{ قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات أم ءايتناهم كتابا فهم على بينات منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا }
أرأيتم شركاءكم : أخبروني عن آلهتكم الذين أشركتموهم في العبادة .
شرك في السموات : نصيب في خلقها .
غرور : أباطيل تغر وهي قول الرؤساء للأتباع إن هذه الآلهة تنفعكم وتقربكم إلى الله .
هذه الآية مناقشة ومواجهة للمشركين عباد الأصنام أو لكل مشرك يعبد غير الله من الجن أو الملائكة أو البقر أو غير ذلك .
والمعنى : أخبروني عن هؤلاء الشركاء الذين جعلتموهم شركاء لله في العبادة ، هل خلقوا شيئا في هذه الأرض وهي تشهد كلها بوحدانية الصانع سبحانه وأنه ليس له شريك ؟ وهل هذه الأصنام أو الشركاء شاركوا في خلق السموات وهي بكل ما فيها من علو وأبراج وشموس وأقمار وليل ونهار تنطق بأنها صنعة الله الواحد القهار ؟ وهل أنزلنا كتابا من السماء على هؤلاء الشركاء بأنهم آلهة يستحقون العبادة ؟ ويتسع المعنى لأن يكون أيضا كالآتي هل أنزلنا عليكم يا كفار مكة كتابا من السماء فأنتم منه على بينة ودليل بأن الأصنام التي تعبدونها آلهة تستحق العبادة ؟ والاستفهام في الثلاثة استفهام إنكاري جوابه : أن الأصنام لم تشارك في خلق الأرض ولم تشارك في خلق السماء حتى تستحق العبادة ، ولم ينزل كتاب من السماء يبين ويؤكد أن الأصنام تستحق العبادة ، ولما تقرر نفي أنواع الحجج أضرب عنهم بذكر ما حملهم على الشرك فقال :
{ بل عن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا }
أي : إن الذي حملهم على الشرك هو تغرير الرؤساء للأتباع وقولهم : إن الأصنام ترجى شفاعتها والحقيقة أنها لا تنفع ولا تضر ولا تسمع ولا تشفع وقوله : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى . ( الزمر : 3 ) ما هي إلا أباطيل اقترفوها وستلقى هذه الأصنام في النار مع عبادها مهينة ذليلة هي ومن عبدها .
قال تعالى : والذين تدعون من دونه ما يملكون من قمطير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير . ( فاطر : 13-14 ) .
وقال تعالى : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون* من دون الله فأهدوهم إلى صراط الجحيم . ( الصافات : 2223 ) .
{ قُلْ } تبكيتاً لهم { قُلْ أَرَأيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ } أي آلهتكم ، والإضافة إليهم لأدنى ملابسة حيث أنهم هم الذين جعلوهم شركاء الله تعالى واعتقدوهم كذلك من غير أن يكون له أصل ما أصلاً .
وقيل : الإضافة حقيقية من حيث أنهم جعلوهم شركاء لأنفسهم فيما يملكونه أوجعلهم الله تعالى شركاء لهم في النار كما قال سبحانه { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء : 89 ] والصفة عليهما مقيدة لا مؤكدة ، وسياق النظم الكريم وسباقه ظاهران فيما تقدم { أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض } بدل اشتمال من { أَرَءيْتُمْ } لأنه بمعنى أخبروني كأنه قيل : أخبروني عن شركائكم أروني أي جزء خلقوا من الأرض حتى يستحقوا الإلهية والشركة .
وجوز أن يكون بدل كل ، وقال أبو حيان : لا تجوز البدلية لأنه إذا بدل مما دخل عليه الاستفهام فلا بد من دخول الاداة على البدل ، وأيضاً إبدال الجملة من الجملة لم يعهد في لسانهم ثم البدل على نية تكرار العامل ولا يتأنى ذلك ههنا لأنه لا عامل لا رأيتم ثم قال : والذي أذهب إليه أن { أَرَءيْتُمْ } بمعنى أخبروني وهي تطلب مفعولين أحدهما منصوب والآخر مشتمل على الاستفهام كقول العرب أرأيت زيداً ما صنع فالأول هنا { شُرَكَاؤُكُمُ } والثاني { مَاذَا خَلَقُواْ } و { أَرُونِىَ } جملة اعتراضية فيها تأكيد للكلام وتسديد ، ويحتمل أن يكون ذلك أيضاً من باب الأعمال لأنه توارد على { مَاذَا خَلَقُواْ } أرأيتم . وأروني لأن أروني قد تعلق عن مفعولها الثاني كما علقت رأي التي لم تدخل عليها همزة النقل عن مفعولها في قولهم . أما ترى أي برق ههنا ويكون قد اعمل الثاني على المختار عند البصريين انتهى ، وما ذكره احتمال في الآية الكريمة كما أن ما ذكر أولاً احتمال وما قاله في رده ليس بشيء ، أما الأول فلأن لزوم دخول الاداة على البدل فيما إذا كان الاستفهام باق على معناه أما إذا نسخ عنه كام هنا فليس ذلك بلازم ، وأما الثاني فلأن أهل العربية والمعاني نصوا على خلافه وقد ورد في كلام العرب كقوله :
أقول له ارحل لا تقيمن عندنا *** وإلا فكن في السر والجهر مسلماً
وأما الثالث فلأن كون البدل على نية تكرار العامل إنما هو كما نقل الخفاجي عنهم في بدل المفردات .
وليس لك أن تقول العامل هنا موجود وهو { قُلْ } لأن العبرة بالمقول ولا عامل فيه إذ يقال وهو ظاهر ، وجوز أن لا يكون { أَرَءيْتُمْ } بمعنى أخبروني بل المراد حقيقة الاستفهام عن الرؤية وأروني أمر تعجزي للتبيين أي أعلمتم هذه التي تدعونها ما هي وعلى ما هي عليه من العجز أو تتوهمون فيها قدرة فإن كنتم تتعلمونها عاجرة فكيف تعبدونها أو كنتم توهمتم فيها قدرة فأروني أثرها ، وما تقدم أظهر { أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ في السموات } أي بل ألهم شركة مع الله عز وجل في خلق السماوات حتى يستحقوا ما زعمتم فيهم ، وقال بعضهم : الأولى أن لا يقدر مضاف على أن المعنى أم لهم شركة معه سبحانه في السماوات خلقاً وإبقاء وتصرفاً لأن المقصود نفي آيات الإلهية عن الشركاء وليست محصورة في الخلق والتقدير أوفق بما قبله ، والكلام قيل من باب التدرج من الاستقلال إلى إلى الشركة ثم منها إلى حجة وبينة مكتوبة بالشركة كأنه قيل : أخبروني عن الذين تدعون من دون الله هل استبدوا بخلق شيء من الأرض حتى يكونوا معبودين مثل الله تعالى بل ألهم شركة معه سبحانه في خلق السماوات { أم آتيناهم كتابا } أي بل آتيناهم كتاباً ينطق بأنا اتخذناهم شركاء { فَهُمْ على بينات مِنْهُ } أي حجة ظاهرة من ذلك الكتاب بأن لهم شركة معنا .
وقال في الكشف . الظاهر أن الكلام مبني على الترقي في إثبات الشركة لأن الاستبداد بخلق جزء من الأرض شركة ما معه عز وجل والاشتراك معه سبحانه في خلق السماوات أدل على إثباتها ثم إيتاء كتاب منه تعالى على أنهم شركاؤه أدل وأدل ، وقيل : هم في { ءاتيناهم } للمشركين وكذا في فنهم كما في قوله تعالى : { أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلطانا } [ الروم : 5 3 ] الخ ففي الكلام التفات من ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة إعراضا عن المشركين وتنزيلاً لهم منزلة الغيب .
والمعنى أن عبادة هؤلاء إما بالعقل ولا عقل يحكم بصحة عبادة من لا يخلق جزأ ما من الأرض دلالة شرك في السماء وإما بالنقل ولم نؤت المشركين كتاباً فيه الأمر بعبادة هؤلاء ، وفيه تفكيك للضمائر ، وقال بعضهم : ضمير { ءاتيناهم } للشركاء كالضمائر السابقة وضمير { فَهُمْ على بَيّنَةٍ } للمشركين و «أم » منقطعة للاضراب عن الكلام السابق وزعم أن لا التفات حينئذ ولا تفكيك فتأمل .
وقرأ نافع . وابن عامر . ويعقوب . وأبو بكر { على بينات } بالجمع فيكون إيماء إلى أن الشرك خطير لا بد فيه من تعاضد الدلائل وهو ضرب من التهكم { بَلْ إِن يَعِدُ الظالمون بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً } لما نفي سبحانه ما نفي من الحجج في ذلك أضرب عز وجل عنه بذكر ما حملهم على الشرك وهو تقرير الأسلاف للاخلاف وإضلال الرؤساء للأتباع بأنهم شفعاء عند الله تعالى يشفعون لهم بالتقرب إليهم ، والآية عند الكثير في عبدة الأصنام وحكمها عام ؛ وقيل : في عبدة غير الله عز وجل صنماً كان أو ملكاً أو غيرهما .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.