تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (68)

المفردات :

حتى تقيموا : حتى تؤدوا أداء كاملا على أحسن وجه .

طغيانا : الطغيان : تجاوز الحد في الضلال .

فلا تأس : فلا تحزن .

التفسير :

68- قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ . . . الآية

ادعى اليهود أنهم على ملة إبراهيم ، وأنهم متمسكون بالتوراة أنهم على الحق والهدى ، ولن يؤمنوا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم {[294]} فأنزل الله تعالى هذه الآية .

والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى :

يا أهل الكتاب ، لستم على شيء يعتد به من العقيدة الصحيحة ؛ حتى تلتزموا بما أنزل الله في التوراة والإنجيل ، وحتى تؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ولا تفرقوا بين الرسل .

قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا . ( النساء : 150-151 ) .

والمعروف أن اليهود والنصارى حرفوا التوراة والإنجيل ، ولم يعلموا بما بقي بين أيديهم منها ، فارتكبوا المنكرات واتبعوا الشهوات .

وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ . أي : لستم على شيء يعتد به من أمر الذين حتى تؤمنوا بما أنزل إليكم من ربكم من قرآن كريم يهذي إلى الرشد .

وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا . . . أمعن اليهود في الضلال والإضلال وجاوزوا الحد في الكفر والعناد ، وكان الأولى بهم أن يستجيبوا لهداية القرآن ويستمعوا لآياته بقلوب مفتوحة راغبة في الاستفادة .

لكنهم بدلا من أن يزدادوا إيمانا بما أنزل الله إليك ، ازدادوا إمعانا في الكفر والطغيان ، إلا قليلا منهم استجابوا للحق فآمنوا بما أنزله الله عليك من الآيات البينات ، وبقي الكثيرون على ضلالهم القديم .

فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . أي : إذا كان شأن الكثيرين كذلك فلا تحزن عليهم ، ولا تتأسف على القوم الكافرين فإنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى ، وحسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين . وليس المراد : نهيه صلى الله عليه وسلم عن الحزن والأسى ؛ لأنهما أمران طبيعيان لا قدرة للإنسان عن صرفهما ، وإنما المراد نهيه هم لوازمهما .

كالإكثار من محاولة تجديد شأن المصائب ، وتعظيم أمرها ، وبذلك تتجدد الآلام ويحزن القلب .


[294]:انظر تفسير الآلوسي: الطبري وغيرهم حيث أوردوا ذلك في أسباب نزول الآية.
 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (68)

وإيراد الآية في تضاعيف الآية الواردة في أهل الكتاب لما أن الكل قوارع يسوء الكفار سماعها ويشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم مشافهتهم بها ، وخصوصاً ما يتلوها من النص الناعي عليهم كمال ضلالهم ، ولذلك أعيد الأمر فقال سبحانه :

{ قُلْ ياأهل أَهْلِ الكتاب } ، والمراد بهم : اليهود والنصارى كما قال بعض المفسرين وقال آخرون : المراد بهم اليهود ، فقد أخرج ابن إسحق وابن جرير وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال : «جاء رافع بن حارثة وسلام بن مشكم ومالك بن الصيف ورافع بن حريملة فقالوا : يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه وتؤمن بما عندنا من التوراة وتشهد أنها من الله تعالى حق ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بلى ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس فبرئت من إحداثكم . قالوا : فإنا نأخذ بما في أيدينا فإنا على الهدى والحق ولا نؤمن بك ولا نتبعك » فأنزل الله تعالى فيهم { قُلْ ياأهل أَهْلِ الكتاب } .

{ لَسْتُمْ على شَىْء } أي دين يعتد به ويليق بأن يسمى شيئاً لظهور بطلانه ووضوح فساده ، وفي هذا التعبير ما لا يخفى من التحقير ، ومن أمثالهم أقل من لا شيء { حتى تُقِيمُواْ التوراة والإنجيل } أي تراعوهما وتحافظوا على ما فيهما ، من الأمور التي من جملتها دلائل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وشواهد نبوته ، فإن إقامتهما وتوفية حقوقهما إنما تكون بذلك لا بالعمل بجميع ما فيهما منسوخاً كان أو غيره ، فإن مراعاة المنسوخ تعطيل لهما ورَدّ لشهادتهما { وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رَّبّكُمْ } أي القرآن المجيد ، وإقامته بالإيمان به ، وقدمت إقامة الكتابين على إقامته مع أنها المقصودة بالذات رعاية لحق الشهادة واستنزالاً لهم عن رتبة الشقاق . وقيل : المراد بالموصول كتب أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام ، وقيل : الكتب الإلهية ، فإنها كلها ناطقة بوجوب الإيمان بمن ادعى النبوة وأظهر المعجزة ووجوب طاعة من بعث إليهم له ، وقد مر تمام الكلام على مثل هذا النظم الكريم وكذا على قوله تعالى : { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طغيانا وَكُفْراً } والجملة مستأنفة كما قال شيخ الإسلام مبينة لشدة شكيمتهم وغلوهم في المكابرة والعناد وعدم إفادة التبليغ نفعاً ، وتصديرها بالقسم لتأكيد مضمونها وتحقيقه ، ونسبة الإنزال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسبته فيما مر إليهم للإنباء عن انسلاخهم عن تلك النسبة ، وإذا أريد بالموصول النعم التي أعطيها صلى الله عليه وسلم فأمر النسبة ظاهر جداً .

{ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الكافرين } أي لا تأسف ولا تحزن عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم ، فإن غائلة ذلك موصولة بهم وتبعته عائدة إليهم ، وفي المؤمنين غنى لك عنهم ، ووضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالرسوخ في الكفر ، وقيل : المراد لا تحزن على هلاكهم وعذابهم ، ووضع الظاهر موضع الضمير للتنبيه على العلة الموجبة لعدم الأسى ، ولا يخلو عن بعد .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ قُلْ ياأهل الكتاب لَسْتُمْ على شَىْء } يعتدُّ به { حتى تُقِيمُواْ التوراة } فتعطوا الظاهر حقه وتعملوا بالشريعة على الوجه الأكمل مع توحيد الأفعال { والإنجيل } فتعطوا الباطن حقه وتعملوا بالطريقة على الوجه الأتم مع توحيد الصفات { وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ } فتعطوا الحقيقة حقها وتشاهدوا الكثرة في عين الوحدة والوحدة في عين الكثرة ولا تحجبكم الكثرة عن الوحدة ولا الوحدة عن الكثرة { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طغيانا وَكُفْراً } [ المائدة : 68 ] لجهلهم به وقلة استعدادهم لمعرفة أسراره . وعن بعد السادة قدس الله تعالى أسرارهم أن القرآن المنزل على النبي المرسل صلى الله عليه وسلم ذو صفتين : صفة قهر وصفة لطف فمن تجلى له القرآن بصفة اللطف يزيد نور بصيرته بلطائف حكمته وحقائق أسراره ودقائق بيانه ويزيد بذلك نور إيمانه وتوحيده ويعرف بذلك ظاهر الخطاب وباطنه ، ومن يتجلى له بصفة القهر تزيد ظلمة طغيانه وينسد عليه باب عرفانه بحيث لا يدرك سر الخطاب فتكثر عليه الشكوك والأوهام ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة : 2 ] وقوله سبحانه : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين } [ البقرة : 26 ] وشبه بعضهم ذلك بنور الشمس فإنه ينتفع به من ينتفع ويتضرر به الخفاش ونحوه .

ومن ذلك كتب كثير من الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم فإنه قد هدى بها أرباب القلوب الصافية وضل بها الكثير حتى تركوا الصلاة واتبعوا الشهوات وعطلوا الشرائع واستحلوا المحرمات وزعموا والعياذ بالله تعالى أن ذلك هو الذي يقتضيه القول بوحدة الوجود التي هي معتقد القوم نفعنا الله تعالى بفتوحاتهم ، وقد نقل لي عن بعض من أضله الله تعالى بالاشتغال بكتب القوم ممن لم يقف على حقيقة الحال أنه لا فرق بين أن يدخل الرجل أصبعه في فمه وبين أن يدخل ذكره في فرج محرم لأن الكل واحد ، وكذا لا فرق بين أن يتزوج أجنبية وبين أن يتزوج أمه أو بنته أو أخته وهذا كفر صريح عافانا الله تعالى والمسلمين منه ، ومنشأ ذلك النظر في كتب القوم من دون فهم لمرادهم وما درى هذا المسكين أن مراعاة المراتب أمر واجب عندهم وأن ترك ذلك زندقة وأنهم قد صرحوا بأن الشريعة مظهر أعظم لأنها مظهر اسم الله تعالى الظاهر وأنه لا يمكن لأحد أن يصل إلى الله تعالى بإهمالها ، فقد جاء عن غير واحد من العارفين الطرق إلى الله تعالى مسدودة إلا على ما اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم وإذا رأيتم الرجل يطير في الهواء وقد أخل بحكم واحد من الشريعة فقولوا : إنه زنديق ولله در من قال خطاباً للحضرة المحمدية

: وأنت باب الله أي أمرء *** أتاه من غيرك لا يدخل