تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (115)

114

{ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } .

التحريم والتحليل يكونان من الله ، وقد نعى القرآن على أهل الجاهلية تحريم أنواع من الحيوانات ، فقال سبحانه وتعالى : { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون }( المائدة : 103 ) .

وقد تكرر هذا المعنى في سورة البقرة والمائدة والأنعام ، وقد قصر الله التحريم هنا في هذه الأربع ؛ ردا على تحريم المشركين لبعض الحيوانات ، افتراء على الله ، من غير أن يحرمها الله تعالى .

ف{ الميتة } . ربما تعفنت أو فسدت ، فتعافها النفس من جهة ، ولأن في أكلها أضرارا بالجسم من جهة أخرى ، ويلحق بالميتة : المنخنقة ، والموقوذة ، والمتردية ، والنطيحة ، وما أكل السبع منها ؛ نظرا لفسادها وضررها ، ولأنها لم تذبح وتذكى وهي حية .

{ والدم } . وهو الدم النازل من الحيوان في حياته أو في مماته ، ويسمى : الدم المسفوح ، أي : السائل عند ذبح الحيوان ، وقد أثبت الطب الحديث الأضرار التي تصيب الإنسان من شرب الدم .

{ ولحم الخنزير } . وقد حرم الله الخنزير كله ، جلده ولحمه ودهنه ؛ وإنما ذكر اللحم هنا ؛ لأنه الأساس المقصود بالذبح ، وتحريم الشحم والجلد تابعان لتحريم اللحم .

{ وما أهل لغير الله به } . حيث كان أهل الجاهلية يذبحون لآلهتهم ، ويقولون عند الذبح باسم اللات أو باسم العزى ؛ والفعل { أهلّ } مأخوذ من الإهلال بمعنى : رفع الصوت ، أي : رافعين أصواتهم باسم آلهتهم ؛ وفي هذا الحيوان فساد معنوي ؛ لأنه ذكر عليه اسم غير الله ، وقد قال تعالى : { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه }( الأنعام : 118 ) .

والذبح عبادة لها مواصفات في كتب الفقه ؛ منها : أن يحد الذابح شفرته ، ويريح ذبيحته ، ويذبح الحيوان من رقبته ، ويقطع أكثر الرقبة وفيها الحلقوم والودجان والنخاع . وعند الذبح يقول : باسم الله . الله أكبر .

{ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } .

أي : من اضطر إلى أكل شيء من هذه المحرمات الأربع : كمن سار في صحراء ، وضل الطريق ، واشتد به الجوع ؛ فإنه يباح له الأكل من هذه المحرمات ، بمقدار ما يسد الرمق ، ويستبقي الحياة .

{ غير باغ } ، أي : متجاوز في قصده ، بأن يترك الحلال متعمدا إلى أكل الحرام .

{ ولا عاد } . أي : ولا معتد بأكل أكثر مما يسد الرمق ، من أكل هذه المحرمات مضطرا فلا إثم عليه ، ولا ذنب .

{ فإن الله غفور رحيم } . فإن الله يغفر له ويرحمه ؛ لأنه عليم بالملابسات التي أحاطت به ، وهو سبحانه لم يكلفنا بما لا نطيق .

قال تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها }( البقرة : 286 ) .

وقال عز شأنه : { لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها }( الطلاق : 7 ) .

وفي خواتيم سورة البقرة : { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين }( البقرة : 286 ) .

والآن وبعد مرور أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان ، يتحدث الطب الحديث عن الأضرار العديدة التي تصيب من يأكل من هذه المحرمات ، ويتضح للعيان صدق هذا القرآن ، وأنه إنما جاء من عند الله حقا ، فأنى لمحمد الذي نشأ في بلاد العرب ، أن يصل إلى تحريم هذه الأشياء بذاتها ، من غير أن يوجهه وحي السماء ، وصدق الله العظيم : { وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحى } ( النجم : 4 ، 3 } .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (115)

ولما كان الإذن إنما هو في بعض الرزق في الحال المذكور فاحتيج إلى معرفته ، وكانت المباحات أكثر من المحظورات ، حصر القليل ليعلم منه الكثير ؛ لأن كل ضدين معروفين إجمالاً عُين أحدهما ، عرف من تعيينه الآخر ، فقال تعالى : { إنما حرم } ، أي : الله الذي لا أمر لأحد معه . { عليكم الميتة } التي بينت على لسان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها ميتة وإن ذكيت . { والدم ولحم الخنزير } ، خصه بالذكر بعد دخوله في الميتة لاتخاذ النصارى أكله كالدين . { وما أهل } ، أي : بأيّ إهلال كان من أي مهل كان . ولما كان مقصود السورة لبيان الكمال ، كان تقديم غيره لتقبيح حال المعتنى به أولى فقال تعالى : { لغير الله } ، أي : الملك الأعظم الذي لا ملك سواه { به } .

ولما كان الإنسان قد يضطر إلى أكل كلّ ما يمكن أكله ، بين لهم أنه رفق بهم فأباح لهم سد الرمق من الحرام فقال تعالى : { فمن اضطر } ، أي : كيفما وقع له الاضطرار . { غير باغ } على مضطر آخر ، { ولا عاد } سدَّ الرمق .

ولما كان الإذن في الأكل من هذه الأشياء حال الضرورة إنما هو رخصة ، وكانت الشهوة داعية إلى ما فوق المأذون فيه قال تعالى : { فإن الله } ، أي : المختص بصفات الكمال ، بسبب تناوله منها على ما حده { غفور رحيم * } ، فمن زاد على ما أذن له فيه فهو جدير بالانتقام .