في أنفسكم : كالمرض وموت الأحباب .
22- { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير } .
الكون كلّه في قبضة الله ، وفي تقديره وفي علمه ، فالله تعالى هو خالق الكون ، وهو خالق الإنسان ، وهو المدبّر والمنظم لهذا الكون ، بما فيه من سماء وأرض ، وإنس وجن ، وحيوان وطيور ، وزواحف ووحوش ، وأنهار وبحار ، وفلاة وأشجار ، وسائر الموجودات ، وما يقع من مصيبة في الأرض من فساد زراعة أو عاهة في الزرع ، أو غرق أو حريق ، أو في الأنفس من مرض أو فقر أو عاهة ، إلا وهو مكتوب في الأزل ، فقد قدّر الله مقادير الأشياء من قبل أن يخلق السماء والأرض ، وأحكم كل شيء وفصّله تفصيلا ، وكل شيء كائن في علمه تعالى وتقديره من قبل أن يحدث ، وذلك أمر هيّن عليه ، وإن كان صعبا على البشر .
قوله عز وجل :{ ما أصاب من مصيبة في الأرض } يعني : قحط المطر ، وقلة النبات ، ونقص الثمار ، { ولا في أنفسكم } يعني : الأمراض وفقد الأولاد ، { إلا في كتاب } يعني : اللوح المحفوظ ، { من قبل أن نبرأها } من قبل أن نخلق الأرض والأنفس . قال ابن عباس : من قبل أن نبرأ المصيبة . وقال أبو العالية : يعني النسمة ، { إن ذلك على الله يسير } أي إثبات ذلك على كثرته هين على الله عز وجل .
بين - سبحانه - أن كل شىء فى هذه الحياة ، خاضع لقضاء الله - تعالى - وقدره ، وأن على المؤمن الصادق أن يكون شاكرا عند الرخاء ، صابرا عند البلاء . . . فقال - تعالى - : { مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ . . . } .
{ مَآ } فى قوله - تعالى - { مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ } نافية ، و { مِن } مزيدة لتأكيد هذا النفى وإفادة عمومه . ومفعلو " أصاب " محذوف . وقوله { فِي الأرض } إشارة إلى المصائب التى تقع فيها من فقر وقحط ، وزلازل .
وقوله : { وَلاَ في أَنفُسِكُمْ } للإشارة إلى ما يصيب الإنسان فى ذاته ، كالأمراض ، والهموم .
والاستثناء فى قوله - تعالى - : { إِلاَّ فِي كِتَابٍ } من أعم الأحوال ، والمراد بالكتاب : اللوح المحفوظ ، أو علمه - عز وجل - الشامل لكل شىء .
وقوله : { نَّبْرَأَهَآ } من البرء - بفتح الباء - بمعنى الخلق والإيجاد ، والضمير فيه يعود إلى النفس ، أو إلى الأرض ، أو إلى جميع ما ذكره الله - تعالى - من خلق المصائب فى الأرض والأنفس .
والمعنى : واعلموا - أيها المؤمنون علما يترتب عليه آثاره من العمل الصالح - أنه ما أصابكم أو ما أصاب أحدا مصيبة ، هذه المصيبة كائنة فى الأرض - كالقحط والزلازل - أو فى أنفسكم - كالأسقام والأوجاع - إلا وهذه المصائب مسجلة فى كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . . . وهذا التسجيل كائن من قبل أن نخلق هذه الأنفس ، وهذه المصائب .
وكرر - سبحانه - حرف النفى فى قوله { وَلاَ في أَنفُسِكُمْ } للإيماء إلى أن المصائب التى تتعلق بذات الإنسان ، يكون أشد تأثرا واهتماما بها ، أكثر من غيرها .
واسم الإشارة فى قوله : { إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ } يعود إلى الكتابة فى الكتاب .
أى : إن ذلك الذى أثبتناه فى لوحنا المحفوظ وفى علمنا الشامل لكل شىء . . . قبل أن نخلقكم ، وقل أن نخلق الأرض . . . يسير وسهل علينا ، لأن قدرتنا لا يعجزها شىء ، وعلمنا لا يعزب عنه شىء .
فالآية الكريمة صريحة فى بيان أن ما يقع فى الأرض وفى الأنفس من مصائب - ومن غيرها من مسرات - مكتوب ومسجل عند الله - تعالى - قبل خلق الأرض والأنفس .
وخص - سبحانه - المصائب بالذكر ، لأن الإنسان يضطرب لوقوعها اضطرابا شديدا ، وكثيرا ما يكون إحساسه بها ، وإدراكه لأثرها ، أشد من إحساسه وإدركه للمسرات .
ومن الآيات التى تشبه هذه الآية فى معنها قوله - تعالى - : { قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون }
قوله تعالى : { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير 22 لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور 23 الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد } .
ذلك إخبار من الله عما قدّره لعباده من المقادير المسطورة في علمه القديم . ليبين لهم أن كل شيء بقدر وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم ، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم . وهو قوله : { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم } يعني ما يصيبكم من مصيبة في الأرض كالقحط والجدب وجوائح الزروع والثمرات { ولا في أنفسكم } من الأسقام والأوجاع وضيق المعاش وغير ذلك من أوجه الكروب والهموم .
قوله : { إلا في كتاب } كل ما يصيب الناس من ضروب البلاء مكتوب في علم الله القديم ، في اللوح المحفوظ { من قبل أن نبرأها } أي من قبل أن يخلق الأنفس أو المصيبة . فما يصيب الإنسان من فقر ولا نصب ولا وصب ولا وجع ولا غم ولا كرب ولا خدش إلا هو مسطور في علم الله من قبل أن يخلق الإنسان والمصيبة .
قوله : { إن ذلك على الله يسير } يعني علمه بذلك من قبل أن يخلقه ويكتبه وفق حصوله في حينه أمر هين على الله .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.