تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} (77)

التفسير :

77- قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ . . . الآية

بين الله فيما سبق انحراف اليهود والنصارى عن دينهم القويم ثم دعاهم إلى التوبة والاستغفار . وهنا ينهاهم عن الغلو في الدين ومجاوزة الحد .

قال الزمخشري : دلت الآية على أن الغلو في الدين غلوان : غلو حق : هو أن يفحص عن حقائقه ، و يفتش عن أباعد معانيه ، ويجتهد في تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون . . . غلو باطل : وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة وإتباع الشبه كما يفعل أهل الأهواء والبدع والضلال {[303]} .

ومعنى الآية : قل لهم يا محمد ، يأهل الكتاب لا ينبغي لمن أن اتتجاوزوا القصد ، ولا أن تخرجوا عن الحق والصواب كأن تعبدوا غير الله مع أنه هو الذي خلقكم ورزقكم ، وكأن تصفوا عيسى بأوصاف هو برئ منها .

روى أحمد والنسائي وابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إياكم والغلو في الدين ، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين " {[304]} .

وروى البخاري عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، وإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله " {[305]} .

وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ . أي : لا يبغي لكم أن تنقادوا لشهوات الأحبار والرهبان من أسلافكم وعلمانكم ورؤسائكم الذين قد ضلوا من قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ بتحريفهم للكتب السماوية .

فأظلوا كثيرا ممن اتبعوهم وقلدوهم ووافقوهم على أكاذيبهم .

وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ . أي : عن الطريق الواضح الذي أتي به النبي صلى الله عليه وسلم وهو طريق الإسلام .


[303]:تفسير الكشاف 1/666.
[304]:إياكم والغلو في الدين: رواه النسائي في مناسك الحج (3057) وابن ماجه في المناسك (3029) وأحمد في مسنده (1854) من حديث ابن عباس قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته هات القط لي فلقطت له حصيات هن حصى الحذف فلما وضعتهن في يده قال بأمثال هؤلاء وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين.
[305]:لا تطروني كما أطرت النصارى: تقدم ص 36.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} (77)

ولما قامت الأدلة على بطلان قول اليهود ثم على{[27166]} بطلان مدعى النصارى ، ولم يبق لأحد علة ، أمره صلى الله عليه وسلم أن ينهى الفريقين عن الغلو بالباطل في أمر عيسى عليه السلام : اليهود بإنزاله عن{[27167]} رتبته ، والنصارى برفعه عنها بقوله تعالى : { قل يا أهل الكتاب } أي عامة { لا تغلوا } أي تجاوزوا الحد علواً ولا نزولاً { في دينكم } .

ولما كان الغلو ربما أطلق على شدة الفحص عن الحقائق واستنباط الخفي من الأحكام والدقائق من خبايا النصوص ، نفى ذلك بقوله : { غير الحق } وعرّفه ليفيد أن المبالغة في الحق غير منهي عنها ، وإنما المنهي عنه تجاوز دائرة الحق بكمالها ، ولو نكر لكان من جاوز حقاً إلى غيره واقعاً في النهي ، كمن جاوز الاجتهاد في الصلاة النافلة إلى الجد في العلم النافع ، ولو قيل : باطلاً ، لأوهم أن المنهي عنه{[27168]} المبالغة في الباطل ، لا أصله ومطلقه .

ولما نهاهم أن يضلوا بأنفسهم ، نهاهم أن يقلدوا في ذلك غيرهم فقال : { ولا تتبعوا } أي فاعلين فعل من يجتهد في ذلك { أهواء قوم } أي هَوَوا مع ما لهم من القوة ، فكانوا أسفل سافلين ، والهوى لا يستعمل إلا في الشر { قد ضلوا } ولما كان ضلالهم غير مستغرق للزمان الماضي ، أدخل الجار فقال : { من قبل } أي من قبل زمانكم{[27169]} هذا عن منهاج العقل فصبروا على ضلالهم وأنسوا بما تمادوا عليه في{[27170]} محالهم { وأضلوا } أي لم يكفهم ضلالُهم في أنفسهم حتى أضلوا غيرهم { كثيراً } أي من الناس بتماديهم في الباطل من التثليث وغيره حتى ظن حقاً { وضلوا } أي بعد بعث النبي صلى الله عليه وسلم بمنابذة الشرع { عن سواء } أي عدل { السبيل * } أي الذي لا سبيل في الحقيقة غيره ، لأن الشرع هو الميزان{[27171]} القسط والحكم العدل ، وهذا إشارة إلى أنهم إن{[27172]} لم ينتهوا كانوا على محض التقليد لأسلافهم الذين هم في غاية البعد عن النهج{[27173]} وترك الاهتداء بنور العلم{[27174]} ، وهذا غاية في التبكيت ، فإن تقليدهم لو كان فيما يشبه{[27175]} الحق كان جهلاً ، فكيف وإنما هو تقليد في هوى .


[27166]:زيد من ظ.
[27167]:في ظ: على.
[27168]:سقط من ظ.
[27169]:من ظ، وفي الأصل: زمانهم.
[27170]:من ظ، وفي الأصل: من.
[27171]:زيد بعده في ظ: أن.
[27172]:زيد من ظ.
[27173]:في ظ: المنهج.
[27174]:من ظ، وفي الأصل: المعلم.
[27175]:من ظ، وفي الأصل: يشبهه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} (77)

قوله : { قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق } يخاطب الله أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى قائلا : { لا تغلوا في دينكم غير الحق } والغلو هو الخروج عن الحد . غالى في أمره مغالاة ، أي بالغ . غلا في الدين : شدد حتى جاوز الحد{[1027]} وذلك أن الحق إنما يكون بين طرفي نقيضين وهما الإفراط والتفريط . وذلك هو دين الله المبرأ من التزييف والتحريف . وهو وسط بين الغلو والتقصير .

قوله : { غير الحق } منصوب على أنه صفة للمصدر . أي لا تغلوا في دينكم غلوا غير الحق ، وكلا الفريقين مغال في حق المسيح عليه السلام . فقد غالى اليهود في حقه مغالاة بشعة تهبط بهم إلى الدركات السحيقة من الفجور والظلم والخسة ، إذ نسبوه إلى الزنا . وحاشا لابن مريم النبي الزكي الرفاف . وحاشا لأمه العذراء البتول مثابة الصون والطهر والعفاف .

وفي المقابل غالت النصارى في حق عيسى ، إذ ادعوا فيه الإلهية أو قالوا إنه إله . سبحانك اللهم هذا ظلم عظيم ! فكلا الفريقين مغال مجانف مجانب للحق والصواب .

قوله : { ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل } الأهواء جمع ومفرده هوى . سمي بذلك ، لأنه يهوي بصاحبه في النار . فالهوى الباطل الموافق للنفس أو الذي تدعو إليه الشهوة دون الحجة . وقيل : ما ذكر لفظ الهوى في القرآن إلا في موضع الذم والشر . فلا يقال : فلان يهوى الخير بل يقال : يريد الخير . وقال ابن عباس : كل هوى ضلالة . والمراد في الآية : لا تتبعوا الضلال الذين هم سلفكم من الناس الذين ضلوا قديما { وأضلوا كثيرا } أي أضلوا خلقا كثيرا من الناس ممن تبعهم ووافقهم { وضلوا عن سواء السبيل } أي خرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال . وسواء السبيل يعني السبيل المعتدل السوي وهو الإسلام . ذلك أنهم حسدوا الرسول حسدا بالغا حسدا شغل قلوبهم وأعصابهم وكل اهتمامهم . فكذبوه وآذوه وتمالئوا عليه لإسكاته أو إخراجه أو قتله .


[1027]:- مختار الصحاح ص 480 والمصباح المنير ج 1 ص 106.