تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِنۡ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (227)

221

{ وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم }

المفردات :

عزموا الطلاق : صمموا عليه ، من العزم وهو عقد القلب على الشيء والتصميم عليه ويقال عزم على الشيء إذا عقد نيته عليه .

226

التفسير :

وإن استمروا على ترك مباشرة نسائهم وأصروا على ذلك بعد انقضائها فإن شرع الله تعالى يحكم بالتفريق بينهما لأن الحياة الزوجية لا تقوم على البغض والكراهية والهجران وإنما تقوم على المحبة والمودة والرحمة .

قال الفخر الرازي : " كان رجل في الجاهلية لا يريد المرأة ولا يحب أ يتزوجها غيره فيحلف ألا يقربها ، فكان يتركها بذلك لا أيما ولا ذات بعل ، والغرض منه مضارة المرأة ، ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضا فأنزل الله تعالى ، وأمهل الزوج حتى يتروى ويتأمل ، فإذا رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها ، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها " .

تعقيبات

- الإيلاء شرعا أن يقول الرجل لزوجنه والله لا أقربك أربعة أشهر ، أو أربعة أشهر فصاعدا . أو لا أقربك على الإطلاق .

- جمهور العلماء على أن الطلاق لا يقع بانتهاء هذه المدة وإنما بانتهائها يأمره القاضي بالفيئة ، فإن تقبل أمر القاضي بالرضا أمهله مدة يمكنه الفيئة فيها وإن لم يتقبله بالرضا أمره بالطلاق فإن طلقها فبها وإلا فإن القاضي يطلقها عليه .

وقال الأحناف إن الطلاق يقع بمجرد انتهاء هذه المدة وهي الأربعة الأشهر ، والرجوع إنما يكون خلالها فلا زيادة فوقها ويكفي مراجعته لنفسه في تلم المدة ، وما دام لم يرجع إلى معاشرة امرأته خلالها فقد آثر فراقها ولا يصح أن نعطيه من الوقت بعدها .

- ظاهر أقوال الفقهاء أن الإيلاء فيه من اليمين ، وقالت المالكية إذا امتنع الرجل من الوطء قصد الإضرار من غير عذر ولم يحلف كان حكمه حكم المولى لأن الإيلاء لم يرد لعينه وإنما أريد لمعنى سوء المعاشرة والضرر وهذا حاصل إذا ضارها بدون يمين( 223 ) .

- يرى سيدنا عبد الله بن عباس والحسن البصري رضي الله عنهما أن هذا القانون ينطبق على الانفصال الناجم عن توتر العلاقات دون غيره . ولا ينطبق على الانفصال الذي يتم باتفاق الطرفين ورضاهما من أجل خير مشترك مع الاحتفاظ بعلاقات طيبة فيما بينهما .

وهناك فقهاء آخرون يرون أن قانون الإيلاء ينطبق على أية حالة من حالات الانفصال تتم بناء على حلف أو قسم بغض النظر عما إذا كانت العلاقات بين الزوجين تظل حسنة أم سيئة ، ومن ثم يجب ألا يزيد الانفصال عن الأربعة أشهر المحددة( 224 ) .

- حكمة التوقيت بأربعة أشهر أنها أقصى مدة تستطيع أن تحتملها المرأة .

روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشد :

تطاول هذا الليل واسود جانبه *** وأرقني لا حبيب ألاعبه

ألاعبه طورا كان جبينه *** به قمر قد بدد الليل جانبه

فوالله لولا الله تخشى عواقبه *** لحرك من هذا السرير جوانبه

ولكنني أخشى رقيبا موكلا *** بأنفاسنا لا ينفع الدهر شاهده

مخافة ربى والحياء يكفني *** وإكرام بعلي أن تنال مراكبه

فلما كان من الغد استدعى عمر تلك المرأة قال لها : أين زوجك ؟ قالت : بعثت به إلى العراق ، فاستدعى عمر نساء فسألهن عن المرأة كم مقدار تصبر عن زوجها ؟ فقلن : شهرين ، ويقل صبرها في ثلاثة أشهر وينفد صبرها في أربعة أشهر ، فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر فإذا مضت أربعة أشهر استرد الغازين ووجه بقوم آخرين ، وهذا والله أعلم يقوي اختصاص مدة الإيلاء بأربعة أشهر( 225 ) .

قال القرطبي : واختلفوا أن من حلف ألا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر ولم تطالبه امرأته ولا رفعته إلى السلطان ليوقفه( 226 ) ، لم يلزمه شيء عند مالك وأصحابه و أكثر أهل المدينة ، ومن علمائنا من يقول : يلزمه بانقضاء الأربعة الأشهر طلقة رجعية ، ومنهم ومن غيرهم من يقول : يلزمه طلقة بائنة بانقضاء الأربعة أشهر . والصحيح ما ذهب إليه مالك وأصحابه ، وذلك أن المولى لا يلزمه طلاق حتى يوقفه السلطان بمطالبة زوجته له ليفئ فيراجع امرأته بالوطء ويكفر يمينه أو يطلق ، ولا يتركه حتى يفئ أو يطلق ، والفئ : الجماع فيمن يمكن مجامعتها .

قال سليمان بن يسار : كان تسعة رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوقفون في الإيلاء ، قال مالك : وذلك الأمر عندنا ، وبه قال الليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، واختاره ابن المنذر( 227 ) .

* * *

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِنۡ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (227)

{ وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق } أي صمموا قصده بأن لم يفيئوا واستمرّوا على الإيلاء { فَإِنَّ الله سَمِيعٌ } لإيلائهم الذي صار منهم طلاقاً بائناً بمضي العدة { عَلِيمٌ } بغرضهم من هذا الإيلاء فيجازيهم على وفق نياتهم ، وهذا ما حمل عليه الحنفية هذه الآية فإنهم قالوا : الإيلاء من المرأة أن يقول : والله لا أقربك أربعة أشهر فصاعداً على التقييد بالأشهر ، أو لا أقربك على الإطلاق ، ولا يكون فيما دون ذلك عند الأئمة الأربعة وأكثر العلماء ، خلافاً للظاهرية والنخعية وقتادة وحماد وابن أبي جماد وإسحق حيث يصير عندهم مولياً في قليل المدة وكثيرها ، وحكمه إن فاء إليها في المدّة بالوطء إن أمكن ، أو بالقول إن عجز عنه صح الفيء وحنث القادر ولزمته كفارة اليمين ولا كفارة على العاجز ، وإن مضت الأربعة بانت بتطليقة من غير مطالبة المرأة إيقاع الزوج/ أو الحكم ، وقالت الشافعية : لا إيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر فلو قال : والله لا أقربك أربعة أشهر لا يكون إيلاء شرعاً عندهم ولا يترتب حكمه عليه بل هو يمين كسائر الأيمان ، إن حنث كفر ، وإن برّ فلا شيء عليه ، وللمولي التلبث في هذه المدّة فلا يطالب بفيء ولا طلاق ، فإن فاء في اليمين بالحنث فإنّ الله غفور رحيم للمولي إثم حنثه إذا كفر كما في الجديد ، أو ما توخى بالإيلاء من ضرار المرأة ونحوه بالفيئة التي هي كالتوبة وإن عزم الطلاق فإنّ الله سميع لطلاقه { عَلِيمٌ } بنيته ، وإذا مضت المدّة ولم يفئ ولم يطلق طولب بأحد الأمرين ، فإن أبى عنهما طلق عليه الحاكم ؛ وأيد كون مدّته أكثر من أربعة أشهر بأن الفاء في الآية للتعقيب فتدل على أن حكم الإيلاء من الفيئة والطلاق يترتب عليه بعد مضي أربعة أشهر ، فلا يكون الإيلاء في هذه المدّة إيلاءاً شرعاً لانتفاء حكمه وبذلك اعترضوا على الحنفية واعترضوا عليهم أيضاً بأنه لو لم يحتج إلى الطلاق بعد مضي المدة لزم وقوع الطلاق من غير موقع ، وإن النص يشير إلى أنه مسموع ، فلو بانت من غير طلاق لا يكون ههنا شيء مسموع ، وأجيب عن الأوّل بأن الفاء للتعقيب في الذكر ، وعن الثاني بأن المسموع ما يقارن ذلك الترك من المقاولة والمجادلة وحديث النفس به كما يسمع وسوسة الشيطان عليهم بما استمرّوا عليه من الظلم أو الإيلاء الذي صار طلاقاً بائناً بالمضي ، وهذا أنسي بقوله سبحانه وتعالى : { فَانٍ * عَزَمُواْ الطلاق } حيث اكتفى بمجرّد العزم بخلاف ما قالته الشافعية من أنه يحتاج إلى الطلاق بعد مضي المدة فإنه يحتاج إلى التقدير ، وبعده لا يحتاج إلى ( عزموا ) أو يحتاج إلى جعل ( عزم الطلاق ) كناية عنه ، فما قيل : من أن الآية بصريحها مع الشافعي ليس في محله ، وقد ذهب إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة وكثير من الإمامية .

وأخرج عبد بن حميد عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : الإيلاء إيلاءان إيلاء في الغضب ، وإيلاء في الرضا ، فأمّا الإيلاء في الغضب فإذا مضت أربعة أشهر فقد بانت منه ، وأمّا ما كان في الرضا فلا يؤاخذ به . وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنهما قال : أتى رجل علياً كرم الله تعالى وجهه فقال : إني حلفت أن لا آتي امرأتي سنتين فقال : ما أراك إلا قد آليت ، قال إنما حلفت من أجل أنها ترضع ولدي ، قال فلا إذاً . وروي عن إبراهيم «ما أعلم الإيلاء إلا في الغضب لقوله سبحانه وتعالى : { فَإِن فَآءوا } وإنما الفيء من الغضب » وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، واستدل بعموم الآية على صحة الإيلاء من الكافر ، وبأي يمين كان ، ومن غير المدخول بها والصغيرة والخصي وأن العبد تضرب له الأربعة أشهر كالحر . واستدل بتخصيص هذا الحكم بالمولي على أنّ من ترك الوطء ضراراً بلا يمين لا يلزمه شيء ، وما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت وهي تعظ خالد بن سعيد المخزومي وقد بلغها أنه هجر امرأته : إياك يا خالد وطول الهجر ، فإنك قد سمعت ما جعل الله تعالى للمولي من الأجل محمول على إرادة العطف والتحذير من التشبه بالإيلاء .