{ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون } .
كانت حياة المسلمين في المدينة مفعمة بالجهاد والاستشهاد كان للمسلمين شهداء في بئر معونة وشهداء في غزوة بدر وشهداء في غزوة أحد وفي غيرها من الغزوات130 .
وكان المنافقون يثبطون المسلمين عن الجهاد ويدعونهم على القعود في المدينة خوفا من الموت او القتل فبينت هاتان الآيتان فضل الشهادة ومنزلة الشهداء .
قال الواحدي : الأصح في حياة الشهداء ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من ان أرواحهم في أجواف طيور خضر وأنهم يرزقون ويأكلون ويتنعمون .
وقد ورد هذا المعنى في سورة البقرة حيث قال سبحانه :
{ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون } البقرة 154 ) .
ولقد وروى المفسرون أحاديث عديدة في سياق هذه الآيات كتفسير وتوضيح وأورد الحافظ ابن كثير طائفة من الأحاديث النبوية الشريفة في الحث على الجهاد ومن أحاديث فضل الجهاد ما يأتي :
روى البخاري عن ابن المنكدر أنه سمع جابر يقول : لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه فجعل أصحاب رسول الله ينهونني والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تبكيه او ما تبكيه ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع 131 .
وروى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد انهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا أننا في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا في الحرب 132 فقال الله عز وجل : أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون } 133 .
( قال أبو الضحى نزلت هذه الآية في اهل احد خاصة وقال جماعة من اهل التفسير : نزلت الآية في شهداء بئر معونة وقصتهم مشهورة ذكرها محمد ابن إسحاق في المغازي وقال آخرون : إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة او سرور تحسروا وقالوا : نحن في النعمة والسرور وآباؤنا وأبناؤنا في القبور فانزل الله تعالى هذه الآية تنفيسا عنهم وإخبارهم عن حال قتلاهم ) 134 .
والآية تبين منزلة الشهداء فهم في حياة سارة ونعيم لذيذ ورزق حسن عند ربهم وهذه الحياة الممتازة ترفعهم عن ان يقال فيهم كما يقال في غيرهم : أموات وإن كان المعنى اللغوي للموت بمعنى مفارقة الروح للجسد في ظاهر الامر حاصلا للشهداء كغيرهم من الموتى إلا أن هذه الحياة البرزخية التي أخبر الله بها عن الشهداء نؤمن بها كما ذكرها الله تعالى ولا ندرك حقيقتها لأنها من شؤون الغيب .
( فقد أخبر الله تعالى في هذه الآيات عن الشهداء أنهم أحياء في الجنة يرزقون والذي عليه الكثيرون أن حياة الشهداء محققة ثم منهم من يقول : ترد إلبهم الأرواح في قبورهم فينعمون كما يحيا الكفار في قبورهم فيعذبون وصار قوم إلى ان هذا مجاز والمعنى انهم في حكم الله مستحقون للتنعم في الجنة وقال آخرون أرواحهم في أجواف طير خضر وأنهم يرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعمون وهذا هو الصحيح من الاقوال لأن ما صح به النقل فهو الواقع وحديث ابن عباس نص يرفع الخلاف . . . ) 135 .
والآية تثبت للشهداء حياة على نحو ما نؤمن بها ونفوض معرفة حقيقتها لله جاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم :
169- { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا . . } ولا تظنن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل هم أحياء حياة استأثر الله بعلمها يرزقون عند ربهم رزقا حسنا .
قوله تعالى : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ) .
يبين الله أن الذين يقتلون مجاهدين في سبيل الله قد أعد لهم كرامة خاصة لا تتسنى لغير الشهداء . فالناس بالقتل تزهق أرواحهم ليكونوا في عددا الموتى ، لكن قتلى الجهاد لا يموتون ، بل يكونون أحياء ينعمون بالحياة الخاصة الحافلة بالنعيم والتكريم . والآية في شهداء أحد . وقيل : نزلت في شهداء بئر معونة . وقيل : بل هي عامة في جميع الشهداء . وفي الكشف عن طبيعة الحال التي يكون عليها الشهداء وما أعد الله لهم من الحياة الخاصة عقب القتل ، أخرج مسلم بإسناده عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال : سألنا عبد الله عن هذه الآية ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ) فقال : أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : " أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القنادل " .
وروى الإمام أحمد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا الشهيد فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى مما يرى من فضل الشهادة " {[635]} .
قوله : ( لا تسحبن الذين قتلوا ) الخطاب للرسول صلى الله عليه و سلم فهو الحاسب . وقيل : كل أحد . فيكون ( الذين ) في محل نصب مفعول به أول . و ( أمواتا ) مفعول به ثان منصوب وقوله ( أحياء ) خبر مرفوع لمبتدأ محذوف تقديره هم . وتقدير الكلام : بل هم أحياء .
والمراد أن الشهداء أحياء يرزقون في الجنة . وهم وإن فارقوا الحياة الدنيا وأجسادهم في التراب فإن أرواحهم حية لم يأت عليها الموت . وقد فضلهم الله بالرزق في الجنة عقب القتل مباشرة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.