تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (171)

{ يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين }

المعنى الإجمالي :

تتألق وجوه الشهداء بما من الله به عليهم من نعمة الشهادة ونعيم الجنة وعظيم الكرامة وبأنه لا يضيع أجر المؤمنين .

فهذه الآية استئناف مبين لما هم عليه من سرور يتعلق بذواتهم بعد ان بين سبحانه سرورهم بحال الذين لم يلحقوا بهم .

أي ان هؤلاء الشهداء يستبشرون بحال إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم كما أنهم يستبشرون أيضا لأنفسهم بسبب ما انعم الله عليهم به من نعم جزيلة وبسبب ما تفضل به عليهم من زيادة الكرامة وسمو المنزلة وهذا يدل على ان هؤلاء الشهداء لا يهتمون بشأن أنفسهم فقط وإنما يهتمون أيضا بأحوال إخوانهم الذين تركوهم في الدنيا وفي ذلك ما فيه من صفاء نفوسهم وطهارة قلوبهم حيث أحبوا الخير لغيرهم كما أحبوه لأنفسهم .

والآية وإن نزلت في شهداء غزوة أحد إلا ان حكمها عام في جميع شهداء المؤمنين المجاهدين في سبيل الله .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (171)

قوله : ( يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ) وهذا التكرير في الاستبشار الأول . فالاستبشار الأول كان بلحوق إخوانهم بهم في الشهادة وبمنجاتهم من الخوف والحزن . والثاني بنعمة الله وفضله . والنعمة يراد بها الجنة . والفضل داخل فيها . وعلى هذا فإن الله تعالى يبين أن هؤلاء الشهداء قد استبشروا مرتين :

الأولى : استبشارهم بأحوال الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم .

والثانية : استبشارهم بأحوال أنفسهم خاصة .

وثمة تفصيل يتعلق بأحكام الشهيد نبينه في اقتضاب فنقول :

إن الشهيد لا يغسل إذا قتل في المعترك وهو يواجه العدو . وهذا قول الجمهور . لما روي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر بقتلى أحد فدفنوا بثيابهم ولم يصل عليهم . أما الشهيد غير قتيل المعترك فإنه يغسل . وهو قول الحنفية والشافعية والمالكية وآخرين . فقد ذهب هؤلاء جميعهم إلى غسل جميع الشهداء والصلاة عليهم إلا قتيل المعترك في قتال العدو خاصة . أما من قتل مظلوما كقتيل الخوارج واللصوص وقطاع الطريق وشبه ذلك فإنه يغسل في قول المالكية والشافعية ، خلافا للحنفية إذ قالوا : كل من قتل مظلوما لم يغسل ولكنه يصلى عليه وعلى كل شهيد .

أما إذا حمل الشهيد حيا ولم يمت في المعترك وعاش وأكل فإنه يصلى عليه كما صنع بعمر رضي الله عنه .

أما الصلاة على الشهيد فموضع خلاف كذلك . فقد ذهبت المالكية والشافعية والحنابلة وأهل الظاهر إلى أنه لا يصلي على الشهيد المقتول في المعركة ؛ وذلك لحديث جابر قال : كان النبي صلى الله عليه و سلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم . أما الحنفية فقالوا بوجوب الصلاة على الشهيد ، لكنه لا يغسل لما ورد في ذلك من آثار أكثرها مراسيل على النبي صلى الله عليه و سلم على حمزة وعلى سائر شهداء أحد . وهذا ما لا خلاف فيه .

ولو دهم العدو المسلمين بغتة فقتل منهم ، فهل يكون حكم القتيل منهم محكم قتيل المعترك ؟ ثمة قولان في ذلك ، أصحهما : أنه يغسل ويصلي عليه ؛ لأنه لم يقتل في المعترك بين الصفين{[637]} .

ويستفاد من هذه الآية ما أعده الله للشهيد من عظيم الثواب فضلا عن تكفير الخطايا والذنوب جميعا إلا الدين ؛ وذلك للخبر " القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين ، كذلك قال جبريل عليه السلام " .

والتنصيص هنا على الدين تنبيه على ما في معناه من حقوق الناس المتعلقة بالذمم . وذلك كالسرقة والغصب وأخذ المال بالباطل ونحو ذلك من التبعات الثقال . فذلك كله أولى ألا يغفر بالجهاد والاستشهاد من الدين ؛ لأن ذلك أشد وُبوقا من الدين .

على أن الدين يحول بين الشهيد ودخول الجنة هو الذي يترك له المدين وفاء ولم يوص به . أو قدر على الوفاء حال حياته ولم يؤده ولم تحدثه نفسه بالوفاء ولا بالتوصية بالأداء بعد موته . أما إذا أدانه في حق بسبب من فاقة أو عسر ونحو ذلك ومات من غير أن يترك وفاء فإن الله لا يحول بينه وبين الجنة بمنته وفضله{[638]} .


[637]:- تفسير القرطبي جـ 4 ص 269-272 وبداية المجتهد لابن رشد جـ 1 ص 192، 203.
[638]:- تفسير القرطبي جـ 4 ص 273، 274.