أسباطا أمما : أي : قبائل صارت أمما ، وأصل السبط ، ولد الابن أو البنت .
وظللنا عليهم الغمام : وجعلنا السحاب يظلهم من الشمس .
المن والسلوى : المن : صمغة حلوة ، والسلوى : السماني .
{ 160 - وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا } .
تعود هذه الآية إلى الحديث عن بني إسرائيل فتصف ما أنعم الله به عليهم من النعم المتعددة ، ومع ذلك كان منهم الجحود والعناد ، ولعل ذلك أن يكون تحذيرا لأمة الإسلام ؛ حتى لا تقع فيما وقع فيه بنو إسرائيل من تحريف للتوراة ، وخروج على هدى السماء ، وانحراف عن روح التشريع .
المعنى : يخبر الله تعالى عن بني إسرائيل أنه صيرهم اثنتي عشرة أمة ، كل أمة منهم ترجع إلى ولد من أولاد يعقوب الاثني عشر ؛ فكانوا لهذا أسباطا له ، أي : أولادا لأولاده .
{ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أن اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أناسٍ مَّشْرَبَهُمْ } .
أصاب بنو إسرائيل العطش في التيه ، وهم في منطقة صحراوية بين مصر والشام ، فطلبوا من موسى تيسير الماء لهم حتى لا يهلكهم العطش ، فدعا موسى ربه في خضوع وتذلل ، فألهمه الله أن يضرب بعصاه أي حجر فينفجر منه الماء بعدد قبائل بني إسرائيل ؛ لتعرف كل قبيلة مكان شربها ويكون ذلك أهنأ لهم ، وأدعى إلى عدم التزاحم .
ويفهم من ذلك أن كل سبط منهم كان عدد أفراده كثيرا ، حتى جعل لهم هذا العدد من العيون بعدد أسباطهم .
وقد وردت في التوراة روايات متعددة حول هذه الحادثة منها ما ورد في الإصحاح السابع عشر :
" وعطش هناك الشعب إلى الماء ، وتذمّر الشعب على موسى . فقال الرب لموسى : مر قدام الشعب ، وخذ معك شيوخ بني إسرائيل ، وعصاك التي ضربت بها خذها في يدك واذهب . ها أنا أقف أمامك هناك على الصخرة في حوريب ، فتضرب الصخرة منها ماء ليشرب الشعب ، ففعل موسى هكذا أمام عيون شيوخ بني إسرائيل . . . " 42 .
ومن المفسرين من رجح أن المراد : حجر معين اعتمادا على ما ورد في التوراة أو الإسرائيليات .
ومنهم من رجح أن المراد : أي حجر يقابل موسى .
قال الحسن : ما كان إلا حجرا اعترضه ، وإلا عضا أخذها . ولعل الحق سبحانه أراد بذلك أن يكون معجزة ظاهرة لموسى ؛ حتى يزدادوا بنبوته استيقانا ، ويقبلوا على العمل بما جاء في التوراة .
{ وظللنا عليهم الغمام والمن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم }
أي : جعلنا الغمام يلقى ظلاله عليهم ويقيهم حرارة الشمس ، حيث أرسل الله السحاب فوق مقامهم وسيرهم ، فحال دون وصول أشعة الشمس إلى حيث يقيمون أو يسيرون .
وبقيت مشكلة الغذاء ، الذي لا مصدر له في الصحراء ولا يصل إليهم به أحد .
فتفضل الله تعالى بإنزال المن والسلوى ؛ ليكون طعاما لهم .
والمن : مادة صمغية تسقط من الشجر ، تشبه حلاوته حلاوة العسل .
والسلوى : طائر بري لذيذ اللحم سهل الصيد ، يشبه السمان ، كانت تسوقه لهم ريح الجنوب كل مساء فيمسكونه قبضا بدون تعب .
وتظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم ، كان في مدة تيههم بين مصر والشام ، والمشار إليه بقوله تعالى :
{ قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين } . ( المائدة : 26 ) .
قال السدي : " لما دخل بنو إسرائيل التيه قالوا لموسى – عليه السلام - : كيف لنا بما ها هنا ؟ أين الطعام ؟ فأنزل الله عليهم المن فكان ينزل على شجر الزنجبيل ، والسلوى وهو طائر يشبه السماني فقالوا : هذا الطعام فأين الشراب ؟ فأمر الله موسى أن يضرب بعصاه الحجر فضرب فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، فشرب كل سبط من عين ، فقالوا : هذا الشراب فأين الظل ؟ فظل الله عليهم بالغمام . . .
فذلك قوله تعالى : وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى43 .
أي : وقلنا لهم : كلوا من هذه الطيبات التي أنزلها الله لكم ، حيث يسر لكم الطعام والحلوى والماء والغمام الذي يظللكم به ، ويسر لكم سبل المعاش والإقامة فينبغي أن تعترفوا لله بذلك الفضل وتقوموا بواجب الشكر .
وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .
أي : وما ظلمونا بكفرهم بهذه النعم ، ولكن ظلموا أنفسهم بهذا الجحود والكفران ، وقد كان هذا دأبهم وعادتهم أنا بعد آن .
وقد روى مسلم عن أبي ذر مرفوعا : " يا عبادي ، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، يا عبادي ، إنكم لم تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني . . . . " 44 .
{ وقطعناهم } أي قوم موسى عليه السلام لا الأمة المذكورة كما يوهمه القرب { *وقطع } يقرأ مشدداً ومخففاً والأول هو المتواتر ويتعدى لواحد وقد يضمن معنى صير فيتعدى لاثنين فقوله تعالى : { وقطعناهم اثنتى عَشْرَةَ } حال أو مفعول ثان ، أي فرقناهم معدودين بهذا العدد أو صيرناهم اثنتي عشرة أمة يتميز بعضها عن بعض ، وقوله سبحانه وتعالى : { *أسباطا } كما قال ابن الحاجب في «شرح المفصل » بدل من العدد لا تمييز له وإلا لكانوا ستة وثلاثين ، وعليه فالتمييز محذوف أي فرقة أو نحوه ، قال الحوفي : إن صفة التمييز أقيمت مقامه والأصل فرقة اسباطا ، وجوز أن يكون تمييزاً لأن مفرد تأويلاً ، فقد ذكروا أن السبط مفرداً ولد الولد أو ولد البنت أو الولد أو القطعة من الشيء أقوال ذكرها ابن الأثير ، ثم استعمل في كل جماعة من بني إسرائيل كالقبيلة في العرب ، ولعله تسمية لهم باسم أصلهم كتميم ، وقد يطلق على كل قبيلة منهم أسباط أيضاً كما غلب الأنصار على جمع مخوص فهو حينئذ بمعنى الحي والقبيلة فلهذا وقع موقع المفرد في التمييز وهذا كما ثنى الجمع في قول أبي النجم يصف رمكة تعودت الحرب :
تبقلت في أول التبقل *** بين رماحي مالك ونهشل
وتأنيث اثنتي مع أن المعدود مذكر وما قبل الثلاثة يجري على أصل التأنيث والتذكير لتأويل ذلك بمؤنث وهو ظاهر مما قررنا ، وقرأ الأعمل وغيره { اثنتى عَشْرَةَ } بكسر الشين وروى عنه فتحها أيضاً والكسر لغة تميم والسكون لغة الحجاز ، وقوله سبحانه : { أُمَمًا } بدل بعد بدل من اثنتي عشرة لا من أسباط على تقدير أن يكون بدلاً لأنه لا يبدل من البدل ، وجوز كونه بدلاً منه إذا لم يكن بدلاً ونعتاً إن كان كذلك أو لم يكن { وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى إِذِ استسقاه قَوْمُهُ } حين استولى عليه العطش في التيه { أَنِ اضرب بّعَصَاكَ الحجر } تفسير لفعل الإيحاء { فَانٍ } بمعنى أي ، وجوز أبو البقاء كونها مصدرية { فانبجست } أي انفجرت كمات قال ابن عباس وزعم الطبرسي أن الانبجاس خروج الماء بقلة والانفجار خروجه بكثرة ، والتعبير بهذا تارة وبالأخرى أخرى باعتبار أول الخروج وما انتهى إليه والعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي فضرب فانبجست وحذف المعطوف عليه لعدم الالباسا وللإشارة إلى سرعة الامتقال حتى كأن الإيحاء وضربه أمر واحد وأن الانبجاس بأمر الله تعالى حتى كأن فعل موسى عليه السلام لا دخل فيه .
وذكر بعض المحققين أن هذه الفاء على ما قرر فصيحة وبعضهم يقدر شرطاً في الكلام فإذا ضربت فقد انبجست { مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا } وهو غير لائق بالنظم الجليل { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ } أي سبط ، والتعبير عنهم بذلك للإيذان بكثرة كل واحد من الأسباط ، وأنا إما جمع أو اسم جمع ، وذكر السعد أن أهل اللغة يسمون اسم الجمع جمعاً ، و { عِلْمٍ } بمعنى عرف الناصب مفعولاً واحداً أي قد عرف { مَّشْرَبَهُمْ } أي عينهم الخاصة بهم ، ووجه الجمع ظاهر { وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام } أي جعلنا ذلك بحيث يلقى عليهم ظله ليقيهم من حر الشمس وكان يسير يسيرهم ويسكن بإقامتهم { وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ المن والسلوى } أي الترنجبين والسماني فكان الواحد منهم يأخذ ما يكفيه من ذلك { كُلُواْ } أي قلنا أو قائلين لهم كلوا .
{ مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم } أي مستلذاته ، و { مَا } موصولة كانت أو موصوفة عبارة عن المن والسلوى { وَمَا ظَلَمُونَا } عطف على محذوف للإيجاز والإشعار بأنه أمر محقق غني عن التصريح أي فظلموا بأن كفروا بهذه النعم الجليلة وما ظلمونا بذلك { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالكفر إذ لا يتخطاهم ضرره ، وتقديم المفعول لإفادة القصر الذي يقتضيه النفي السابق ، وفي الكلام من التهكم والإشارة إلى تماديهم على ما هم فيه ما لا يخفى .