الملائكة عليهم السلام لقتالهم ، وأنت تعلم أنه يشق الجواب على من ادعى أن إبليس من الملائكة مع دعواه عصمتهم ، ولا بد أن يرتكب خلاف الظاهر في هذه الآية ، نعم مسألة عصمتهم عليهم السلام خلافية ولا قاطع في العصمة كما قال العلامة التفتازاني . وقد ذكر القاضي عياض أن طائفة ذهبوا إلى عصمة الرسل منهم والمقربين عليهم السلام ولم يقولوا بعصمة غيرهم ، وإذا ذهب مدعي كون إبليس من الملائكة إلى هذا لم يتخلص من الاعتراض إلا بزعم أنه لم يكن من المقربين ولا تساعده الآثار على ذلك ، ويبقى عليه أيضاً أن الآية تأبى مدعاه ، وكذا لو ذهب إلى ما نقل عن بعض الصوفية من أن ملائكة الأرض لم يكونوا معصومين وكان إبليس عليه اللعنة منهم { فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ } أي فخرج عن طاعته سبحانه كما قال الفراء ، وأصله من فسق الرطب إذا خرج عن قشره ، وسموا الفأرة فاسقه لخروجها من جحرها من البابين ولهذا عدي بعن كما في قول رؤبة :

يهوين في نجد وغوراً غائرا*** فواسقا عن قصدها جوائراً

والظاهر أن الفسق بهذا المعنى مما تكلمت به العرب من قبل ، وقال أبو عبيدة : لم نسمع ذلك في شيء من أشعار الجاهلية ولا أحاديثها وإنما تكلم به العرب بعد نزول القرآن ، ووافقه المبرد على ذلك فقال : الأمر على ما ذكره أبو عبيدة ، وهي كلمة فصيحة على ألسنة العرب ، وكأن ما ذكره الفراء بيان لحاصل المعنى إذ ليس الأمر بمعنى الطاعة أصلاً بل هو إما بمعنى المأمور به وهو السجود وخروجه عنه بمعنى عدم اتصافه به ، وإما قوله تعالى : { اسجدوا } وخروجه عنه مخالفته له ، وكون حاصل المعنى ذلك على المعنيين ظاهر ، وقيل : { عَنْ } للسببية كما في قولهم كسوته عن عرى وأطعمته عن جوع أي فصار فاسقاً كافراً بسبب أمر الله تعالى الملائكة المعدود هو في عدادهم إذ لولا ذلك الأمر ما تحقق إباء .

وإلى ذلك ذهب قطرب إلا أنه قال : أي ففسق عن رده أمر ربه ، ويحتمل أن يكون تقدير معنى وأن يكون تقدير إعراب ؛ وجوز على تقدير السببية أن يراد بالأمر المشيئة أي ففسق بسبب مشيئة الله تعالى فسقه ولولا ذلك لأطاع . والأظهر ما ذكر أولاً . والفاء سببية عطفت ما بعدها على قوله تعالى : { كَانَ مِنَ الجن } وأفادت تسبب فسقه عن كونه من الجن إذ شأنهم التمرد لكدورة مادتهم وخباثة ذاتهم والذي حبث لا يخرج إلا نكدا وإن كان منهم من أطاع وآمن ، وجوز أن يكون العطف على ما يفهم من الاستثناء كأنه قيل : فسجدوا إلا إبليس أبى عن السجود ففسق ، وتفيد حينئذ تسبب فسقه عن آبائه وتركه السجود . وقيل : إنها هنا غير عاطفة إذ لا يصح تعليل ترك السجود وآبائه عنه بفسقه عن أمر ربه تعالى . قال الرضى : والفاء التي لغير العطف وهي التي تسمى فاء السببية لا تخلو أيضاً من معنى الترتيب وتختص بالجمل وتدخل على ما هو جزاء مع تقدم كلمة الشرط وبدونها انتهى . وليس بشيء لأنه يكفي لصحة ترتب الثاني تسببه كما في { فوكزه موسى فقضى عليه } [ القصص : 15 ] كما صرح به في التسهيل وهنا كذلك . والتعرض لعنوان الربوبية المنافية للفسق لبيان قبح ما فعله . والمراد من الأمر بذكر وقت القصة ذكر القصة نفسها لما فيها من تشديد النكير على المتكبرين المفتخرين بأنسابهم وأموالهم المستنكفين عن الانتظام في سلك فقراء المؤمنين ببيان أن ذلك من صنيع إبليس وأنهم في ذلك تابعون لتسويله كما ينبئ عنه ما يأتي إن شاء الله تعالى ، ومنه يعلم وجه الربط ، وجوز أن يكون وجه أنه تعالى لما بين حال المغرور بالدنيا والمعرض عنها وكان سبب الاغترار بها حب الشهوات وتسويل الشيطان زهده سبحانه أولاً بزخارف الدنيا بأنها عرضة الزوال وشيكة الانتقال والباقيات الصالحات خير ثواباً وأحسن أملا من أنفسها وأعلاها ثم نفرهم عن الشيطان بتذكير ما بينهم من العداوة القديمة ، واختار أبو حيان في وجهه أنه سبحانه لما ذكر يوم القيامة والحشر وذكر خوف المجرمين مما سطر في كتبهم وكان إبليس اللعين هو الذي حملهم على المعاصي واتخاذ الشركاء ناسب ذكر إبليس والتنفير عنه تبعيداً عن المعاصي وعن امتثال ما يوسوس به ويدعو إليه . وأياً ما كان فلا يعد ذكر هذه القصة هنا مع ذكرها قبل تكراراً لأن ذكرها هنا لفائدة غير الفائدة التي ذكرت لها فيما قبل وهكذا ذكرها في كل موضع ذكرت فيه من الكتاب الجليل . ومثل هذا يقال في كل ما هو تكرار بحسب الظاهر فيه .

ولا يخفي أن أكثر المكررات ظاهراً مختلفة الأساليب متفاوتة الألفاظ والعبارات وفي ذلك من الأسرار الإلهية ما فيه فلا يستزلنك الشيطان .

{ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى } الهمزة للإنكار والتعجيب والفاء للتعقيب ، والمراد إما إنكار أن يعقوب اتخاذه وذريته أولياء العلم بصدور ما صدر منه مع التعجب من ذلك ، وإما تعقيب إنكار الاتخاذ المذكور والتعجيب منه أعلام الله تعالى بقبح صنيع اللعين فتأمل ، والظاهر أن المراد من الذرية الأولاد فتكون الآية دالة على أنه له أولاداً وبذلك قال جماعة ، وقد روي عن ابن زيد أن الله تعالى قال لابليس : أتى لا أخلق لآدم ذرية إلا ذرأت لك مثلها فليس يولد لآدم ولد إلا ولد معه شيطان يقرن به ، وعن قتادة أنه قال : إنه ينكح وينسل كما ينسل بنو آدم . وذكر في البحر أن من القائلين بذلك أيضاً الضحاك . والأعمش . والشعبي .

ونقل عن الشعبي انه قال : لا تكون ذرية إلا من زوجة فيكون قائلاً بالزوجة ، والذي في الدر المنثور برواية ابن المنذر عنه أنه سئل عن إبليس هل له زوجة ؟ فقال : إن ذلك لعرس ما سمعت به ، وأخرج ابن أبي الدنيا في المكائد . وابن أبي حاتم عن مجاهد أنه قال : ولد إبليس خمسة ثبر وهو صاحب المصائب والأعور وداسم لا أدري ما يعملان ومسوط وهو صاحب الصخب وزلبنور وهو الذي يفرق بين الناس ويبصر الرجل عيوب أهله .

وفي رواية أخرى عنه أن الأعور صاحب الزنا ومسوط صاحب أخبار الكذب يلقيها على أفواه الناس ولا يجدون لها أصلاً وراسم صاحب البيوت إذا دخل الرجل بيته ولم يسم دخل معه وإذا أكل ولم يسم أكل معه وزلبنور صاحب الأسواق وكان هؤلاء الخمسة من خمس بيضات باضها اللعين ، وقيل إنه عليه اللعنة يدخل ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين . وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان أن جميع ذريته من خمس بيضات باضها قال : وبلغني أنه يجتمع على مؤمن واحد أكثر من ربيعة ومضر والله تعالى أعلم بصحة هذه الأخبار ، وقال بعضهم : لا ولد له ، والمراد من الذرية الاتباع من الشياطين ، وعبر عنهم بذلك مجازاً تشبيهاً لهم بالأولاد ، وقيل ولعله الحق إن له أولاداً واتباعاً ، ويجوز أن يراد من الذرية مجموعهما معاً على التغليب أو الجمع بين الحقيقة والمجاز عند من يراه أو عموم المجاز .

وقد جاء في بعض الأخبار أن ممن ينسب إليه بالولاد من آمن بنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا صلى الله عليه وسلم وهو هامة رضي الله تعالى عنه وسبحان من يخرج الحي من الميت ، ولا يلزمنا أن نعلم كيفية ولادته فكثير من الأشياء مجهول الكيفية عندنا ونقول به فليكن من هذا القبيل إذا صح الخبر فيه .

واستدل نافي ملكيته بظاهر الآية حيث أفادت أنه له ذرية والملائكة ليس لهم ذلك . ولمدعيها أن يقول : بعد تسليم حمل الذرية على الأولاد .

إنه بعد أن عصى مسخ وخرج عن الملكية فصار له أولاد ولم تفد الآية أن له أولاداً قبل العصيان والاستدلال بها لا يتم إلا بذلك ، وقوله تعالى : { مِن دُونِي } في موضع الحال أي أفتتخذونهم أولياء مجاوزين عني إليهم وتستبدلونهم بي فتطيعونهم بدل طاعتي { وَهُمْ } أي والحال أن إبليس وذريته { لَكُمْ عَدُوٌّ } أي أعداء كما في قوله تعالى : { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلاَّ رَبَّ العالمين } [ الشعراء : 77 ] وقوله تعالى : { هُمُ العدو } [ المنافقون : 4 ] وإنما فعل به ذلك تشبيهاً بالمصادر نحو القبول والولوع ، وتقييد الاتخاذ بالجملة الحالية لتأكيد الإنكار وتشديده فإن مضمونها مانع من وقوع الاتخاذ ومناف له قطعاً :

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى*** عدوا له ما من صداقته بد

{ بِئْسَ للظالمين } الواضعين للشيء في غير موضعه { بَدَلاً } أي من الله سبحانه ، وهو نصب على التمييز وفاعل { بِئْسَ } ضمير مستتر يفسره هو والمخصوص بالذم محذوف أي بئس البدل من الله تعالى للظالمين إبليس وذريته ، وفي الالتفات إلى الغيبة مع وضع الظالمين موضع ضمير المخاطبين من الإيذان بكمال السخط والإشارة إلى أن ما فعلوه ظلم قبيح ما لا يخفي .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلٗا} (50)

{ 50 } { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا }

يخبر تعالى ، عن عداوة إبليس لآدم وذريته ، وأن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم ، إكراما وتعظيما ، وامتثالا لأمر الله ، فامتثلوا ذلك { إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } وقال : { أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } وقال : { أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ } فتبين بهذا عداوته لله ولأبيكم ولكم ، فكيف تتخذونه وذريته أي : الشياطين { أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا } أي : بئس ما اختاروا لأنفسهم من ولاية الشيطان ، الذي لا يأمرهم إلا بالفحشاء والمنكر عن ولاية الرحمن ، الذي كل السعادة والفلاح والسرور في ولايته . وفي هذه الآية ، الحث على اتخاذ الشيطان عدوا ، والإغراء بذلك ، وذكر السبب الموجب لذلك ، وأنه لا يفعل ذلك إلا ظالم ، وأي : ظلم أعظم من ظلم من اتخذ عدوه الحقيقي وليا ، وترك الولي الحميد ؟ " .

قال تعالى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ } وقال تعالى : { إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ }