تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ} (126)

{ وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ليقطع طرفا من الذين كفروا او يكبتهم فينقلبوا خائبين ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم او يعذبهم فإنهم ظالمون ولله ما في السموات وما في الأرض يغفر لمن يشاء والله غفور رحيم }

التفسير :

126- { وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم } .

أي وما جعل الله الإمداد بالملائكة ولا الوعد به إلا بشارة لكم بالنصر وتطمينا لقلوبكم حتى تثبتوا أمام عدوكم وليس النصر إلا من الله وحده فهو العزيز الذي لا يغلب الحكيم الذي يفعل كل ما يريد فعله حسبما تقتضيه حكمته فالمدد بالملائكة او غيرها سبب وظاهر والسبب الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى .

( ولقد حرص القرآن في كثير من آياته على تثبيت هذا المعنى في قلوب المؤمنين حتى لا يعتمدوا على الأسباب والوسائل التي بين أيديهم ويغتروا بها دون أن يلتفتوا إلى قدرة خالق الأسباب والوسائل فإنهم إذا اغتروا بالأسباب والوسائل ونسوا خالقها أتاهم الفشل من حيث لا يحتسبوا وكان أمرهم فرطا ) 78 .

والمؤمن الحق قوي الإيمان بربه واثق بقدرة خالقه فهو سبحانه يقول للشيء كن فيكون لكنه سبحانه جعل للنصر أسبابا وجعل لهذا الكون نواميس وقوانين ، وأمرنا أن نأخذ بالأسباب مع اليقين الجازم بقدرة القادر فعلينا بطاعة الله وامتثال أمره واجتناب نهيه فمن أطاع الله أطاعه في كل شيء { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } ( محمد 7 ) .

/خ129

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ} (126)

ولما كان التقدير : وليس الإمداد بهم موجود للنصر ، وكان قد قدم في أول السورة قوله :

{ والله يؤيد بنصره من يشاء{[19028]} }[ آل عمران : 13 ] قال هنا قاصراً للأمر عليه : { وما جعله الله } أي الإمداد المذكور و{[19029]}ذكره لكم على ما{[19030]} له من الإحاطة بصفات الكمال التي لا يحتاج مراقبها{[19031]} إلى شيء{[19032]} أصلاً { إلا بشرى } .

ولما كانت الهزيمة عليهم في هذه الكرة ، وكان المقتول منهم أكثر قال : { لكم } لئلا يتوهم أن ذلك بشرى لضدهم ، ولمثل هذا قدم القلوب فقال : { ولتطمئن } وعلم أن التقدير - لتكون{[19033]} الآية من الاحتباك : لتستبشر{[19034]} نفوسكم به وطمأنينة لكم لتطمئن { قلوبكم به } أي الإمداد ، فحكم هنا بأنه بشرى مقيداً بلكم ، فكانت العناية بضمير{[19035]} أشد حتى كأنه قيل{[19036]} : إلا و{[19037]}بشرى لكم{[19038]} وطمأنينتكم ، فوجب تأخير ضميره عنهم ، والمعنى أنهم كانوا أولاً خائفين ، فلما وردت البشرى اطمأنوا بها رجاء أن يفعل بهم مثل ما فعل في بدر ، فلما اطمأنوا بها وقع النصر كما وقع به الوعد ثم لما{[19039]} اطمأنت قلوبهم إلى شيء ألزّ قوتها{[19040]} لأنه قد سبق لها نصر وسرور {[19041]}بضرب وطعن{[19042]} في بدر وغيرها فلمحت نحو شيء من ذلك ؛ حصلت الهزيمة{[19043]} ليصيروا إلى حق اليقين بأنه{[19044]} لا حول لهم ولا قوة ، ولذلك قال تعالى : { وما النصر } أي في ذلك غيره { إلا من عند الله } أي المستجمع لصفات الكمال ، لا بمدد ولا غيره{[19045]} فلا تجدوا في أنفسكم من رجوع من رجع{[19046]} ولا تأخر{[19047]} من تأخر ولا هزيمة من انهزم .

ولما قدم أمر بدر هنا وأول السورة ، وتحقق بذلك ما له من العزة والحكمة قال : { العزيز } الذي لا يغالب ، فلا يحتاج إلى قتال أحد ولا يحتاج في نصره - إن قاتل - إلى معونة أحد { الحكيم * } الذي يضع الأشياء في أتقن{[19048]} محالها{[19049]} من غير تأكيد ، أي الذي نصركم قبل هذه الغزوة وفي أول النهار فيها ، ليس لكم ولا لغيركم ناصر غيره ، فمتى{[19050]} التفت أحد إلى سواه وكله إليه فخذل ، فاحذروه لتطيعوه{[19051]} طاعة أولي الإحسان في كل أوان ، وهذا بخلاف ما في قصة بدر في الأنفال وسيأتي إن شاء الله ما يتعلق بها من المقال مما اقتضاه هناك الحال ، والحكيم رأس آية بإجماع أهل العلم - كما في الأنفال{[19052]} ،


[19028]:آية 13.
[19029]:سقطت الواو من مد.
[19030]:من مد، وفي الأصل وظ: لكم.
[19031]:من مد، وفي الأصل وظ: مراقبتها.
[19032]:من ظ ومد، وفي الأصل: الشيء، وزيد بعده في مد: علمه ـ كذا.
[19033]:من ظ ومد، وفي الأصل: ليكون.
[19034]:من ظ ومد، وفي الأصل: لتبشر.
[19035]:من مد، وفي الأصل: يضمر، وفي ظ: تضمر.
[19036]:من مد، وفي الأصل وظ: قال.
[19037]:في ظ ومد: بشراكم.
[19038]:في ظ ومد: بشراكم.
[19039]:زيد من ظ ومد.
[19040]:أي شدها، وفي الأصل: الن، وفي مد: من وفي ظ: الربا ـ كذا.
[19041]:في مد: بطعن وضرب.
[19042]:في مد: بطعن وضرب.
[19043]:في ظ: العريمة.
[19044]:في ظ: بأنهم.
[19045]:زيد من مد، وموضعه في ظ: ولا عدد.
[19046]:زيد من ظ ومد.
[19047]:في ظ: تاخير.
[19048]:زيد بعده في ظ: مواضع.
[19049]:في مد: ومالها.
[19050]:في ظ: فمت.
[19051]:سقط من ظ.
[19052]:زيد ما بين الحاجزين من مد.