تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَأَنۡ أَتۡلُوَاْ ٱلۡقُرۡءَانَۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ} (92)

92- { وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين }

تلك هي دعوة الإسلام : { لا إكراه في الدين . . } [ البقرة : 256 } ، إنما هي دعوة إلى الله تعالى ، وإخلاص الوجه لله ، وعلى الرسول الأمين أن يتلو القرآن ، فهو كتاب الدعوة الإسلامية وأصل أصولها ، وهو الذي أنزله الله هدى ونورا ، وهو الذي حرك في النفس نشاطها وإيمانها ، ولفت الأنظار إلى الخلق والإبداع ، وإلى كتاب الكون المفتوح ، وإلى النفس البشرية ، وبيّن كرامة الإنسان وسلامة فطرته ، وبين أن الله منح الإنسان العقل والإرادة والاختيار ، وترك له تحديد مسار نفسه بالاهتداء أو بالكفر .

{ فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه . . . } فمن اختار الهدى والإيمان ، فقد اختار الفلاح لنفسه .

قال تعالى : { ونفس وما سواها*فألهمها فجورها وتقواها*قد أفلح من زكاها* وقد خاب من دساها } [ الشمس : 7-10 ]

{ ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين }

ومن أعرض عن سماع القرآن ، واختار الضلالة على الهدى ، فليس عليّ إلا البلاغ ، وما أنا إلا نذير ، أحذر من الكفر والضلال ، وأبشر بالجنة لمن أطاع ، والإنسان حرّ في اختيار ما يناسبه ، قال تعالى : { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا*إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } [ الإنسان : 2 ، 3 ] .

وقال تعالى : { فذكر إنما أنت مذكر*لست عليهم بمسيطر } [ الغاشية : 21 ، 22 ] .

وقال تعالى : { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء . . } [ البقرة : 272 ] .

وقال سبحانه : { إن أنت إلا نذير } [ فاطر : 23 ] .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَأَنۡ أَتۡلُوَاْ ٱلۡقُرۡءَانَۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ} (92)

{ وَأَنْ أَتْلُوَ القرءان } أي أواظب على قراءته على الناس بطريق تكرير الدعوة وتثنيته الإرشاد لكفايته في الهداية إلى طريق الرشاد ، وقيل أي أواظب على قراءته لينكشف لي حقائقه الرائقة المخزونة في تضاعيفه شيئاً فشيئاً فإن المواظبة على قراءته من أسباب فتح باب الفيوضات الإلهية والأسرار القدسية ، وقد حكي أنه صلى الله عليه وسلم قام ليلة يصلي فقرأ قوله تعالى : { إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } [ المائدة : 118 ] فما زال يكررها ويظهر له من أسرارها ما يظهر حتى طلع الفجر ، وقيل أتلو من تلاه إذا تبعه ، أي وأن أتبع القرآن ، وهو خلاف الظاهر ، ويؤيد ما ذكرناه أولاً من المعنى ما في حرف أبي كما أخرجه أبو عبيد . وابن المنذر عن هارون واتل عليهم القرآن وحكى عنه في «البحر » أنه قرأ واتل هذا القرآن ، ولا تأييد فيه لما ذكرنا . وقرأ عبد الله وأن أتل بغير واو أمراً من تلا فجاز أن تكون أن مصدرية وصلت بالأمر ، وجاز أن تكون مفسرة على إضمار أمرت { فَمَنُ اهتدى } أي بالإيمان بالقرآن والعمل بما فيه من الشرائع والأحكام ، وقيل أي بالاتباع فيما ذكر من العبادة والإسلام ، وتلاوة القرآن أو اتباعه { فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ } أي فإنما منافع اهتدائه تعود إليه { وَمَن ضَلَّ } بالكفر به والإعراض عنه ، وقيل بالمخالفة فيما ذكر { فَقُلْ } أي له .

{ إِنَّمَا أَنَاْ مِنَ المنذرين } وقد خرجت عن عهدة الإنذار فليس علي من وبال ضلالك شيء وإنما هو عليك فقط ويعلم مما ذكرنا أن جواب الشرط جملة القول وما في حيزه والرابط المشترط في مثله محذوف وقدره بعضهم بعد المنذرين أي من المنذرين إياه ، وجوز أبو حيان كون الجواب محذوفاً أي من ضل فوبال ضلاله مختص به وحذف ذلك لدلالة جواب مقابله عليه ، وجوز بعضهم كون الجملة بعد هي الجواب ولكونها كناية تعريضية عما قدره أبو حيان لم تحتج إلى رابط ثم أن ظاهر التصريح بقل هنا يقتضي أن يكون فمن اهتدى الخ من كلامه عز وجل عقب به أمره صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ما قبله ، ولا بعد في كونه من مقول القول المقدر قبل قوله تعالى : { إِنَّمَا أُمِرْتُ } [ النمل : 91 ] كما سمعت .