تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا} (47)

المفردات :

سباتا : من السبت ، وهو القطع ، لانقطاع التعب فيه ، أو لانقطاع الحياة الكاملة .

النشور : البعث

التفسير :

47-{ وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا }

يمتن الله تعالى على عباده بثلاث نعم :

1-الليل يأتي بظلامه البهيم فيهدأ الناس ، ويغطي الظلام كل شيء كأنه لباس تلبسه الأشياء .

2-النوم يقطع الأعمال ، وتستريح الأبدان ، وتنسحب الروح من الجسم ، وتكون الأحلام في النوم ، والراحة التي تكسب الإنسان قدرة وصفاء وتألقا .

3-ثم يأتي النهار فتنبعث الحياة ، وتشرق الشمس ، ويعم الضياء ، ويهب الناس بحثا عن أرزاقهم . واستئنافا لأعمالهم .

فالنوم موتة صغرى ، واليقظة بعث ونشور ، قال صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفس محمد بيده ، لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ، ولتحاسبن على ما تعملون ، ولتجزون بالإحسان إحسانا ، وبالسوء سوءا ، وإنها لجنة أبدا ولنار أبدا ) .

قال ابن كثير في تفسير الآية :

{ وهو الذي جعل لكم الليل لباسا } أي : يلبس الوجود ويغشاه ، كما قال تعالى : { والليل إذا يغشى [ الليل : 1 ] { والنوم سباتا . . }

أي : قاطعا للحركة لراحة الأبدان ، فإن الأعضاء والجوارح تكل من كثرة الحركة ، في الانتشار بالنهار في المعاش ، فإذا جاء الليل وسكن ، سكنت الحركات فاستراحت ، فحصل النوم الذي فيه راحة البدن والروح معا .

{ وجعل النهار نشورا } .

أي : ينتشر الناس فيه لمعايشهم ومكاسبهم وأسبابهم ، كما قال تعالى : { ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } [ القصص : 73 ] .

وللنوم أثر في تجديد الخلايا . وراحة البدن ، وسياحة الروح في الملأ الأعلى ، وإمكان حدوث الرؤيا الصالحة في النوم ، وفي الحديث الصحيح : ( ذهبت النبوات وبقيت المبشرات ، والمبشرات هي الرؤيا ، يراها الرجل الصالح أو ترى له )14 .

وفي تفسير هذه الآية تكلم الشيخ عبد الحميد كشك كلاما جيدا عن النوم ، فقد كان هناك كلام كثير عن النوم وأسبابه ، ثم رحب العلماء بما وصل إليه العلم ، من اعتبار أن النوم طرح روحي مؤقت ، ونقل أن الرحالة أحمد حسنين باشا كان يستكشف واحة في الصحراء ، ثم نفد الماء وعلف الدواب ، فاستراح الجميع في انتظار الموت ، ثم رأى أحمد حسنين في منامه امرأة تلبس ثيابا بيضاء ، وترشده إلى كثيب ، ثم يتابع المسير فيصل إلى مكان مأهول ، ثم نجا هو والقافلة بالعثور على ذلك المكان15 .

وقد تحدث القرآن عن النوم واعتبره آية من آيات الله وجميل قدرته .

قال تعالى : { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } [ الزمر : 42 ] .

والنوم بالنهار لفترة قصيرة ، تستريح فيها الأجسام والأرواح ، يؤدي إلى تجدد النشاط وتألف الذهن .

قال تعالى : { ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } [ الروم : 23 ] .

وقد نصح الأطباء ، بأن يغفو الإنسان غفوة كل يوم ، وهذه الغفوات التي تتخلل النهار تدفع الكلال ، وتخفض ضغط الدم حوالي 15-30 مليمترا ، وترفع عن القلب بعض الحمل المتعب ، وينصح [ ديل كارنيجي ] في كتابه : " دع القلق وابدأ الحياة " ، بأن تغفو نصف ساعة بعد ظهر كل يوم في غرفة مكتبك أو عملك ، ويقول : إن ساعة تنامها في خلال النهار ، مضافة إلى ست ساعات تنامها ليلا ، تجعل المجموع سبع ساعات ، أجدى لك من ثماني ساعات من النوم المتواصل ليلا16 .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا} (47)

ولما تضمنت هذه الآية الليل النهار ، قال مصرحاً بهما دليلاً على الحق ، وإظهاراً للنعمة على الخلق : { وهو } أي ربك وحده { الذي جعل } ولما كان ما مضى في الظل أمراً دقيقاً فخص به أهله ، وكان أمر الليل والنهار ظاهراً لكل أحد ، عم فقال : { لكم الليل } أي الذي تكامل به مد الظل { لباساً } أي ساتراً للأشياء عن الأبصار كما يستر اللباس { والنوم سباتاً } أي نوماً وسكوناً وراحة ، عبارة عن كونه موتاً أصغر طاوياً لما كان من الإحساس ، قطعاً عما كان من الشعور والتقلب ، دليلاً لأهل البصائر على الموت ؛ قال البغوي وغيره : وأصل السبت القطع . وفي جعله سبحانه كذلك من الفوائد الدينية والدنيوية ما لا يعد ، وكذا قوله : { وجعل النهار نشوراً* } أي حياة وحركة وتقلباً بما أوجد فيه من اليقظة المذكرة بالبعث ، المهيئة للتقلب ، برد ما أعدمه النوم من جميع الحواس ؛ يحكى أن لقمان قال لابنه : كما تنام فتوقظ فكذلك تموت فتنشر . فالآية من الاحتباك : ذكر السبات أولاً دليلاً على الحركة ثانياً ، والنشور ثانياً دليلاً على الطيّ والسكون أولاً .