تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (259)

ثم ساقت السورة الكريمة قصتان تدلان أبلغ الدلالة على قدرة الله تعالى وعلى صحة البعث والنشور استمع إلى القرآن وهو يحكي هاتين القصتين بأسلوبه البليغ فيقول :

{ أو كالذي مر على القرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية لناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموت قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ ربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزء ثم ادعهن يأتيك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم }

قال الألوسي ما مخلصه قوله : { او كالذي مر على قرية } . معطوف على ما سبقه وهو قوله : { ألم تر إلى الذي حاج } والكاف اسمية بمعنى بمثل معمولة لأريت محذوفا أي أو أرأيت الذي حاج إبراهيم أو الذي مر على قرية . . وقيل إن العطف هنا محمول على المعنى كأنه قيل أرأيت شيئا عجيبا كالذي حاج إبراهيم في ربه أو كالذي مر على قرية . . " .

و الذي مر على قرية هو عزيز بن شريحا وقيل حزقيال بن بوزى وقيل غير ذلك والقرية قيل المراد بها بيت المقدس وكان خربها " بختنصر " البابلي . . والقرآن الكريم لم يهتم بتحديد الأشخاص والأماكن لانه يقصد العبرة وبيان الحال والشأن وجملة { وهي خاوية على عروشها } في موضع الحال من الضمير المستتر في " مر " الواو رابطة بين الجملة الحالية وبين صاحبها والإتيان بها واجب لخلو الجملة من ضمير يعود على صاحبها وقيل هي حال من القرية وسوغ إتيان الحال منها مع كونها نكرة وقوعها بعد الاستفهام المقدر وهو أرأيت . . ومعنى وهي خاوية على عروشها أن جدرانها ساقطة أي أن الخراب قد عمها والدمار قد نزل بها أصبحت خاوية من أهلها وفارغة ممن كان يعمرها وأصل الخواء الخلو فيقال خوت الدار وخويت تخوي خلاء إذا سقطت وخلت العروش جمع عرش وهو سقف البيت ويسمى العريش وكل شيء يهيأ ليظل أو يكن فهو عريش وعرش .

و قوله تعالى : { قال أني يحيي هذه الله بعد موتها } حكاية لما قاله ذلك الذي مر على تلك القرية ورأى فيما رأى من مظاهر الخراب والدمار .

و المعنى أو أرأيت مثل الذي مر على قرية وهي ساقطة حيطانها على سقوفها وفارغة ممن كان يسكنها فهاله أمرها وراعه شأنها وقال على سبيل التعجب كيف يحيي الله هذه القرية بعد موتها ؟ بأن يعيد إليها العمران بعد الخراب ويجعلها عامرة بسكانها الذين خلت منهم ؟ فقوله : { أني يحيي هذه القرية بعد موتها }بمعنى كيف فتكون منصوبة على الحالية من اسم الإشارة ويجوز أن تكون أني هنا بمعنى متى يحيي الله هذه القرية بعد موتها فتكون منصوبة على الظرفية .

و قال القرطبي : قوله : { قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها } معناه من أي طريق وبأي سبب متى يحيي الله هذه القرية بعد موتها فتكون منصوبة على الظرفية .

و قال القرطبي قوله : { قال أني يحيي هذه الله بعد موتها } معناه من أي طريق وبأي سبب وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان كما يقال الآن في المدن الخربة التي تبعد أن تعمر هذه بعد خرابها فكان هذا تلهف من الواقف المعتبر على مدينته التي عهد فيها أهله وأحبته . . " ( 25 ) .

و قوله هذا إنما هو تساؤل عن كيفية الإعادة لا أصل الإعادة لأنه كان مؤمنا بالبعث والنشور إلا أنه لما رأى حال القرية على تلك الصورة من الخراب تعجب من قدرة الله على إحيائها وتشوق إلى عمارتها واعتراف العجز عن طريق الإحياء فماذا كانت نتيجة هذا التساؤل كانت كما حكاها القرآن : { فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم } .

أي بعد ان قال هذا الذي مر على تلك القرية الخاوية على عروشها ما قال ألبثه الله تعالى في الموت مائة عام " ثم بعثه " أي أحياه ببعث روحه إلى بدنه قال كم لبثت أي كم مدة من الزمان لبثها على هذه الحال " قال لبثت يوما أو بعض يوم " .

و قال سبحانه : { فأماته الله مائة عام ثم بعثه } ولم يقل ثم أحياه للدلالة على أنه عاد كهيئته يوم مات عاقلا فاهما مستعدا للنظر والاستدلال وكان ذلك بعد عمارة القرية وللإشعار بسرعته وسهولة تأتيه على الباري سبحانه .

قال ابن الكثير كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع الله فيه كيف يحيي بدنه فلما استقل سويا قال الله له بواسطة الملك كم لبثت ؟ قال لبثت يوما أو بعض يوم وذلك أنه مات أول النهار ثم بعثه الله في آخر النهار فلما رأى الشمس باقية ظن انها شمس ذلك اليوم فقال أو بعض يوم( 26 ) .

و قوله تعالى : { كم لبثت } استئناف مبني على سؤال كأنه قيل : فماذا قال له بعد بعثته ؟ فقيل قال كم لبثت وليظهر له العجز عن الإحاطة بشؤون الله تعالى على أتم وجه وتنحسم مادة استعباده بالمرة .

و كم منصوبة على الظرفية ومميزها محذوف والتقدير كم يوما أو وقتا والناصب لها قوله : لبثت .

و في هذه الجملة الكريمة بيان للناس بأن الموت يشبه النوم وأن البعث يشبه اليقظة بعده وأنه لا شيء محال على الله تعالى فهو القائل : { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } ( لقمان : 28 ) .

و في الحديث الشريف : " والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن بما تعلمون ولتجوزن بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا " .

و قوله تعالى : { قال بل لبثت مائة عام } معطوف على مقدر أي ليس الأمر كما قلت أنك لبثت يوما أو بعض يوم إنك لبثت مائة عام ثم أرشده سبحانه إلى التأمل في أمور فيها أبلغ دلالة على قدرة الله تعالى وعلى صحة البعث فقال سبحانه : { فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما } .

قوله : لم يتسنه } أي لم يتغير بمرور السنين الطويلة ولم تذهب طراوته فكأنه لم تمر عليه السنون ولفظ يتسنه مشتق من السنة والهاء فيه أصيلة إذا قدر لام سنة هاء وأصلها سنهة لتصغيرها على سنيهة وجمعها على سنهات كسجدة وسجدات ولقومه سانهته إذا عاملته سنة فسنة وتسنه عند القوم إذا قام فيهم سنة أو الهاء فيه للوقف نحو كتابيه وجزمه بحذف حرف العلة إذا قدر لام سنة واوا وأصلها سنوة لتصغيرها على سنية وجمعها على سنوات .

و قوله : { ننشزها } أي نرفعها يقال أنشز الشيء إذا رفعه من مكانه واصله من النشز بفتحتين وبالسكون وهو المكان المرتفع وقرئ ننشزها بضم النون أي نحييها من أنشز الله الموتى أي أحياهم .

و المعنى قال الله تعالى لهذا الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها إنك لم تلبث يوما أو بعض يوم في الموت كما تظن بل لبثت مائة عام فإن كنت في شك من ذلك فانظر إلى طعامك وشرابك لتشاهد أمرا آخر من دلائل قدرتنا فإن هذا الطعام والشراب كما ترى لم يتغير بمرور السنين وكر الأعوام بل بقي على حالته وانظر إلى حمارك كيف نخرت عظامه وتفرقت أوصله مما يشهد بأنه مرت عليه السنوات الطويلة .

و قوله : { و لنعجعلك آية للناس } معطوف على محذوف متعلق بفعل مقدر قبله بطريق الاستئناف مقرر لمضمون ما سبق والتقدير فعلنا ما فعلنا لترى وتشاهد بنفسك مظاهر قدرة الله ولنجعلك آية معجزة ودليلا على صحة البعث .

و قوله : { انظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما } أي انظر وتأمل في العظام كيف نركب بعضها في بعض بعد أن نوجدها .

و قيل المعنى وانظر إلى العظام أي عظام حمارك التي تفرقت وتناثرت لتشاهد كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها في جسده .

قال ابن كثير قال السدى وغيره تفرقت عظام حماره يمينا وشمالا حوله فنظر إليها وهي تلوح في بياضها فبعث الله ريحا فجمعها من كل موضع ثم ركب كل عظم في موضعه ذلك كله بمرأى من العزير .

و جاء الضمير في قوله : { لم يتسنه } بالإفراد مع أن المتقدم طعام وشراب لأنهما متلازمان بمعنى أن أحدهما لا يكتفي به عن الآخر فصار بمنزلة شيء واحد فكأنه قال انظر إلى غذائك .

ثم ختم سبحانه الآية بقوله : { فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير } أي فلما تبين له بالأدلة الناصعة وبالمشاهدة الحسية قدرة الله تعالى على الإحياء والإماتة وعلى البعث والنشور قال أعلم أي أستيقن وأومن واعتقد أن الله تعالى على كل شيء قدير وأنه سبحانه لا يعجزه شيء والفاء في قوله فلما تبين له ذلك وتيقنه قال أعلم أن الله على كل شيء قدير وفاعل " تبين " مضمر يفسره سياق الكلام والتقدير فلما تبين له كيفية الإحياء أو فلما تبين له ما أشكل عليه من أمر إحياء الموتى قال أعلم ان الله على كل شيء قدير .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (259)

ولما كان الإحياء والإماتة من أظهر آيات الربانية وأخصها بها أظهر سبحانه وتعالى الغيرة عليها تارة بإبهات المدعي للمشاركة ، وتارة بإشهاد{[12518]} المستبعد{[12519]} في نفسه وغيره بفعل ربه{[12520]} ، وتارة بإشهاد المسترشد في غيره بنفسه معبراً في كل منها بما اقتضاه حاله وأشعر به سؤاله ، فعبر في الكافر{[12521]} بإلى إشارة إلى أنه في محل البعد عن المخاطب صلى الله عليه وسلم ، وفي المتعجب{[12522]} بإسقاطها إسقاطاً لذلك البعد{[12523]} ، وفي المسترشد المستطلع بإذ كما هي العادة المستمرة في أهل الصفاء والمحبة والوفاء فأتبع التعجيب من حال المحاجج التعجيب أيضاً من حال من استعظم إحياءه تعالى لتلك القرية . ولما كان معنى { ألم تر } هل رأيت لأن هل كما ذكر الرضى وغيره تختص مع كونها للاستفهام بأن تفيد فائدة النافي حتى جاز أن يجيء بعدها { إلا } قصداً للايجاب كقوله سبحانه تعالى{ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان{[12524]} }[ الرحمن : 60 ] وقوله سبحانه وتعالى{ هل هذا إلا بشر مثلكم{[12525]} }[ الأنبياء : 3 ] كان كأنه قيل : هل رأيت الذي حاج إبراهيم { أو } هل رأيت { كالذي } ويجوز أن يكون التقدير لأن أخبار{[12526]} الأولين إنما{[12527]} هي مواعظ لنا : أقومك كهذا{[12528]} المحاج لأعظم إبائهم فهم يقولون : إن الإحياء ليس على حقيقته بالبعث بعد الموت ، أو هم كالذي { مر } قال الحرالي : من المرور{[12529]} وهو جعل الشيء على مسلك إلى غيره مع التفات إليه{[12530]} في{[12531]} سبيله { على قرية } وهي التي خرج منها الألوف أو بيت المقدس { وهي خاوية } أي متهدمة ساقطة جدرانها{[12532]} { على عروشها } أي سقوفها ، أو خالية على بقاء سقوفها . قال الحرالي : من الخوا وهو خلو الشيء عما شأنه أن يعينه حساً أو معنىً ، والعروش{[12533]} جمع عرش من نحو معنى العريش وهو ما أقيم من البناء على{[12534]} حالة{[12535]} عجالة يدفع سورة الحر والبرد ولا يدفع جملتها كالكن المشيد ، فكان المشيد في الحقيقة عريشاً لوهاء الدنيا بجملتها في عين الاستبصار{[12536]} - انتهى .

ولما كان كأنه قيل : ما الذي في حاله ذلك مما يعجب منه ؟ قيل : { قال أنى يحيي هذه } أي القرية { الله } {[12537]}أي الذي له الأمر كله{[12538]} { بعد موتها } أي بما صارت إليه من الخراب وذهاب الأهل فيعيدها إلى ما كانت عليه عامرة آهلة . قال الحرالي : وفي لفظة " أنى " لشمول معناها لمعنى{[12539]} كيف وحيث ومتى استبعاده{[12540]} الإحياء في الكيف والمكان والزمان ، ومنشأ هذا الاستبعاد إنما يطوق{[12541]} النفس من طلبها لمعرفة تكييف{[12542]} ما لا يصل إليه علمها - انتهى .

ولما كان هذا المستبعد قاصراً عن رتبة الخليل عليه الصلاة والسلام في التهيئ للطمأنينة بل{[12543]} كان إيقانه على الكيفية متوقفاً{[12544]} في الحكمة على تركه في عالم الغيب المدة التي ضربت لبقائه ميتاً ليكون ذلك كالتخمير في الطين لتتهيأ نفسه لعلم ذلك والإيقان به قال : { فأماته } أي فتسبب عن ذلك أن أماته { الله } {[12545]}أي الذي لا كفوء له فمهما أراد{[12546]} كان لإيقانه على علم ذلك عناية من الله به{[12547]} { مائة } ولما كان المراد أن مدة موته كانت طويلة ليكون{[12548]} قد بلي فيها فتكون إعادته أمكن في القدرة على ما تستبعده{[12549]} العرب وأن ذلك الزمان كان حسناً طيباً لقبوله{[12550]} الإحياء والعمارة عبر عنه بما يدل على السعة فقال : { عام } حتى بلي حماره{[12551]} وحفظ طعامه وشرابه من التغير ليتحقق كمال القدرة بحفظ ما شأنه التغير وتغير ما شأنه البقاء وإعادة ما فني .

قال الحرالي : و{[12552]}خص المائة لكمالها في العد المثلث من الآحاد و{[12553]}العشرات وعشرها وتر الشفع لأن ما تم في الثالث كان ما زاد عليه تكراراً يجزىء عنه الثلاث { ثم بعثه } في بيانه إشعار بأن بدنه لم يتغير ولا فني فناء حماره حيث لم يكن ثم نشره والله سبحانه وتعالى أعلم كما قال

{ ثم إذا شاء أنشره{[12554]} }[ عبس : 22 ] - انتهى .

ولما أحاط العلم بأن هذا العمل لأجل إيقانه على القدرة تشوفت النفس إلى ما حصل له بعد البعث فأجيبت بقوله تنبيهاً له ولكل سامع على ما في قصته من الخوارق : { قال } أي له الله سبحانه وتعالى أو من{[12555]} شاء ممن{[12556]} خطابه{[12557]} ناشىء عنه { كم لبثت } أي في رقدتك هذه { قال } لنظره إلى سلامة طعامه وشرابه { لبثت يوماً } ثم تغير ظنه بحسب الشمس أو غيرها فقال : { أو بعض يوم } وكأنه استعجل بهذا الجواب - كما هي عادة الإنسان - قبل النظر إلى حماره { قال } أي الذي خاطبه مضرباً عن جوابه بياناً لأنه غلط ظاهر { بل لبثت مائة عام } معبراً عن الحول بلفظ يدور على معنى{[12558]} السعة والامتداد والطول ودله{[12559]} على ذلك وعلى كمال القدرة بقوله : { فانظر إلى طعامك وشرابك } أي الذي كان معك لما رقدت وهو أسرع الأشياء فساداً تين{[12560]} وعصير { لم يتسنه } {[12561]}من السنة{[12562]} أي يتغير بمر السنين على طول مرورها وقوة تقلباتها وتأثيرها ، ومعنى القراءة بهاء السكت أن الخبر بذلك{[12563]} أمر جازم مقنع{[12564]} لا مرية فيه ولا تردد أصلاً { وانظر إلى } { حمارك } بالياً رميماً ، فجمع الله له{[12565]} سبحانه {[12566]}وتعالى{[12567]} بين آيتي الرطب في حفظه واليابس في نقضه .

ولما كان التقدير : فعلنا ذلك لنجعله آية لك{[12568]} على كمال القدرة أو لتعلم أنت قدرتنا ، عطف عليه قوله : { ولنجعلك } أي في مجموع خبرك { آية للناس } أي كافة فكان أمره إبقاء وتثبيتاً آية في موجود الدنيا على ما سيكون في أمر الآخرة قيام ساعة وبعثاً ونشوراً - قاله الحرالي .

ولما{[12569]} أمره{[12570]} بالنظر إلى ما جعله له{[12571]} آية {[12572]}على لبثه ذلك الزمن الطويل أمره بالنظر إلى ما جعله له آية{[12573]} على اقتداره على الإحياء كيف ما أراد فقال{[12574]} : { وانظر إلى العظام } أي من حمارك وهي{[12575]} جمع عظم وهو عماد البدن{[12576]} الذي عليه مقوم صورته { كيف ننشزها } قال الحرالي : بالراء من النشر وهو عود الفاني إلى صورته الأولى وبالضم جعل وتصيير إليه ، وبالزاي من النشز وهو إظهار الشيء وإعلاؤه ، من نشز{[12577]} الأرض وهو ما ارتفع منها وظهر - انتهى .

وضم بعضها إلى بعض على ما كانت عليه ينظم ذلك كله { ثم نكسوها لحماً } قال الحرالي : جعل حياته بعثاً وحياة حماره نشوراً وأراه النشر{[12578]} ، واللحم الذي لحم بين{[12579]} العظام حتى صارت صورة واحدة ليتبين{[12580]} أمر الساعة عياناً فيكون حجة على الكافر والمستبعد { فلما تبين له } أي هذا الأمر الخارق الباهر الدال على ما وصف{[12581]} سبحانه وتعالى به{[12582]} نفسه المقدسة في آية الكرسي . قال الحرالي : وفي صيغة تفعل إشعار بتردده في النظر بين الآيتين حتى استقر عنده أمر ما أعلم به واضمحل عنده ما قدره { قال أعلم } بصيغة الفعل بناء على نفسه وبصيغة الأمر إفادة لغيره ما علم لتدل القراءتان على أنه علم وعلم لأن العلم إنما يتم حين يصل إلى غير العالم فيجمع فضل العلم والتعليم - انتهى . ويجوز أن يدل التعبير بالمضارع في أعلم على أنه لم يزل متصفاً بهذا العلم{[12583]} من غير نظر إلى حال ولا استقبال ويكون ذلك اعتذاراً عن تعبيره في التعجيب{[12584]} بما دل على الاستبعاد بأنه إنما قاله{[12585]} استبعاداً لتعليق القدرة بذلك لا{[12586]} للقدرة عليه { أن الله } أي لما أعلم من عظمته { على كل شيء } أي من هذا وغيره { قدير * } قال الحرالي : في إشعاره إلزام البصائر شهود قدرة الله سبحانه وتعالى في تعينها في الأسباب الحكمية التي تتقيد بها الأبصار إلحاقاً لما دون{[12587]} آية الإحياء والإماتة بأمرها ليستوي في العلم أن محييك{[12588]} هو مصرفك ، فكما أن حياتك بقدرته فكذلك عملك بقدرته{[12589]} فلاءم تفصيل افراد القدرة لله بما تقدم من إبداء{[12590]} الحفظ بالله والعظمة لله ، فكأنها جوامع وتفاصيل كلها تقتضي إحاطة أمر الله سبحانه وتعالى بكلية ما أجمل وبدقائق تفاصيل ما فصل - انتهى . وفي الآية بيان لوجه مغالطة الكافر لمن استخفه{[12591]} من قومه في المحاجة مع الخليل صلوات الله وسلامه عليه بأن الإحياء الذي يستحق به الملك الألوهية{[12592]} هو هذا الإحياء الحقيقي لا التخلية عمن استحق القتل .


[12518]:في الأصل: بإشهار، والتصحيح من م ومد وظ.
[12519]:في الأصل: المستعيد، والتصحيح من م وظ ومد.
[12520]:في ظ: به ـ كذا.
[12521]:في الأصل: بالكافر، والتصحيح من م وظ ومد.
[12522]:في م: التعجب.
[12523]:في مد: للبعد.
[12524]:سورة 55 آية 60.
[12525]:سورة 21 آية 3.
[12526]:في الأصل: أخيار، والتصحيح من م ومد وظ.
[12527]:في مدك أفما.
[12528]:من م وظ ومد، وفي الأصل: لهذا.
[12529]:زيد من م وظ ومد.
[12530]:من م ومد وظ، وفي الأصل: إلى.
[12531]:زيدت من م وظ ومد.
[12532]:من م ومد وظ، وفي الأصل: جدا.
[12533]:في م: للعروش.
[12534]:في الأصل: من، والتصحيح من م وظ ومد.
[12535]:من م ومد، وفي الأصل: حاله، وفي ظ: حال.
[12536]:في ظ: الاستعبار.
[12537]:ليست في ظ.
[12538]:ليست في ظ.
[12539]:في م: بمعنى.
[12540]:في ظ: استيعاده.
[12541]:من م ومد، وفي الأصل وظ: يطرق.
[12542]:في م: فكيف.
[12543]:من م ومد وظ، وفي الأصل: بالايقان.
[12544]:في مد: موافقا.
[12545]:ليست في ظ.
[12546]:ليست في ظ.
[12547]:زيد من م ومد وظ.
[12548]:في الأصل: فيكون، والتصحيح من م وظ ومد.
[12549]:في م وظ: يستبعده، وفي مد: استبعده.
[12550]:في م ومد: لقوله.
[12551]:من مد وظ، وفي الأصل وم: حمارة.
[12552]:في م: أو.
[12553]:زيد من م ومد وظ.
[12554]:سورة 80 آية 22.
[12555]:في الأصل: ممن، والتصحيح من م ومد وظ.
[12556]:من م ومد وظ، وفي الأصل: من.
[12557]:في م: خاطبه.
[12558]:ليس في م.
[12559]:زيد من ظ ومد.
[12560]:من ظ، وفي م: أبين، وفي الأصل: بين.
[12561]:ليس في م.
[12562]:ليس في م.
[12563]:زيد من م ومد وظ.
[12564]:من م ومد وظ، وفي الأصل: مفتع.
[12565]:زيد من م ومد وظ.
[12566]:ليس في مد.
[12567]:ليس في مد.
[12568]:من م وظ ومد، وفي الأصل: له.
[12569]:زيد في م: كان.
[12570]:في مد: أمر.
[12571]:سقط من ظ.
[12572]:ليست في ظ.
[12573]:ليست في ظ.
[12574]:سقط من م.
[12575]:في ظ: هو.
[12576]:في الأصل: الدين، والتصحيح من م ومد وظ.
[12577]:من مد، وفي الأصل وم وظ: نشر.
[12578]:زيد من م وظ ومد.
[12579]:في مد: أبين.
[12580]:من م ومد وظ، وفي الأصل: تبين.
[12581]:في م وظ: به سبحانه.
[12582]:في مد: عن.
[12583]:زيد من م وظ ومد.
[12584]:في م ومد وظ: التعجب.
[12585]:في م: قال.
[12586]:في الأصل: إلا، والتصحيح من م ومد وظ.
[12587]:في الأصل: دونه، والتصحيح من م وظ ومد.
[12588]:من م ومد وظ، وفي الأصل: محيتك ـ كذا.
[12589]:زيدت من م وظ ومد غير أن في ظ: علمك ـ مكان: عملك.
[12590]:في م: أبد.
[12591]:في الأصل: استحقه، والتصحيح من م وظ ومد.
[12592]:من م وظ ومد، وفي الأصل: الالهية.