تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦٓ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِيۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ} (54)

{ وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين54 قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم55 } .

المفردات :

أستخلصه لنفسي : أجعله خالصا لي ، أي : خاصا بي .

مكين أمين : ذو مكانة رفيعة مؤتمن على كل شيء .

التفسير :

54 { وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي . . . } .

أي : ولما ثبتت براءة يوسف ، مما نسبته إليه امرأة العزيز ؛ ارتفع قدره عند الملك ، وطلب أن يخرج من السجن ، وأن يقرب إلى الملك ، وجعله مستشارا ، وأمينا ، ومساعدا له في تدبير أمور مملكته ، وكان صاحب مكانة خاصة عنده .

وإذا نظرت إلى طلب الملك حضور يوسف ؛ فإنك تراه أولا قال : ائتوني به . ولم يزد على ذلك .

فلما ظهر إباؤه ، ووضحت أمانته وعفته في قصة امرأة العزيز ، وظهر تجلده وصبره على السجن ، إلى أن تثبت براءته ؛ ازداد تعلق الملك به ، وعظمت منزلته عند الملك ؛ فطلبه ؛ ليكون من خلصاء الملك ، بحيث لا يكون لأحد سلطان عليه سواه ، وذلك بقوله : { ائتوني به أستخلصه لنفسي } .

وهكذا يرفع الله أهل العلم والأمانة والعفة درجات عالية .

{ فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين } .

فلما حضر يوسف مقابلة الملك ، وتبين للملك من الكلام معه رجحان عقله ، واتساع مواهبه ، ومعرفته بتأويل الأحلام ؛ والاستعداد للأحداث وفي تفسير النسفى : أنه أعاد عليه تفسير الرؤيا ، وما ينبغي الاحتياط به ؛ للتغلب على جفاف النيل ، ولبيع الزرع والثمار للبلاد المجاورة ، وكيف تعبر بلاد مصر المحنة ، وفي رصيدها فائض من الزراعات ، وأثمان المبيعات ، وما يعرف بالتجارة الخارجية .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦٓ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِيۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ} (54)

ولما أتم ما قدمه مما هو الأهم - من نزاهة الصديق ، وعلم الملك ببراءته وما يتبعها - على ما كان قبله من أمر الملك بإحضاره إليه ، أتبعه إياه عاطفاً له على ما كان في نسقه من قوله { قال ما خطبكن } فقال : { وقال الملك } صرح به ولم يستغن بضميره كراهية الإلباس لما تخلل{[41815]} بينه وبين جواب امرأة العزيز من كلام يوسف عليه الصلاة والسلام ، ولو كان الكل من كلامها لاستغنى{[41816]} بالضمير ولم يحتج إلى إبرازه { ائتوني به أستخلصه } أي أطلب وأوجد خلوصه { لنفسي } أي فلا يكون لي فيه شريك ، قطعاً لطمع العزيز عنه ، ودفعاً لتوهم أنه يرده إليه ، ولعل هذا هو{[41817]} مراد يوسف عليه الصلاة والسلام بالتلبث في السجن إلى إنكشاف الحال ، خوفاً من أن يرجع إلى العزيز فتعود المرأة إلى حالها الأولى فيزداد البلاء .

ولما كان التقدير : فرجع{[41818]} رسول الملك إليه فأخبره أن الملك سأل النسوة فقلن{[41819]} ما مضى ، وأمر بإحضاره ليستخلصه لنفسه ، فقال يوسف عليه الصلاة والسلام ما تقدم من تلك الحكم البالغة{[41820]} ، وأجاب أمر الملك فأتى إليه بعد أن{[41821]} دعا لأهل السجن فقال : اللهم{[41822]} ! عطف{[41823]} عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار{[41824]} ، وكتب على باب السجن : هذه منازل البلوى ، وقبور الأحياء ، وبيوت الأحزان ، وتجربة الأصدقاء ، وشماتة الأعداء . ثم اغتسل وتنظف ولبس ثياباً جدداً{[41825]} وقصد إليه ، عطف عليه بالفاء - دليلاً على إسراعه في ذلك .

قوله : { فلما كلمه } وشاهد الملك فيه{[41826]} ما شاهد من جلال النبوة وجميل الوزارة وخلال السيادة ومخايل السعادة{[41827]} { قال } مؤكداً تمكيناً لقوله دفعاً لمن يظن أنه{[41828]} بعد السجن وما قاربه لا يرفعه هذه الرفعة : { إنك اليوم } وعبر بما هو لشدة الغرابة تمكيناً للكلام أيضاً فقال{[41829]} : { لدينا مكين } أي شديد المكنة ، من المكانة ، وهي حالة يتمكن بها صاحبها من مراده { أمين } من الأمانة ، وهي حال يؤمن معها نقض{[41830]} العهد{[41831]} ، وذلك أنه قيل : إن الملك كان يتكلم بسبعين لساناً{[41832]} فكلمه بها ، فعرفها كلها ، ثم دعا للملك بالعبراني ، فلم يعرفه الملك فقال له : ما هذا اللسان ؟ قال : لسان{[41833]} آبائي ، فعظم عنده جداً .


[41815]:في ظ و م: تحلل.
[41816]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: لا يستغنى.
[41817]:زد من م.
[41818]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: فرفع.
[41819]:زيد من ظ و م ومد.
[41820]:من مد، وف الأصل و ظ و م: المبالغة.
[41821]:من ظ ومد، وفي الأصل و م: إنه.
[41822]:سقط من ظ.
[41823]:من البحر 5/319 ولباب التأويل 3/237، وفي الأصول: اعطف.
[41824]:زيد ما بين الحاجزين من م ومد والبحر واللباب.
[41825]:سقط من مد.
[41826]:في م: معه.
[41827]:من ظ ومد، وفي الأصل و م: السعانة.
[41828]:زيد بعده في الأصل: ما، ولم تكن الزيادة في ظ و م ومد فحذفناها.
[41829]:سقط من م.
[41830]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لنقص.
[41831]:في ظ و م ومد: العقد.
[41832]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: لسانان.
[41833]:زيد ما بين الحاجزين من م ومد، وهذه القصة مسرودة في روح المعاني 4/74 واللباب 3/237 بسياق مختلف عما هنا بالإضافة إلى أن يوسف عليه السلام سلم على الملك بالعربية أولا فلم يعرفها.