ثم ساق القرآن بعد ذلك الأمثلة للمؤمنين المهتدين وللضالين والمغرورين فقال تعالى :
{ ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آته الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين }
" حاج " أي جادل وخاصم والمجادلة المخاصمة والمغالبة بالقول حاججته فحججته أي خاصمته بالقول عليه وتستعمل المحاجة كثيرا في المخاصمة بالباطل ومن ذلك قال تعالى : { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } وقوله تعالى : { و حاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان . . } ( الأنعام : 80 ) .
و المعنى لقد علمت أيها العاقل قصة ذلك الكافر المغرور الذي جادل إبراهيم عليه السلام في شان خالقه عز وجل ومن لم يعلم قصته فما نحن أولاء نخبره بها عن طريق هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
و الاستفهام للتعجيب من شأن هذا الكافر وما صار إليه أمر غروره وبطره .
و المراد به كما قال ابن كثير نمروذ بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح ملك بابل وكان معاصرا لسيدنا إبراهيم عليه السلام .
و أطلق القرآن على ما دار بين هذا المغرور وبين سيدنا إبراهيم أنها محاجة مع أنها مجادلة بالباطل مع هذا الملك أطلق ذلك من باب المماثلة اللفظية أو هي محاجة في نظره السقيم ورأيه الباطل .
والضمير في قوله : { في ربه } يعود إلى إبراهيم عليه السلام وقيل يعود إلى نمروذ لأنه هو المتحدث عنه فالضمير يعود إليه والإضافة - على الرأي الأول - للتشريف وللإيذان من أول الأمر بان الله تعالى مؤيد وناصر لعبده إبراهيم وقوله أن آتاه الله الملك بيان لإقدام هذا الملك على ما أقدم عليه من ضلال وطغيان أي سبب هذه المحاجة لأن أعطاه الله تعالى الملك فبطر وتكبر ولم يشكره – سبحانه- على هذه النعمة بل استعملها في غير ما خلقت له فقوله : { أن آتاه } مفعول لأجله والكلام على تقدير حذف الجر وهو مطرد الحذف مع أن وأنّ .
و قوله : { إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت } حكاية لما قاله إبراهيم عليه السلام لذلك الملك في مقام التدليل على وحدانية الله وأنه سبحانه هو المستحق للعبادة أي قال له ربي وحده هو الذي ينشئ الحياة ويوجدها ويميت الأرواح ويفقدها حياتها ولا يوجد أحد سواه يستطيع أن يفعل ذلك .
و قول إبراهيم - كما حكاه القرآن – { ربي الذي يحيي ويميت } مفيد للقصر عن طريق تعريف المبتدأ وهو " ربي " والخبر هو الموصل وصلته .
و عبر بالمضارع في قوله : { يحي ويميت } لإفادة معنى التجدد والحدوث الذي يرى ويحس بين وقت وآخر . أي ربي هو الذي يحيي الناس ويميتهم كما ترى ذلك مشاهدا في كثير من الأوقات فمن واجب عليك تخصه بالعبادة والخضوع وأن تقلع عما أنت فيه من كفر وطغيان وضلال .
و قوله : { إذ قال إبراهيم . . } ظرف لقوله { حاج } او بدل اشتمال منه وفي هذا القول الذي حكاه القرآن عن إبراهيم عليه السلام أوضح حجة وأقواها على وحدانية الله واستحقاقه للعبادة لأن كل عاقل يدرك أن الحق هو الذي يملك الإحياء والإماتة ويملك بعث الناس يوم القيامة ليحاسبهم على أعمالهم وهو أمر ينكره ذلك الملك الكافر .
قال الإمام الرازي ما مخلصه : والظاهر أن قول إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت جواب لسؤال سابق غير مذكور وذلك لأنه من المعلوم ان الأنبياء بعثوا للدعوة إلى الله ومتى ادعى الرسول الرسالة فإن المنكر يطالبه بإثبات أن للعالم إلها فالظاهر هنا أن إبراهيم ادعى الرسالة فقال له نمروذ من ربك ؟ فقال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت إلا ان تلك المقدمة حذفت لأن الواقعة تدل عليها ، ودليل إبراهيم في غاية الصحة لان الخلق عاجزون عن الإحياء والإماتة وقدم ذكر الحياة على الموت هنا لأن من شأن الدليل أن يكون غاية في الوضوح والقوة ولا شك أن عجائب الخلقة حال الحياة أكثر واطلاع الإنسان عليها أتم فلا جرم وجب تقديم الحياة هاهنا في الذكر " ( 24 ) .
ثم حكى القرآن جواب نمروذ على إبراهيم فقال : { قال أنا أحيي وأميت } أي قال ذلك الطاغية إذا كنت يا إبراهيم تدعي ان ربك وحده الذي يحيي فأنا أعارضك في ذلك لأني أنا أيضا أحيي وأميت وما دام الأمر كذلك فانا مستحق للربوبية قالوا ويقصد بقوله هذا أنه يستطيع أن يعفو عمن يحكم بقتله ويقتل من شاء أن يقتله .
و لقد كان في استطاعة إبراهيم عليه السلام أن يبطل قوله بأن يبين له بأن ما يدعيه ليس من الإحياء والإماتة المقصودين بالاحتياج لأن ما قصده إبراهيم هو إنشاء الحياة وإنشاء الموت كان في استطاعة الخليل عليه السلام أن يفعل ذلك ولكنه آثر ترك فتح باب الجدال والمحاورة وأتاه بحجة في الإفحام فقال له - كما حكى القرآن – { فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب } .
أي قال إبراهيم لخصمه المغرور لقد زعمت أنك تملك الإحياء والإماتة كما يملك الله تعالى ذلك ومن شأن هذا الزعم أن يجعلك مشاركا لله تعالى في قدرته فإن كان زعمك صحيحا فأنت ترى وغيرك يرى أن الله تعالى يأتي بالشمس من جهة المشرق عند شروقها فأت بها أنت من جهة المغرب في هذا الوقت فماذا كانت نتيجة هذه الحجة الدامغة التي قذف إبراهيم عليه السلام بها في وجه خصمه ؟ كانت نتيجتاه كما حكى القرآن : { فبهت الذي كفر } أي غلب وقهر وتحير وانقطع عن حجامه واضطرب ولم يستطع أن يتكلم لانه فوجئ بما لا يملك دفعه و " بهت " فعل ماض جاء في صورة الفعل المبني للمجهول - كزهي وزكم - والمعنى فيه على البناء للفاعل وقوله : { الذي كفر } هو فاعله والبهت الانقطاع والحيرة وقرئ بوزن علم ونصر وكرم .
و الفاء في قوله : { فإن الله يأتي بالشمس . . }إلخ فصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر أي إن كنت كما تزعم أنك تحيي وتميت وأن قدرتك كقدرة الله فإن الله تعالى يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب .
و عبر عن هذا المبهوت بقوله : الذي كفر للإشعار بأن سبب حيرته واضطرابه هو كفره وعناده .
ثم ختم سبحانه الآية بقوله : { و الله لا يهدي القوم الظالمين } أي لا يهديهم إلى طريق الحق ولا يلهمهم حجة ولا برهانا بسبب ظلمهم وطغيانهم وإيثارهم طريق الشيطان على طريق الرحمن .
و بذلك نرى أن الآية الكريمة قد حكت للناس لونا من ألوان رعاية الله لأوليائه وخذلانه لأعدائه لكي يكون في ذلك عبرة وعظة لقوم يعقلون .
ولما ذكر {[12452]}ما له سبحانه وتعالى{[12453]} من الإحاطة والعظمة وأتبعه أمر الإيمان وتوليه{[12454]} حزبه{[12455]} وأمر الكفران وخذلانه{[12456]} أهله أخذ يدل على ذلك بقصة المحاج للخليل والمار على القرية مذكراً بقصة الذين قال لهم{[12457]} موتوا ثم أحياهم في سياق التعجيب من تلك الجرأة - قال الحرالي : ولما كان ما أظهره الحق في آية عظمته وما اتصل بها في خاصة عباده{[12458]} اختص هذا الخطاب بالنبي صلى الله عليه وسلم لعلو مفهوم مغزاه عمن دونه ، انتهى - فقال تعالى : { ألم تر{[12459]} } أي تعلم بما نخبرك{[12460]} به علماً هو عندك كالمشاهدة لما لك من كمال البصيرة وبما أودعناه فيك من المعاني المنيرة . ولما كان هذا المحاج بعيداً من{[12461]} الصواب كثيف الحجاب أشار إلى بعده بحرف الغاية فقال : { إلى الذي حآج إبراهيم } أي الذي هو أبو العرب وهم أحق الناس{[12462]} بالاقتداء به { في ربه } الضمير يصح أن يعود على كل منهما أي فيما يختص به خالقه{[12463]} المربي له{[12464]} المحسن إليه بعد وضوح هذه الأدلة وقيام هذه البراهين إشارة إلى أنه سبحانه أوضح على لسان كل نبي أمره وبين عظمته وقدره{[12465]} مع أنه ركز{[12466]} ذلك في جميع الفطر وقادها إلى بحور جلاله بأدنى نظر فكأن نمرود{[12467]} المحاج للخليل ممن أخرجته الشياطين من النور إلى الظلمات ، ولما كان ذلك أمراً باهراً معجباً بين أن علته الكبر{[12468]} الذي أشقى إبليس فقال : { أن } أي لأجل أن { آتاه الله } {[12469]}أي الملك الأعلى{[12470]} بفيض{[12471]} فضله { الملك } الفاني في الدنيا الدنيئة ، فجعل موضع ما يجب عليه من شكر من ملكه ذلك محاجته فيه وكبره رغم{[12472]} عليه ، وعرفه إشارة إلى كماله بالنسبة إلى الآدميين{[12473]} بالحكم على جميع الأرض .
قال الحرالي : وفي إشعاره أن الملك {[12474]}فتنة وبلاء{[12475]} على من أوتيه - انتهى . فتكبر بما خوله الله فيه على عباد الله وهم يطيعونه{[12476]} لما مكّن{[12477]} الله له{[12478]} من الأسباب إلى أن رسخت قدمه في الكبر المختص بالملك الأعظم مالك الملك ومبيد الملوك فظن جهلاً أنه أهل له .
ولما أخبر سبحانه وتعالى بمحاجته بين ما هي تقريراً لآية{[12479]} { فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم{[12480]} }[ البقرة : 243 ] دلالة على البعث ليوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة فقال : { إذ } أي حاجه{[12481]} حين{[12482]} { قال إبراهيم ربي } أي الذي أحسن إليّ بخلقي وإدامة الهداية لي{[12483]} { الذي يحيي ويميت{[12484]} } أي وحده ، وهذه العبارة تدل على تقدم كلام في هذا وادعاء أحد لمشاركة في هذه الصفة .
ولما كان كأنه قيل : هذا أمر ظاهر مجمع{[12485]} عليه فما ذا الذي يحاج المحاج فيه ؟ أجيب بقوله : { قال } أي ذلك المحاج بجرأة وعدم تأمل لما ألفه من ذل الناس له وطواعيتهم لجبروته { أنا } أي أيضاً { أحيي وأميت } بأن أمُنَّ على من استحق القتل وأقتل{[12486]} من{[12487]} لا يستحق القتل{[12488]} .
فلما رأى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قد اجترأ على عظيم وأن محاجته في نفس الإحياء ربما خفيت{[12489]} أو طالت رأى أن يعجل إبهاته مع بيان حقارته بما هو أجلى من ذلك ، وفيه أنه دون ما ادعاه بمراتب لأن الإحياء إفاضة الروح على صورة بعد إيجادها من العدم بأن { قال إبراهيم } وقال الحرالي : ولما كان من حسن الاحتجاج ترك المراء بمتابعة{[12490]} الحجة الملبسة كما قال تعالى{ فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً{[12491]} }[ الكهف : 53 ] نقل{[12492]} المحاج من الحجة الواقعة في الأنفس إلى الحجة الواقعة في الآفاق بأعظم كواكبها الشمس{[12493]}{ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم{[12494]} }[ فصلت : 53 ] ففي ظاهر الاحتجاج انتقال وفي {[12495]}طيه تقرير الأول لأن الروح شمس البدن فكأنه ضرب مثل من حيث إن الإحياء إنما هو أن يؤتى بشمس{[12496]} الروح من حيث غربت فكان في ظاهر واستقبال حجة قاطعة باطنه تتميم للحجة الأولى قال تعالى : { فإن } بالفاء الرابطة بين الكلامين إشعاراً لتتمة الحجة الأولى بالحجة الثانية - انتهى . أي تسبب عن دعواك هذه{[12497]} أن أقول لك : إن { الله } بما له من العظمة والجلال باستجماع صفات الكمال { يأتي بالشمس } أي وهو الذي أوجدها { من المشرق } أي في كل يوم من قبل أن توجد أنت بدهور { فأت بها }{[12498]} أنت { من المغرب } ولو يوماً واحداً .
قال الحرالي : إظهاراً لمرجع العالم بكليته إلى واحد ، وأن قيوم الإنسان في الإحياء والإماتة هو قيوم الآفاق في طلوع الشمس وغروبها ، وفي لحنه إشعار بأن الله سبحانه وتعالى لا بد وأن يأتي بالشمس من المغرب ليكون في ذلك إظهار تصريفه لها حيث شاء حتى يطلعها من حيث غربت كما يطلع الروح من حيث قبضت ليكون طلوع الشمس من مغربها آية مقاربة قيام الساعة وطلوع الأرواح من أبدانها - انتهى . { فبهت } قال الحرالي : من البهت وهو بقاء الشيء على حاله{[12499]} وصورته{[12500]} لا يتغير عنها لأمر يبهره وقعه أي فتسبب عن ذلك أنه{[12501]} بهت { الذي كفر } أي حصل له الكفر بتلك الدعوى التي لزمه بها إنكاره لاختصاصه سبحانه وتعالى بالقدرة على ذلك {[12502]}وادعاؤه لنفسه الشركة{[12503]} ، فبين له الخليل عليه الصلاة والسلام بهذا المثال{[12504]} أنه عاجز عن تحويل صورة صورها الله سبحانه وتعالى ووضعها في{[12505]} جهة إلى{[12506]} غير تلك الجهة فكيف له بأن يوجد صورة من العدم فكيف ثم كيف بإفاضة الروح عليها فكيف بالروح الحساسة فكيف بالروح الناطقة ! وسيأتي لهذا الشأن في سورة{[12507]} الشعراء مزيد بيان ، فيالله{[12508]} ما أعلى مقامات الأنبياء ! وما أصفى بصائرهم ! وما أسمى درجاتهم وأزكى عناصرهم ! عليهم أجمعين مني أعظم الصلاة والسلام وأعلى التحية والإكرام . وقال الحرالي : فعرفه أي في قوله : { كفر } بوصفه من حيث دخل عليه البهت منه{[12509]} - انتهى . أي لأنه ستر{[12510]} ما يعلمه من عجز نفسه وقدرة خالقه ، فكشف سبحانه وتعالى بلسان خليله صلى الله عليه وسلم الستر الذي أرخاه كشفاً واضحاً وهتكه بعظيم البيان هتكاً فاضحاً .
ولما كان التقدير : لأنه ظلم في ادعائه ذلك وفي الوجه الذي ادعى ذلك بسبه من قتل البريء وترك المجترىء ، قال سبحانه وتعالى : { والله } {[12511]}أي الذي{[12512]} لا أمر لأحد معه { لا يهدي القوم } أي الذين{[12513]} أعطاهم قوة المقاومة للأمور { الظالمين * } عامة لوضعهم الأشياء بإرادته وتقديره في غير مواضعها ، لأنه أظلم قلوبهم فجعلها أحلك من الليل{[12514]} الحالك فلم يبق لهم ذلك{[12515]} وجهاً ثابتاً{[12516]} يستمسكون به ، فأين منهم الهداية وقد صاروا بمراحل عن مواطن أهل العناية ! وقصر فعل الهداية لإفادة العموم ، قال الإمام : فاختصر اللفظ إفادة لزيادة{[12517]} المعنى وهو من اللطائف القرآنية .