{ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم }
اللغو في اليمين : ما يجري على اللسان دون قصد مثل قوي الإنسان أي الله ، ولا والله فهذا ونحوه يسبق إلى اللسان عادة ولا يقصد به عقد اليمين فلا يؤاخذ الله به .
سامح الله المؤمن في يمين اللغو وهو سبق اللسان بما لا يقصده ، وشدد العقوبة على الأيمان الفاجرة التي يتعمد صاحبها الكذب .
ولا يعاقبكم الله تعالى لا يلزمكم بكفارة ما صدر عنكم من الأيمان اللاغية فضلا منه سبحانه وكرما .
وقد اختلف أهل التأويل في المراد من اليمين اللغو على عدة أقوال هي :
1- اليمين اللغو هي التي لا يقصدها الحالف بل تجري على لسانه عادة من غير قصد الحلف كقول القائل : لا والله وبلى والله ، " أي تجري على لسانه ألفاظ اليمين بدون قصد اليمين " .
2- إن لغو اليمين هو أن يحلف على كل شيء أنه كان فيظهر أنه لم يكن أو شيء يعتقد أنه لم يكن فيظهر أنه كان .
3- هو يمين الغضبان الذي يخرجه الغضب عن اتزانه .
5- هو يمين الناسي الذي يقسم وينسى قسمه فيخالف ما اقسم عليه .
6- هو دعاء الإنسان على نفسه كقوله : إن لم أفعل كذا فأصاب بكذا ، قال زيد بن أسلم : لغو اليمين هو دعاء الرجل على نفسه : أعمى الله بصره ، أذهب الله ماله وهو يهودي ، وهو مشرك وهذا كله لا كفارة فيه على أرجح الأقوال .
{ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم }
أي أن الله سبحانه رحيم بعباده لا يعاقبهم على أيمان اللغو غير المقصودة ولكنه يعاقب من أقسم به كذبا متعمدا ، لأنه مخادع منافق يقحم اسم الله فيخدع به الناس جلبا لمنفعة أو دفعا لمضرة .
لا يعجل بعقوبة المسيء لعله يتوب وينيب .
( أ )يمين لغو : وهي التي لا يقصد بها الحلف أو يحلف ناسيا .
( ب )يمين منعقدة : وهو أن يعقد العزم ويحلف على فعل أمر أو تركه .
فإذا رأى أن يخالف ما أقسم عليه فعل الأولى وكفر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم فمن لم يجد فصيان ثلاثة أيام .
وإذا أقسم الحالف على فعل معصية أو ترك طاعة فواجب عليه أن يخالف ما أقسم عليه ويكفر عن يمينه .
( ج ) يمين غموس أو فاجرة : وهو الحلف بالله متعمدا الكذب ، وهي غموس لا كفارة لها إلا الغموس في نار جهنم .
روى مسلم وعيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار " ( 218 ) .
2- قال مالك في الموطأ : " أحسن ما سمعت في هذا اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه ، فلا كفارة فيه ، والذي يحلف على الشيء وهو يعلم أنه آثم كاذب ليرضي به أحد ، أو يعتذر لمخلوق ، أو يقتطع به مالا ، فهذا أعظم من أن يكون فيه كفارة على من الحلف ألا يفعل الشيء المباح له فعله ثم يفعله ، أو أن يفعله ثم لا يفعله ، مثل إن حلف من يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيعه بمثل ذلك أو حلف لي ليضربن غلامه ثم لا يضربه " ( 219 ) .
قال ابن كثير في تفسيره : " روى ابن أبو حاتم عن عائشة أنها كانت تتأول هذه الآية وتقول : هو الشيء يحلف عليه أحدكم لا يريد منه إلا الصدق فيكون على غير ما حلف عليه ، ثم حكى نحو ذلك عم أبى هريرة وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير والحسن ومكحول وطاوس وقتادة وغيرهم " ( 220 ) .
روى أبو داود عن سعيد بن المسيب : ( أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث فسأل أحدهما القسمة فقال : إن عدت تسألني القسمة فكل مالي في تاج الكعبة . قال له عمر : إن الكعبة غنية عن مالك ، كفر عن يمينك وكلم أخاك ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب عز وجل ولا في قطيعة الرحم ولا فيما لا تملك )( 221 ) .
{ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أيمانكم } اللغو : الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره ولغو اليمين عند الشافعي رضي الله تعالى عنه ما سبق له اللسان ، وما في حكمه مما لم يقصد منه اليمين كقول العرب لا والله لا بالله لمجرد التأكيد ، وهو المروي عن عائشة وابن عمر وغيرهما في أكثر الروايات ، والمعنى لا يؤاخذكم أصلاً بما لا قصد لكم فيه من الأيمان .
{ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } أي بما قصدتم من الأيمان وواطأت فيها قلوبكم ألسنتكم ، ولا يعارض هذه الآية ما في المائدة ( 98 ) من قوله تعالى : { لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أيمانكم ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مساكين } الخ بناءاً على أن مقتضى هذه المؤاخذة بالغموس لأنها من كسب القلب وتلك تقتضي عدمها لأن اللغو فيها خلاف المعقودة ، وهي ما يحلف فيها على أمر في المستقبل أن يفعل ولا يفعل لوقوعه في مقابلة قوله سبحانه : { بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان } [ المائدة : 89 ] فيتناول الغموس ، وهو الحلف على أمر ماض متعمد الكذب فيه ولغويته لعدم تحقق البر فيه الذي هو فائدة اليمين الشرعية لأن الشافعي حمل { بِمَا عَقَّدتُّمُ } على كسب القلب من عقدت على كذا عزمت عليه ، ولم يعكس لأن العقد مجمل يحتمل عقد القلب ، ويحتمل ربط الشيء بالشيء ، والكسب مفسر ، ومن القواعد حمل المجمل على المفسر ، وإذا حمل عليه شمل الغموس ، وكان اللغوا لا قصد فيه لا خلاف المعقودة إذ لا معقودة فتتحد الآيتان في المؤاخدة على الغموس وعدم المؤاخذة على اللغو إلا أنه إن كان للفعل المنفي عموم كان في الآيتين نفي المؤاخذة فيما لا قصد فيه بالعقوبة ، والكفارة وإثبات المؤاخذة في الجملة بهما أو بإحداهما فيما فيه قصد ، وإن لم يكن له عموم حمل المؤاخذة المطلقة في هذه الآية على المؤاخدة المقيدة بالكفار في آية المائدة بناءاً على اتحاد الحادثة والحكم ، وسوق الآية لبيان الكفارة فلا تكرار ، وأيد العموم بما أخرجه ابن جرير عن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم «مر بقوم ينتصلون ومعه بعض أصحابه فرمى رجل من القوم فقال : أصبت والله أخطأت والله ، فقال الذي معه : حنث الرجل يا رسول الله فقال : كلا ، أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة » وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن اللغو هنا ما لا قصد فيه إلى الكذب بأن لا يكون فيه قصد أو يكون بظن الصدق ، وحمل المؤاخذة على الأخروية بناءاً على أن دار المؤاخذة هي الآخرة وأن المطلق ينصرف إلى الكامل وقرنت هذه المؤاخذة بالكسب إذ لا عبرة للقصد وعدمه في وجوب الكفارات التي هي مؤاخذات دنيوية ، لا شك أنه بمجرد اليمين بدون الحنث لا تتحقق المؤاخذة الأخروية في المعقودة فلا يمكن إجراء ما كسبت على عمومه فلا بد من تخصيصه بالغموس فيتحصل من هذه الآية المؤاخذة الأخروية في الغموس دون الدنيوية التي هي الكفارة ، وفيه خلاف الشافعي وعدم المؤاخذة الأخروية فيما عداها مما فيه قصد بظن الصدق ، ومما لا قصد فيه أصلا وفيه وفاق الشافعي وحمل المؤاخذة في آية المائدة على الدنيوية بقرينة قوله سبحانه فيها : { فَكَفَّارَتُهُ } [ المائدة : 98 ] الخ ، وقوله تعالى : { بِمَا عَقَّدتُّمُ } على المعقودة لأنّ المتبادر من العقد ربط الشيء بالشيء وهو ظاهر في المعقودة فالمراد باللغو في تلك الآية ما عداها من الغموس وغيره فيتحصل منها عدم المؤاخذة الدنيوية بالكفارة على غير المعقودة ، وهي الغموس والمؤاخذة عليه في الآخرة كما علم من آية البقرة والحلف بلا قصد أو به مع ظنّ الصدق لغير المؤاخذة عليهما في الآخرة كما علم منها أيضاً ، والمؤاخذة الدنيوية على المعقودة التي لم يعلم حكمها في الآخرة من الآيتين لظهوره من ترتب المؤاخذة الدنيوية عليه فلا تدافع بين الآيتين عنده أيضاً لأن مقتضى الأولى : تحقق المؤاخذة الأخروية في الغموس ، ومقتضى الثانية : عدم المؤاخذة الدنيوية فيه ، ومن هذا يعلم أن ما في «الهداية » وشاع في كتب الأصحاب عن الإمام حيث قال : «إن الأيمان على ثلاثة أضرب يمين الغموس ويمين منعقدة ويمين لغو » وبين حكم كل وفسر الأخير «بأن يحلف على ( أمر ) ماض وهو يظن ( أنه ) ( 1 ) كما قال والأمر بخلافه » ، وثبت في بعض الروايات عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وغيره ليس بشيء لو كان المقصود بما في التفسير الحصر لا التمثيل للغو لأن اللائق بالنظم أن يكون ( ما كسبت ) مقابلاً للغو من غير واسطة بينهما ، وبقصد الحصر يبقى اليمين الذي لا قصد معه واسطة بينهما غير معلوم الاسم ولا الرسم ، وهو مما لا يكاد يكون كما لا يخفى على المنصف فليتدبر فإنه مما فات كثيراً من الناس .
وذهب مسروق إلى أن اللغو هو الحلف على المعاصي وبره ترك ذلك الفعل ولا كفارة . وروى عن ابن عباس وطاوس أنه اليمين في حال الغضب فلا كفارة فيها . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لغو اليمين أن تحرّم ما أحل الله تعالى عليك بأن تقول : مالي عليَّ حرام إن فعلت كذا مثلاً وبهذا أخذ مالك إلا في الزوجة وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم قال : هو كقول الرجل : أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا ، وكقوله : هو مشرك هو كافر إن لم يفعل كذا ، فلا يؤاخذ به حتى يكون من قبله ، وقيل : لغو اليمين يمين المكره حكاه ابن الفرس ولم ير مسنداً هذا ولم يعطف قوله تعالى : / { لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ } الآية على ما قبله لاختلافها خبراً وإنشاءاً ، وإن كانا متشاركين في كون كل منهما بياناً لحكم الأيمان { والله غَفُورٌ } حيث يؤاخذكم باللغو { حَلِيمٌ } حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجد ؛ والجملة تذييل للجملتين السابقتين ، وفائدته الامتنان على المؤمنين وشمول الإحسان لهم والحليم من حلم بالضم يحلم إذا أمهل بتأخير العقاب ، وأصل الحلم الأناة ، وأما حلم الأديم فبالكسر يحلم بالفتح إذا فسد ، وأمّا حلم أي رأى في نومه فبالفتح ومصدر الأوّل الحلم بالكسر ومصدر الثاني الحلم بفتح اللام ومصدر الثالث الحلم بضم الحاء مع ضم اللام وسكونها .