تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} (72)

{ وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم }

المفردات :

وجه النهار : أوله سمي وجها لأنه أول ما يواجهك منه .

التفسير :

72- { وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون } .

سبب النزول :

قال الحسن والسدى : تواطأ اثنا عشر رجلا من أحبار يهود خيبر وقرى عرينة وقال بعضهم لبعض : ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد واكفروا آخره وقولوا إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمد ليس بذلك وظهر لنا كذبه وبطلان دينه فإذا فعلتم ذلك شك أ صحابه في دينهم ، وقالوا إنهم أهل كتاب وهو اعلم به فيرجعون عن دينهم إلى دينكم . . ( 185 ) واخرج ابن جرير عن مجاهد قال ( صلت يهود مع محمد صلاة الصبح وكفروا آخر النهار مكرا منهم ليروا الناس قد بدت لهم منه الضلالة بعد أن كانوا اتبعوه ) ( 186 ) . قال الشيخ محمد عبده : هذا النوع الذي تحكيه الآية من صد اليهود عن الإسلام مبني على قاعدة طبيعية في البشر وهي ان من علامة الحق ألا يرجع عنه من يعرفه وقد فقه في هذا هرقل صاحب الروم فكان مما سأل عنه أبا سفيان من شؤون النبي صلى الله عليه وسلم عندما دعاه إلى الإسلام ( هل يرجع عن دين محمد من دخل فيه ؟ فقال أبو سفيان : لا ) .

وقد أرادت هذه الطائفة ان تغش الناس من هذه الناحية ليقولوا لو أن ظهر لهؤلاء بطلان الإسلام لما رجعوا عنه بعد ان دخلوا فيه واطلعوا على باطنه وخوافيه إذ لا يعقل ان يترك الإنسان الحق بعد معرفته ويرغب عنه بعد الرغبة فيه بغير سبب .

لطيفة :

قال الرازي : الفائدة من إخبار الله تعالى عن تواطئهم على هذه الحيلة من وجوه :

الأول : ان هذه الحيل كانت مخفية فيما بينهم وما أطلعوا عليها أحد من الأجانب فلما أخبر الرسول عنها كان ذلك إخبار عن الغيب فيكون معجزا .

الثاني : انه تعالى لما اطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه الحيلة لم يحصل لها اثر في قلوب المؤمنين ولولا هذا الإعلام لكان ربما أثرت في قلب بعض من في إيمانه ضعف .

الثالث : أن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة صار ذلك رادعا لهم عن الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} (72)

قوله تعالى : ( وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ) .

جاء في سبب نزول هذه الآية أن اثني عشر حبرا من يهود خيبر قد تواطأوا فيما بينهم لبعث الريبة والشك في أذهان الضعفة من الناس ، فقال بعضهم لبعض : ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد ، واكفروا به في آخر النهار وقولوا : إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدا ليس بذلك وظهر لنا كذبه وبطلان دينه . فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم . وقالوا : إنهم أهل كتاب وهم أعلم به منا ، فيرجعون عن دينهم إلى دينكم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وأخبر نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم والمؤمنين{[492]} .

وهذه حيلة خبيثة مما ابتكرته عقول الحاقدين والحاسدين من شرار البرية . أولئك الذين يديمون التواطؤ ويصلون الليل بالنهار وهم يأتمرون بهذا الدين ليجتثوه من جذوره إن استطاعوا ، أو يثيروا من حوله الأكاذيب والشبهات ليرتاب المسلمون في دينهم فينقلبوا عنه انقلاب المرتكس المخذول ، ولينثنوا عنه انثناء المتردد الحائر :

حيلة خبيثة نكراء بادر أهل الكتاب لاصطناعها والتشبث بها عسى أن تتزلزل العقيدة الإسلامية في نفوس أصحابها ، فيكون ذلك مدعاة لانهيار الإسلام وتداعيه كليا- لا قدر الله- .

هكذا يتمنى الحاقدون والحاسدون من أهل الكتاب ، لكن هذه مجرد أحلام وأماني تظل تتزاحم في نفوس هؤلاء الأفاكين الدجاجلة لتقضهم قضا ولتؤز نفوسهم أزا . أما الإسلام فلا جرم أنه باق بقاء الدهر والزمان حتى يرث الله الدهر والزمان !

الإسلام باق برعاية الله وكلاءته كيما تستظل البشرية بأفيائه الدفيئة اللطاف .

وإذا كان الأمر بالظالمين كذلك من حيث التواطؤ فيما بينهم وتأمرهم على الإسلام بابتكار هذه الحيلة الماكرة ، وهي تظاهر بعضهم باعتناق الإسلام في الظاهر أول النهار ثم ارتدادهم عنه آخر النهار ، أو أن يكون الاعتناق فترة من الوقت ثم يعقبه الارتداد ؛ ليرتاب الضعفة من المسلمين في دينهم أو ينثنوا عنه إلى ملل الكفر . . إذا كان الأمر كان كذلك بات لزاما أن يتصدى الإسلام بتشريعه لمثل هؤلاء المخادعين فيوجب إنزال الحد بالقتل في حق المرتدين عن ملة الإسلام ؛ سدا لذريعة الفتنة والغواية التي يثيرها دهاقنة المكر والخيانة والتربص بالإسلام . وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه لدى الحديث عن حد الردة إن شاء الله .


[492]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 71.