{ وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون112 ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون113 } .
112 { وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } .
ضرب الله الأمثال لأهل مكة ؛ حتى يضع أمامهم صورة عملية لقرية أيّ قرية من قرى المكذبين ، مثل قرية نوح ، أو هود ، أو صالح ، أو موسى ، أو محمد عليهم الصلاة والسلام ، فقد كان هؤلاء الكفار آمنون في قراهم ، يأتيهم الرزق والعافية والنعمة ، ثم أرسل الله إليهم رسولا ليؤمنوا به ، فكذبوه وجحدوا نبوته ، فأرسل الله عليهم العقوبة ، فقد أغرق الطوفان قوم نوح ، وأهلك العذاب مدين وثمود .
قال تعالى : { ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود }( هود : 95 ) ، وأغرق الله فرعون في ماء النيل .
قال تعالى : { وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين* فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ( العنكبوت : 40 ، 39 ) .
وقال عز شأنه : { كذبت ثمود بطغواها* إذ انبعث أشقاها* فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها* فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها* ولا يخاف عقباها }( الشمس : 11 15 ) .
ومن المفسرين من ذهب إلى أن المراد بهذه القرية : قرية غير معينة ، وإنما هي مثل لكل قوم قابلوا نعم الله بالجحود والكفران ، فأصابهم العذاب والنكال ، وهذا ينطبق على قوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم زكريا ، وقوم موسى ، وعيسى ، ومحمد عليهم الصلاة والسلام ، ومن المفسرين من ذهب إلى أن المراد بالقرية أهل مكة ، كانت أنعم الله تترى عليهم ، وتأتيهم الخيرات من كل مكان ، وكانوا يتمتعون بالأمن والأمان ، وتسير تجارتهم آمنة في رحلة الشتاء والصيف ، فلا يغير عليها أحد من الأعراب ؛ لأنهم أهل حرم الله وسدنة الكعبة ، ثم أرسل الله إليهم رسولا يعرفون نسبه وحسبه ، وصدقه وأمانته ، وجاء بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فكفروا بالكتاب ، وكذبوا الرسول ، فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم ، وقال : ( اللهم ، اشدد وطأتك على مضر ، اللهم اجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف )71 .
فأصاب أهل مكة الجوع ، وأذاقهم الله لباس الخوف ، أي : ذاقوا مرارة الخوف والحرب والجوع ، حتى إذا نظروا إلى السماء ؛ شاهدوا ما يشبه الدخان ، من الجوع الذي أصابهم ، عقوبة لكفرهم .
وعند التأمل نجد أن الآية يمكن أن تشمل قرى المكذبين السابقين للرسل ، وتنطبق في نفس الوقت على أهل مكة .
وقريب من معنى الآية قوله تعالى : { أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون }( القصص : 57 ) .
وقوله سبحانه : { لإيلاف في قريش* إيلافهم رحلة الشتاء والصيف* فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف }( قريش : 1 4 ) .
وقوله تعالى : { وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم } ( محمد : 13 ) .
وفي ختام القول : تظل هذه الآية نموذجا ومثالا ، لكل من قابل النعمة بالكفر والطغيان ، فتقال له ولأمثاله ، بل يمكن أن يذكر الإنسان نفسه عندما يدعوه الهوى أو الشيطان إلى ارتكاب أي فاحشة أو معصية فيقول لنفسه : { وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } ( النحل : 112 ) .
ولما عقب سبحانه ما ضرب سابقاً من الأمثال بقوله تعالى : { ورزقكم من الطيبات } ، وتلاه بذكر الساعة بقوله تعالى : { وما أمر الساعة } إلى آخره ، واستمر فيما مضت مناسباته آخذاً بعضه بحجز بعض حتى ختم بالساعة وآمن من الظلم فيها ، وبين أن الأعمال هناك هي مناط الجزاء ، عطف على ما مضى - من الأمثال المفروضة المقدرة المرغبة - مثلاً محسوساً موجوداً ، مبيناً أن الأعمال في هذه الدار أيضاً مناط الجزاء ، مرهباً من المعاجلة فيها بسوط من العذاب فقال تعالى : { وضرب الله } ، أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً لكم أيها المعاندون ! { مثلاً قرية } ، من قرى الماضين التي تعرفونها ، كقرية هود أو صالح أو لوط أو شعيب عليهم السلام ، كان حالها كحالهم ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها مكة . { كانت ءامنة } ، أي : ذات أمن يأمن به أهلها في زمن الخوف . { مطمئنة } ، أي : تارة بأهلها ، لا يحتاجون فيها إلى نجعة وانتقال بسبب زيادة الأمن بكثرة العدد وقوة المدد ، وكف الله الناس عنها ، ووجود ما يحتاج إليه أهلها . { يأتيها } ، أي : على سبيل التجدد والاستمرار ، { رزقها رغداً } ، أي : واسعاً طيباً ، { من كل مكان } ، براً وبحراً بتيسير الله تعالى لهم ذلك .
ولما كانت السعة تجر إلى البطر غالباً ، نبه تعالى لهم ذلك بالفاء فقال تعالى : { فكفرت } ، ونبه سبحانه على سعة فضله بجمع القلة الدال على أن كثرة فضله عليهم تافهة بالنسبة إلى ما عنده سبحانه وتعالى فقال : { بأنعم الله } ، أي : الذي له الكمال كله كما كفرتم . { فأذاقها الله } ، أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلماً . { لباس الجوع } ، بعد رغد العيش ، { والخوف } ، بعد الأمن والطمأنينة ، حتى صار لهم ذلك بشموله لهم لباساً ، وبشدة عركهم ذواقاً ، فكأن النظر إلى المستعار له ، وهو هنا أبلغ لدلالته على الإحاطة والذوق ، ولو نظر إلى المستعار لقال : فكساها ، فكان يفوت الذوق ، وذلك كما نظر إليه كثيّر في قوله :
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكاً *** غلقت لضحكته رقاب المال
استعار الرداء للمعروف ؛ لأنه يصون العرض صون الرداء لما يلقى عليه ، ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال ، لا وصف الرداء الذي هو المستعار ، ولو نظر إليه لوصفه بالسعة ، أو الطول مثلاً ، كما نظر إليه من قال ذاكراً السيف الذي يصون به الإنسان نفسه :
ينازعني ردائي عبد عمرو *** رويدك يا أخا بكر بن عمرو
لي الشطر الذي ملكت يميني *** ودونك فاعتجر منه بشطر
فنظر إلى المستعار وهو الرداء في لفظ الاعتجار ، فبانت فضيحة ابن الراوندي في زندقته ؛ إذ قال لابن الأعرابي : هل يذاق اللباس ؟ فقال له : لا بأس يا أيها النسناس ! هب أن محمداً ما كان نبياً ، أما كان عربياً ؟ { بما كانوا } ، أي : بجبلاتهم ، { يصنعون * } ، من الكفر والكبر ، قد مرنوا عليه بكثرة المداومة مرون الإنسان على صنعته .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.