تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّمَا جَزَـٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (33)

المفردات :

يحاربون الله ورسوله : المحارب ؛ من يحمل السلاح على الناس في البر أو البحر أو الجو ، دون إثارة منهم له . والمغتال كالمحارب . ويشمل القراصنة في البر والبحر والجو ، كقطاع الطرق . . .

ويسعون في الأرض فسادا : أي تمردا على ما شرعه الله من الأمن والطمأنينة للإنسانية كلها .

أو ينفوا من الأرض : المقصود بالأرض ؛ الأرض التي يكتسبون فيها نفوذا حراما .

ينفون منها إلى حيث لا نفوذ لهم ، ولو سجناء شلا للجريمة .

التفسير :

33- إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا . . . الآية

لما بين الله- قبل هذه الآية- أن قتل النفس الواحدة له خطورته عند الله تعالى ، وأنه يعتبر- عنده- كقتل الناس جميعا ، أتبع ذلك هذه الآية الكريمة ، التي تضمنت من التشريع ، ما يردع المعتدي الأثيم ، ويكفه عن ترويع الناس والإفساد فيما بينهم . فقال تعالى : إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ .

والآية نزلت في قطاع الطريق : كما قاله كثير من المفسرين والفقهاء ، وأصحاب الرأي . . نقل ذلك الطبرسي وغيره .

والمقصود من محاربتهم الله ورسوله : قطعهم الطريق على الناس ، وإفسادهم في الأرض وترويع الآمنين .

وجعل عملهم هذا حربا لله ورسوله ؛ إنما هو لتمردهم على ما شرعه الله سبحانه وتعالى ، من وجوب الكف عن إيذاء الناس ، وتوفير أسباب الأمن والسلام لهم .

المعنى : أفادت الآية ، أن الذين يسعون في الأرض فسادا ، بقطعهم الطريق على الناس ؛ يسلبونهم أموالهم أو أعراضهم أو يقتلونهم ، أو يقطعون أطرافهم- يعاقبون بتقتيلهم أو تصليبهم {[214]} أو قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، أو نفيهم من الأرض .

وبيان ذلك في مسائل :

1- أن وصف المحارب لله ولرسوله ، يطلق على من حمل السلاح على الناس في مدينة أو قرية ، أو في طريق أو صحراء ، وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم ، دون إثارة منهم له ، أو ثأر أو عداوة .

2- أن المغتال كالمحارب ، وهو أن يحتال في قتل إنسان ؛ ليأخذ ماله وإن لم يشهر السلاح . بأن دخل عليه بيته ، أو صحبه في سفر فأطعمه سما فقتله ، فيقتل حدا لا قودا أي : يقتل قصاص .

3- اختلف العلماء في حكم المحارب . فمنهم من قال : يعاقب بقدر ما فعل . فمن أخاف السبيل وأخذ المال ؛ قطعت يده ورجله من خلاف . وإن اخذ المال وقتل ؛ قطعت يده ورجله ثم صلب وقتل . فإذا قتل ولم يأخذ المال ؛ قتل . وإن لم يأخذ المال ولم يقتل ؛ نفي . وبهذا قال النخعي ، وعطاء وغيرهم .

وقال أبو يوسف : إذا أخذ المال وقتل ؛ صلب وقتل على الخشبة .

قال الليث : بالحربة : مصلوبا .

قال أبو حنيفة : إذا قتل ؛ قتل . وإذا أخذ المال ولم يقتل ؛ قطعت يده ورجله من خلاف ، وإذا أخذ المال وقتل ؛ فالسلطان مخير فيه : إن شاء قطع يده ورجله ، وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه .

وقال الشافعي : إذا اخذ المال ؛ قطعت يده اليمنى ، وحسمت {[215]} ثم قطعت رجله اليسرى وحسمت . وخلي سبيله ؛ لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة .

وإذا قتل ، قتل ، وإذا أخذ المال وقتل ؛ قتل وصلب .

وروى عنه أنه قال : يصلب ثلاثة أيام ، وأنه يكره أن يقتل مصلوبا ، بل يصلب بعد القتل ؛ لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة . {[216]} وبمثل قوله قال أحمد .

وقال أبو ثور : الإمام مخير على ظاهر الآية . وكذا قال مالك وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، وعمر بن عبد العزيز ، ومجاهد ، والضحاك ، والنخعي كلهم قال :

الإمام مخير في الحكم على المحاربين ؛ يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى ؛ من القتل والصلب ، أو القطع ، أو النفي ؛ أخذا بظاهر الآية .

وروى عن ابن عباس ، أنه قال : إن كان في القرآن " أو " فصاحبه بالخيار . وهذا هو الأظهر ، وهو ما نرجحه .

4- النفي من الأرض : اختلف في معناه :

فعن الشافعي : أنهم يخرجون من بلد إلى بلد ، ويطلبون لتقام عليهم الحدود . وبه قال الليث ابن سعد ، والزهري .

وقال مالك : ينفي من البلد الذي احدث فيه الحرابة إلى غيره ،

ويحبس فيه كالزاني .

وقال الكوفيون : نفيهم : سجنهم . . . فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها .

حكي مكحول عن عمر قال : أحبسه حتى أعلم منه التوبة . ولا أنفيه من بلد إلى بلد فيؤذيهم .

قال القرطبي : والظاهر أن الأرض في الآية هي أرض النازلة- أي : مكان الجريمة- ثم قال : ينبغي للإمام- إذا كان هذا المحارب مخوف الجانب ؛ يظن أن يعود إلى حرابة ، أو إفساد- أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه . وإن كان غير مخوف الجانب ؛ سرح .

قال ابن عطية : وهذا صريح مذهب مالك ، أن يغرب ويسجن حيث يغرب . وهذا على الأغلب في انه مخوف . ورجحه الطبري ؛ لأن نفيه من أرض النازلة هو نص الآية ، وسجنه بعد ، بحسب الخوف منه .

فإن تاب وفهمت توبته ؛ سرح .

5- لا يراعي في المال الذي يأخذه المحارب نصاب ، كما يراعى في السارق . وقيل : يراعي أن يكون ربع دينار . وهو نصاب القطع .

قال ابن العربي : قال الشافعي ، وأصحاب الرأي : لا يقطع من قطاع الطريق ، إلا من اخذ قدر ما تقطع فيه يد السارق .

قال مالك : يحكم عليه بحكم المحارب . وهو الصحيح ؛ لأن الله تعالى- وقت على لسان نبيه القطع في السرقة ، في ربع دينار . ولم يوقت في الحرابة شيئا ، بل ذكر جزاء المحارب ، فاقتضى ذلك توفية الجزاء- على المحاربة- عن حقه .

ثم إن هذا قياس أصل على أصل . وهو مختلف فيه . وقياس أدنى على أعلى . وذلك عكس القياس وكيف يقاس المحارب على السارق . وهو يطلب خطف المال ، فإن شعر به فر ، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال ، فإن منع منه ، أو صيح عليه وحارب عليه ، فهو محارب ؛ يحكم عليه بحكم المحارب .

قال القاضي ابن العربي : كنت في أيام حكمي بين الناس : إذا جاءني أحد بسارق- وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم ، وأصحابه يأخذون مال الرجل- حكمت فيهم بحكم المحاربين . . فافهموا هذا من أصل الدين ، وارتفعوا إلى يفاع العلم عن حضيض الجاهلين . 1ه .

نقول : وهذا ما يمسيه علماء القانون : " سرقة بالإكراه " .

وفي المسألة أحكام عظيمة ، وتفاصيل نفسية ينبغي لأهل القضاء أن يعرفوها ؛ ليطبقوها على الذين يعيثون في الليل والنهار فسادا .

فليتعرفها هؤلاء القضاة من مظانها في كتب التفسير المطولة . المعنية بأحكام القرآن ، وفي كتب الفقه .

ولينفذوها في أولئك المحاربين لله ورسوله ؛ قطعا لدابرهم .

ثم ختم الله الآية بقوله :

ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ . أي : ذلك الذي مر من جزاء المحاربين ، خزي وذل وفضيحة لهم في الدنيا . . ولهم في الآخرة عذاب عظيم .

وإنما بولغ في جزاء قطاع الطريق ؛ لأنهم يسدون سبيل الكسب والتجارة على الناس ، ويلزمونهم البيوت ، ويقطعون الأرزاق عن عباد الله ، ويروعونهم في مآمنهم ، فلذا شرع لهم أشد العقاب ، قطعا لدابرهم .


[214]:مادة التفعيل لما فيه من الزيادة على القصاص، من انه لا يسقط بالعفو لكونه حق الشرع، والمراد من التصليب: التصليب مع القتل.
[215]:الحسم: الكي لمنع سيلان الدم.
[216]:نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة: رواه البخاري في المظالم (2474) وفي الذبائح (5516) وأحمد في مسنده (18265) من حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النهبي والمثلة. ورواه النسائي في تحريم الدم (4047) من حديث أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث في خطبته على الصدقة و ينهى عن المثلة. ورواه أبو داود في الجهاد (2667) من حديث الهياج بن عمران أن عمران أبق له غلام فجعل الله عليه لئن قدرعليه ليقطعن يده فأرسلني لأسأل له فأتيت سمرة بن جندب فسألته فقال كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة فأتيت عمران بن حصين فسألته فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة. ورواه أحمد في مسنده (17686) من حديث المغيرة بن شعبة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّمَا جَزَـٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (33)

قوله تعالى : { إنما جزاؤا الذين يحابون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ( 33 ) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم } .

ثمة خلاف في سبب نزول هذه الآية . لكن الراجح والأقوى والذي عليه الجمهور هو ما رواه أئمة الحديث عن أنس بن مالك أن قوما من عكل – أو من عرينة – قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتروا{[939]} المدينة ، فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا . فلما صحوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا النعم فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم من أول النهار فأرسل في آثارهم فما ارتفع النهار حتى جيئ بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمر{[940]} أعينهم وألقوا في الحرة{[941]} يستسقون فلا يسقون " فأنزل الله الآية في هذا الصنف من الناس الذي يعيث في الأرض فسادا وتخريبا فيثير بين الناس الرعب والفوضى ، ويبدد في المجتمع ظواهر الأمن والاستقرار فيعيش المسلمون في وجل وهلع . من أجل ذلك شدد الإسلام في التنديد بهؤلاء الفاسقين المفسدين وشرع في حقهم من العقوبة الزاجرة الرادعة ما يكافئ جنايتهم النكراء . على أن محاربة الله ورسوله يراد بها محاربة أهل شريعته وملته من المسلمين . فإن محاربة المسلمين في حكم محاربة الله ورسوله . سواء كان ذلك في عصر النبوة أو غيرها من الأعصار .

والكلام في ذلك عن الحرابة ، وهي إشهار السلاح وقطع السبيل خارج المصر ، أو داخله على الخلاف فيمن يستحق اسم المحاربة . فقد ذهبت المالكية والشافعية إلى أن الحرابة إشهار داخل المصر أو خارجه . فهما من حيث وجوب الحد سواء . استنادا إلى عموم الآية وعلى هذا فإن المحارب من حمل على الناس السلاح في المصر أو في البرية وكابرهم على أنفسهم وأموالهم من غير عداوة أو ثأر .

واشتراط الشافعي في ذلك حصول الشوكة . ومعناها عنده قوة المغالبة . فهو بذلك يشترط البعد عن العمران ، لأن المغالبة إنما تتأتى بالبعد عن العمران . وعند الإمام أبي حنيفة وآخرين أن المحاربة لا تكون إلا خارج المصر حيث الخوف وقلة النصرة والبعد عن السلطان{[942]} .

واختلف الفقهاء وأهل العلم فيما يجب على المحارب من القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي من الأرض . فهل هذه العقوبات على التخيير فيكون الإمام مخيرا في إيقاع العقاب الذي يجده زاجرا أم أن هذه العقوبات مرتبة على قدر الجنايات تبعا للاختلاف في معنى قوله : { أو } . فقد ذهب فريق من أهل العلم إلى أن { أو } هنا للتخيير . وهو قول ابن عباس في رواية عنه . وقال به الحسن البصري وسعيد بن المسيب ومجاهد . فيكون المعنى بذلك أن الإمام إن شاء قتل ، وإن شاء صلب ، وإن شاء قطع الأيدي والأرجل ، وإن شاء نفى . فأيما واحد من هاتيك العقوبات شاء الإمام فعل . وهو مذهب الإمام مالك . وقال به عمر بن عبد العزيز . وآخرون ، إذ قالوا كلهم : الإمام مخير في الحكم على المحاربين . فهو يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى من القتل والصلب أو القطع أو النفي بظاهر الآية . قال ابن عباس : ما كان في القرآن { أو } فصاحبه بالخيار .

وذهب آخرون إلى أن { أو } لبيان أن هذه العقوبات تختلف باختلاف الجنايات وهي رواية عن ابن عباس . وعلى هذا فمن اقتصر على القتل قتل . ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب . ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف . ومن أخاف السبيل ولم يأخذ المال نفي من الأرض . وهو قول أكثر العلماء . وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وحمد . واحتجوا بما ذكره الطبري عن أنس بن مالك أنه قال : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن الحكم في المحراب فقال : " من أخاف السبيل وأخذ المال فاقطع يده للأخذ ورجله للإخافة ، ومن قتل فاقتله ، ومن جمع ذلك فاصلبه " .

واحتجوا أيضا بالقياس الجلي إذ قالوا : القتل العمد العدوان يوجب القتل فغلظ ذلك في قاطع الطريق وصار القتل حتما لا يجوز العفو عنه . وأخذ المال يتعلق به القطع في غير قاطع ، فغلظ ذلك في قاطع الطريق بقطع الطرفين . وإن جمعوا بين القتل وبين أخذ المال جمع في حقهم بين القتل وبين الصلب ولما في الصلب من زجر للآخرين عن الإقدام على مثل هذه المعصية{[943]} . وتفصيل الكلام في أحكام الحرابة بأكثر من ذلك في مظانه من كتب الفقه .

قوله : { أو ينفوا من الأرض } اختلف في المراد بالنفي . فقد قالت الحنفية : النفي من الأرض معناه الحبس . وهو اختيار أكثر أهل اللغة . ووجه القول بأنه الحبس أن النفي إما أن يكون المراد منه النفي من جميع الأرض ، وذلك غير ممكن . وإما أن يكون المراد إخراجه من تلك البلدة إلى بلدة أخرى فهو غير جائز ، لأن المقصود من نفيه أن يندفع شره عن المسلمين . فإذا أخرج إلى آخر استضر أهله به . وإما أن يكون المراد إخراجه إلى دار الكفر وهو كذلك غير جائز لما في إخراج المسلم إلى دار الكفر من تعريض له بالردة وهو غير جائز . فإذا بطل الكل لم يبق إلا أن يكون المراد من النفي نفيه عن جميع الأرض إلا مكان الحبس . والمحبوس يسمى منفيا من الأرض لأنه لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا ولذاتها بل ينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها .

وقال الشافعي : معناه ، إن وجد الإمام هؤلاء الحاربين قتلهم وصلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف . وإن لم يجدهم طلبهم أبدا حتى إذا قدر عليهم فعل بهم ما ذكرناه . وهو قول أحمد وإسحق . وجملة ذلك أن المحارب يطلب حتى إذا قدر عليه أقيم عليه الحد أو يظل هاربا فزعا إلى أن يتوب ويرجع .

وقال الإمام مالك : ينفي من البلد الذي أحدث فيه جنايته إلى بلد آخر ويحبس فيه كالزاني . وقيل غير ذلك .

والذي نختاره في معنى النفي من الأرض أنه النفي من بلد إلى غيره وحبسه فيه حتى تظهر توبته من فسوقه ونزوعه عن معصيته ربه{[944]} .

قوله : { ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم } اسم الإشارة { ذلك } في محل رفع مبتدأ . وجملة { لهم خزي } من خبر مقدم ومبتدأ . والجملة في محل رفع خبر للمبتدأ الأول ( اسم الإشارة ) . واسم الإشارة عائد على ما فصل من الأحكام والأجزية التي يستحقها قطاع الطرق ما بين قتل وصلب وقطع للأيدي والأرجل من خلاف ونفي من الأرض ، فذلك كله خزي لهم أي ذلة وفضيحة في هذه الدنيا . وكذلك لهم في الآخرة { عذاب عظيم } حيث النار والأهوال . وذلك إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا . أما إن تابوا في الدنيا قبل الممات فإن الله تواب رحيم . وفي ذلك روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أذنب في الدنيا فعوقب به فالله أعدل من يثني عقوبته على عبده . ومن أذنب ذنبا في الدنيا فستره وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود عليه في شيء قد عفا عنه " .


[939]:- اجتروا المدينة: كرهوا هواءها، لأنه لم يوافقهم. انظر القاموس المحيط ص 1641.
[940]:- سمر أعينهم: أي سملها أو فقأها. أنظر القاموس المحيط ص 252.
[941]:- الحرة: أرض خارج المدينة ذات حجارة سود.
[942]:- تفسير القرطبي ج 6 ص 151 والهداية ج 1 ص 423 وبداية المجتهد ج 2 ص 491.
[943]:- تفسير الرازي ج 11 ص 220-222 وتفسير القرطبي ج 5 ص 151 وبداية المجتهد ج 2 ص 492 وروح المعاني ج 6 ص 119 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 50.
[944]:- تفسير الطبري ج 4 ص 139-141 وتفسير الرازي ج 11 ص 222 وروح المعاني ج 5 ص 120 والكشاف ج 1 ص 609.