{ الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب }
لغوب : إعياء وكلال من التعب يقال لغب لغوبا كمنع أعيا اشد الإعياء .
الذي أسكننا الجنة وهي دار الإقامة الدائمة من فضله وفيها نعيم أبدي سرمدي لقاء عملنا المحدود في الدنيا حيث كنا نتعب وننصب أملا في متاع الجنة ، فأدخلنا الله بفضله جنات إقامة دائمة لا عمل فيها ولا نصب فله سبحانه الفضل والمنة والثناء الحسن الجميل فقد كافأنا على القليل بالنعيم الدائم الأبدي السرمدي .
روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لن يدخل أحدكم الجنة عمله " قالوا ولا أنت يا رسول الله قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته فسددوا وقاربوا ولا يتمنين أحدكم الموت إما محسنا فلعله أن يزداد في إحسانه وإما مسيئا فلعله أن يتوب " . xvii
{ لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب } أي : لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء والنصب واللغوب كل منهما يستعمل في التعب وكأن المراد بنفي هذا وهذا عنهم أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم والله اعلم فمن ذلك أنهم كانوا يجهدون أنفسهم في العبادة في الدنيا فسقط عنهم التكليف بدخولها وصاروا في راحة مستمرة .
قال تعالى : كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية . ( الحاقة : 24 ) .
{ الذي أَحَلَّنَا دَارَ المقامة } أي دار الإقامة التي لا انتقال عنها أبداً وهي الجنة { مِن فَضْلِهِ } من إنعامه سبحانه وتفضله وكرمه فإن العمل وإن كان سبباً لدخول الجنة في الجملة لكن سببيته بفضل الله عز وجل أيضاً إذ ليس هناك استحقاق ذاتي ، ومن علم أن العمل متناه زائل وثواب الجنة دائم لا يزول لم يشك في أن الله تعالى ما أحل من أحل دار الإقامة إلا من محض فضله سبحانه وقال الزمخشري : أي من إعطائه تعالى وإفضاله من قولهم لفلان فضول على قومه وفواضل وليس من الفضل الذي هو التفضل لأن الثواب بمنزلة الأجر المستحق والتفضل كالتبرع وفيه من الاعتزال ما فيه { لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ } أي تعب { وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } كلال وفتور وهو نتيجة النصب ، وضمه إليه وتكرير الفعل المنفي للمبالغة في بيان انتفاء كل منهما كذا قال جمع من الأجلة ، وقال بعضهم : النصب التعب الجسماني واللغوب التعب النفساني .
وأخرج ابن جرير عن قتادة أنه فسر النصب بالوجع والكلام من باب :
لا ترى الضب بها ينجحر *** والجملة حال من أحد مفعولي أحل . وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . والسلمي { لُغُوبٌ } بفتح اللام ، قال الفراء : هو ما يغب به كالفطور والسحور ، وجاز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي لا يمسنا فيها لغوب لغوب نحو شعر شاعر كأنه وصف اللغوب بأنه قد لغب أي أعيى وتعب .
وقال «صاحب اللوامح » يجوز أن يكون مصدراً كالقبور وإن شئت جعلته صفة لمضمر أي أمر لغوب .
ومن باب الإشارة : { الذي أَحَلَّنَا دَارَ المقامة مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ } هو نصب الأبدان وتعبها من أعمال الطاعة للتقرب إليه سبحانه { وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } [ فاطر : 5 3 ] هو لغوب القلوب واضطرابها من تخيل القطيعة والرد وهجر الحبيب ، وقيل : لا يسمنا فيها نصب السعي في تحصيل أي أمر اردناه ولا يمسنا فيها لغوب تخيل ذهاب أي مطلوب حصلناه ، وقد أشاروا إلى أن كل ذلك من فضل الله تاعلى والله عز وجل ذو الفضل العظيم ، هذا ونسأل الله تعالى من فضله الحلو ما تنشق منه مرارة الحسود وينفطر به قلب كل عدو وينتعش فؤاد كل محب ودود .
{ الَّذِي أَحَلَّنَا } أي : أنزلنا نزول حلول واستقرار ، لا نزول معبر واعتبار . { دَارَ الْمُقَامَةِ } أي : الدار التي تدوم فيها الإقامة ، والدار التي يرغب في المقام فيها ، لكثرة خيراتها ، وتوالي مسراتها ، وزوال كدوراتها ، وذلك الإحلال { مِنْ فَضْلِهِ } علينا وكرمه ، لا بأعمالنا ، فلولا فضله ، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه .
{ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } أي : لا تعب في الأبدان ولا في القلب والقوى ، ولا في كثرة التمتع ، وهذا يدل على أن اللّه تعالى يجعل أبدانهم في نشأة كاملة ، ويهيئ لهم من أسباب الراحة على الدوام ، ما يكونون بهذه الصفة ، بحيث لا يمسهم نصب ولا لغوب ، ولا هم ولا حزن .
ويدل على أنهم لا ينامون في الجنة ، لأن النوم فائدته زوال التعب ، وحصول الراحة به ، وأهل الجنة بخلاف ذلك ، ولأنه موت أصغر ، وأهل الجنة لا يموتون ، جعلنا اللّه منهم ، بمنه وكرمه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.