أنصح لكم : أتحرى ما فيه صلاحكم قولا وفعلا .
62 – أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون .
إنه هنا يعدد وظيفة الرسول وهي :
تبليغ الرسالة والوحي ، وسماها رسالات ؛ لاشتمالها على الأوامر والنواهي ، والمواعظ ، والزواجر ، والعبادات ، والمعاملات . . .
والفرق بين تبليغ الرسالة والنصح هو أن تبلغ الرسالة معناه : أن يعرفهم جميع أوامر الله ، ونواهيه وجميع أنواع التكاليف التي كلفهم الله بها .
وأما النصح فمعناه : أن يرغبهم في قبول تلك الأوامر والنواهي والعبادات ، ويحذرهم من عذاب الله إن عصوه .
وأعلم من الله ما لا تعلمون . أي : أعلم في الوقت نفسه من الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا عن طريق الوحي أشياء لا علم لكم بها ؛ لأن الله قد خصني بها . فإذا تبعتم رسالتي ؛ سرتم في طريق النور والهدى . وقريب من ذلك قول إبراهيم لأبيه :
يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا . ( مريم : 43 ) .
وهذا من شأن الرسول أن يكون مبلغا نصيحا ، ناصحا عالما بالله ، لا يدركه أحد من خلق الله في هذه الصفات .
كما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه يوم عرفة ، وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعا :
أيها الناس ، إنكم مسئولون عني ، فما أنتم قائلون ؟
قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت ، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها عليهم ويقول :
ثم استأنف الإخبار عن وظيفته بياناً لرسالته فقال : { أبلغكم } وكأن أبواب كفرهم{[32467]} كانت كثيرة فجمع باعتبارها أو باعتبار تعدد معجزاته أو تعدد نوبات الوحي في الأزمان المتطاولة والمعاني المختلفة ، أو{[32468]} أنه جمع له ما أرسل به من قبله كإدريس جده وهو ثلاثون صحيفة وشيث وهو خمسون صحيفة عليهما السلام فقال : { رسالات ربي } أي المحسن إليّ من الأوامر والنواهي وجميع أنواع التكاليف من أحوال الآخرة وغيرها ، لا أزيد فيها أنقص منها كما هو شأن كل رسول مطيع .
ولما كان الضلال من صفات{[32469]} الفعل ، اكتفى بالجملة الفعلية الدالة على الحدوث في قوله : { وأنصح } وقصر الفعل ودل على تخصيص النصح بهم ومحضه لهم فقال : { لكم } والنصيحة : الإرشاد إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه ، ولما كان الضلال من الجهل قال : { وأعلم من الله } أي من صفات الذي له صفات الكمال وسائر شؤونه { ما لا تعلمون* } أي من عظيم أخذه لمن يعصيه وغير ذلك مما ليس لكم{[32470]} قابلية لعلمه بغير سفارتي فخذوه عني تصيروا علماء ، ولا تتركوه بنسبتي إلى الضلال تزدادوا ضلالاً{[32471]} .
قوله : { أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم } أبلغكم بالتشديد للمبالغة . والرسالات جمع رسالة . وذكرها على الجميع ؛ لتنوع ما أرسل به إليهم من مختلف المعاني والمواعظ والأحكام . أو أن المراد رسالته هو ورسالات غيره من النبيين كإدريس وشيث فهو عليه السلام يخبرهم بأسلوب رحيم ودود أنه مرسل إليهم ليبلغهم رسالات الله وينصح لهم . والنصح في اللغة معناه الإخلاص وصدق المشورة والعمل . والناصح معناه الخالص من كل شائبة . ورجل ناصح ؛ أي نقي القلب{[1445]} : والمراد : أنني أبين لكم وجه المصلحة فيما ينفعكم في دنياكم وأخركم .
قوله : { وأعلموا من الله ما لا تعلمون } أي أعلم من قبل الله بوحيه الكريم من المعلومات والأخبار ما ليس لكم بها علم وذلك عن قدرته القاهرة وبطشه الشديد ، وعما يلاقيكم يوم القيامة من الأهوال والشدائد وفظاعة التعذيب ؛ إن لم تؤمنوا برسالتي إليكم ، وتكفوا عما أنتم عليه من الشرك والباطل{[1446]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.