{ إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ومالهم من ناصرين }
المراد بالذين يكفرون بآيات الله هم اليهود خاصة .
فبشرهم بعذاب أليم : البشارة والبشرى الخبر السار تبسط له بشرة الوجه واستعمالها في الشر جاء على طريق التهكم والسخرية .
21- { إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم } .
إن الذين ينكرون آيات الله فيكفرون بما يجب الإيمان به ويقتلون أنبيائهم بغير جريمة تقتضي القتل ويقتلون الواعظين المذكرين الذين يأمرونهم بالعدل من صفوة الناس فأنذرهم يا محمد بعذاب شديد الإيلام والمراد بهم اليهود فإنهم قتلوا زكريا وابنه يحيى عليهما السلام وقتلوا حزقيال عليه السلام قتله قاض يهودي لمل نهاه عن منكر فعله وزعموا انهم قتلوا عيسى ابن مريم عليه السلام .
و روى ابن جرير عن أبي عبيدة بن الجراح قال : " قلت يا رسول الله أي الناس أشد عذابا يوم القيامة ؟ قال : رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ثم قرأ الآية إن الذين يكفرون بآيات الله . . . ( 144 ) .
ثم قال " يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من اول النهار في ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار " ( 145 ) .
" والصفات المذكورة في الآية توحي بأن التهديد كان موجها لليهود فهذه سمتهم في تاريخهم يعرفون بها حتى ذكرت ولكن هذا لا يمنع أن يكون الكلام موجها للنصارى كذلك فقد كانوا حتى ذلك التاريخ قتلوا الألوف من أصحاب المذاهب المخالفة لمذهب الدولة الرومانية المسيحية بما فيهم من جاهروا بتوحيد الله تعالى وبشرية المسيح عليه السلام وهؤلاء ممن يأمرون بالقسط كما انه تهديد دائم لمن يقع منه مثل هذا الصنيع البشع وكثير ما هم في كل زمان . . " ( 146 ) .
ولما أشرك اليهود في هذا الخطاب وأفهم شرط{[15735]} التولي بأداة الشك وقوعه ، فتشوفت{[15736]} النفس إلى معرفة جزائهم{[15737]} أشار إليه واصفاً لهم ببعض ما اشتد فحشه من أفعالهم فقال{[15738]} : - وقال الحرالي : و{[15739]}لما كانت هذه السورة منزلة لتبيين ما اشتبه{[15740]} على{[15741]} أهل الإنجيل{[15742]} جرى ذكر أهل التوراة فيها مجملاً{[15743]} بجوامع من ذكرهم ، لأن{[15744]} تفاصيل أمرهم قد استقرأته{[15745]} سورة البقرة ، فكان أمر أهل التوراة في سورة البقرة بياناً وأهل الإنجيل إجمالاً ، وكان أمر أهل الإنجيل في سورة آل عمران بياناً وذكر أهل التوراة إجمالاً ، لما كان لبس{[15746]} أهل التوراة في الكتاب فوقع تفصيل ذكرهم في سورة { الم ذلك الكتاب }[ البقرة : 1 ، 2 ] ، ولما كان اشتباه أمر أهل الإنجيل في شأن الإلهية كان بيان ما تشابه عليهم في سورة{ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم }[ آل عمران : 1 ، 2 ] فجاء هذا الذكر لأهل التوراة معادلة بينهم وبين أهل الإنجيل بما كفروا بالآيات من المعنى الذي اشتركوا فيه في أمر الإلهية في عزير{[15747]} واختصوا{[15748]} بقتل الأنبياء وقتل أهل الخير الآمرين{[15749]} بالقسط ؛ انتهى .
فقال تعالى : { إن الذين يكفرون } وهم الذين خذلهم الله { بآيات الله } في إبراز الاسم الأعظم إشارة إلى عظيم كفرهم بكونه مما أضيف إليه{[15750]} سبحانه وتعالى . قال الحرالي : وفي ذكره بصيغة الدوام{[15751]} ما يقع منهم من الكفر بآيات{[15752]} الله في ختم اليوم المحمدي{[15753]} مع الدجال{[15754]} فإنهم أتباعه { ويقتلون النبيين } في إشعاره ما تمادوا عليه من البغي على الأنيباء حتى كان{[15755]} لهم مدخل{[15756]} في شهادة النبي صلى الله عليه وسلم{[15757]} التي رزقه الله فيما كان{[15758]} يدعو به حيث كان يقول صلى الله عليه وسلم : " اللهم ارزقني شهادة في يسر منك وعافية " .
ولما كان قتلهم إياهم بدون شبهة أصلاً بل لمحض{[15759]} والكفر والعناد{[15760]} ، لأن الأنبياء مبرؤون{[15761]} من أن يكون لأحد قبلهم حق دنيوي أو أخروي قال : { بغير حق } أي لا صغير ولا كبير في نفس الأمر ولا في اعتقادهم ، فهو أبلغ مما{[15762]} في البقرة على عادة أفعال الحكماء في الابتداء بالأخف{[15763]} فالأخف . ولما خص{[15764]} ذكر أكمل الخلق عبر بما يعم أتباعهم فقال{[15765]} معيداً للفعل{[15766]} زيادة في لومهم وتقريعهم : { ويقتلون الذين يأمرون بالقسط } أي العدل ، ولما كان ذلك شاملاً لمن لا قدرة لهم على قتله{[15767]} من الملائكة قال{[15768]} : { من الناس } أي كلهم ، سواء كانوا أنبياء{[15769]} أو لا ، ويجوز أن يكون المراد{[15770]} بهذا القيد زيادة توبيخهم بأنهم يقتلون جنسهم الذي{[15771]} من حقهم أن يألفوه{[15772]} ويسعوا في بقائه ، وهذا تحقيق لأن قتلهم لمجرد العدوان قال الحرالي : فيه إعلام بتمادي تسلطهم على أهل الخير من الملوك والرؤساء ، فكان في طيه إلاحة لما استعملوا فيه من علم التطبب{[15773]} ومخالطتهم{[15774]} رؤساء الناس بالطب الذي توسل{[15775]} كثير منهم إلى قتلهم به عمداً وخطأ ، ليجري ذلك على أيديهم خفية في هذه الأمة نظير ما جرى على أيدي أسلافهم في قتل الأنبياء جهرة - انتهى .
ويجوز أن يكون الخبر عنهم محذوفاً و{[15776]}التقدير : أنهم مطبوع على قلوبهم ، أو : لا يؤمنون ، أو : لا يزالون يجادلونك وينازعونك{[15777]} و{[15778]}يبغون لك الغوائل{[15779]} { فبشرهم بعذاب أليم * }{[15780]} أي اجعل{[15781]} إخبارهم بأنه{[15782]} لهم موضع البشارة ، فهو من وادي : تحيتهم{[15783]} بينهم ضرب وجيع .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.