تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ} (88)

88- وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا . أي تمتعوا بأنواع الرزق الحلال من أكل وشرب ولباس ، وغير ذلك من الطيبات وخص الأكل بالذكر لأنه معظم مقاصد الرزق .

واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون . أي اجعلوا أنفسكم في وقاية من غضب الله الذي آمنتم به فلا تتجاوزوا ما شرعه الله لكم .

وعن الحسن البصري رضي الله عنه أن الله أدب عباده فأحسن أدبهم فقال : لينفق ذو سعة من سعته . ( الطلاق : 7 ) . ما عاب الله قوما وسع عليهم الدنيا فتنعموا بها وأطاعوا ، ولا عذر قوما زواها عنهم فعصوه .

وتمثل هاتان الآيتان مع غيرهما من هدى القرآن والسنة منهج الإسلام الوسط فهو لم يحرم الطيبات وإنما حرم الإسراف واتباع الشهوات .

وقد كان عليه الصلاة والسلام نموذجا عمليا في ذلك فهو يأكل ما يجده أكل اللحم بالثريد وشرب اللبن ، والماء الصافي وكان يأكل الخشن من الطعام ويصوم ويجوع ويطوى ، ويتمتع النعمة ويصبر مع الشدة ، ويعلم أصحابه فن حب الحياة وشكر نعم الله ، والبعد عن تحريم الحلال .

قال القرطبي : قال علماؤنا : في هذه الآية وما شابهها من الأحاديث الواردة في معناها ، رد على غلاة المتزهدين وعلى أهل البطالة من المتصوفين إذ كل فريق منهم قد عدل عن طريقه وحاد عن تحقيقه .

قال الطبري : لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء على نفسه مما أحل الله لعباده المؤمنين من طيبات المطاعم والملابس والمناكح ولذلك رد النبي صلى الله عليه وآله وسلم التبتل على ابن مظعون ، فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده ، وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب عباده إليه وعمل به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسنه لأمته واتبعه على مناهجه الأئمة الراشدون .

إن التفاضل بين المؤمنين يكون باستقامة النفس وسلامة العبادة وكثرة إيصال النفع للناس . . . . . .

ولا يكون بالانقطاع عن الدنيا وتحريم طيباتها التي أحلها الله تعالى .

وقد ورد في القرآن والسنة ما يؤيد وسطية الإسلام قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون . ( البقرة : 172 ) .

وقال عز شأنه : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين . ( الأعراف : 31 ) .

وأورد الحافظ ابن كثير طائفة من الأحاديث النبوية الشريفة في معنى هذه الآيات منها ما يأتي :

- روى الشيخان عن عائشة أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن عمله في السر فقال بعضهم لا آكل اللحم ، وقال بعضهم لا أتزوج النساء ، وقال بعضهم : لا أنام على فراش ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( ما بال أقوام يقول أحدهم كذا ، وكذا . لكنى أصوم وأفطر ، وأنام وأقوم وآكل اللحم وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ( 2 ) .

- وعن ابن عباس : أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا رسول الله إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت للنساء ، وإني حرمت على اللحم فنزلت :

يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل لكم . ( 3 )

- وروى سفيان الثوري عن عبد الله بن مسعود قال : كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس معنا نساء فقلنا ألا نستخصى ، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك ، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ عبد الله . يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل لكم ( 4 ) الآية ، وهذا كان قبل تحريم نكاح المتعة ، والله أعلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ} (88)

{ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حلالا طَيّباً } أي كلوا ما حل لكم وطاب مما رزقكم الله تعالى فحلالاً مفعول به لكلوا و { مِمَّا رَزَقَكُمُ } إما حال منه وقد كان في الأصل صفة له إلا أن صفة النكرة إذا قدمت صارت حالاً أو متعلق بكلوا و ( من ) ابتدائية . ويحتمل أن يكون في موضع المفعول لكلوا على معنى أنه صفة مفعول له قائمة مقامه أي شيئاً مما رزقكم أو بجعله نفسه مفعولاً بتأويل بعض إلا أن في هذا تكلفاً . و { حلالا } حال من الموضول أو من عائده المحذوف أو صفة لمصدر محذوف أي أكلاً حلالاً . وعلى الوجوه كلها الآية دليل لنا في شمول الرزق للحلال والحرام إذ لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة سوى التأكيد وهو خلاف الظاهر في مثل ذلك .

{ واتقوا الله الذى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ } استدعاء إلى التقوى وامتثال الوصية بوجه حسن . والآية ظاهرة في أن أكل اللذائذ لا ينافي التقوى ، وقد أكل صلى الله عليه وسلم ثريد اللحم ومدحه وكان يحب الحلوى . وقد فصلت الأخبار ما كان يأكله عليه الصلاة والسلام وأواني الكتب ملأى من ذلك . وروي أن الحسن كان يأكل الفالوذج فدخل عليه فرقد السنجي فقال : يا فرقد ما تقول في هذا ؟ فقال : لا آكله ولا أحب أكله فأقبل الحسن على غيره كالمتعجب وقال : لعاب النحل بلعاب البر مع سمن البقر هل يعيبه مسلم ، وذكر الطبرسي أن فيها دلالة على النهي عن الترهب وترك النكاح وقد جاء في غير ما خبر أنه صلى الله عليه وسلم قال : «إن الله تعالى لم يبعثني بالرهبانية » وقال عليه الصلاة والسلام في خبر طويل : «شراركم عزابكم وأراذل موتاكم عزابكم » وعن أنس قال : «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالباءة وينهانا عن التبتل نهياً شديداً » . وعن أبي نجيح قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من كان موسراً لأن ينكح فلم ينكح فليس مني » إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } أي اجعلوا ما من الله تعالى به عليكم من علوم التجليات ومواهب الأحوال والمقامات غذاء قلوبكم { حلالا طَيّباً واتقوا الله } [ المائدة : 88 ] في حصول ذلك لكم بأن تردوها منه وله ، وجعل غير واحد هذا خطاباً للواصلين من أرباب السلوك حيث أرادوا الرجوع إلى حال أهل البدايات من المجاهدات فنهوا عن ذلك وأمروا بأكل الحلال الطيب ، وفسروا الحلال بما وصل إلى المعارف من خزائن الغيب بلا كلفة ، والطيب ما يقوي القلب في شوق الله تعالى وذكر جلاله ، وقيل : الحلال الطيب ما يأكل على شهود وإلا فعلى ذكر ، فإن الأكل على الغفلة حرام في شرع السلوك ، وقال آخرون : الحلال الطيب هو الذي يراه العارف في خزانة القدر فيأخذه منها بوصف الرضا والتسليم ، والحرام ما قدر لغيره وهو يجتهد في طلبه لنفسه