تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ} (40)

40- { قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك يفعل الله ما يشاء } .

أني يكون : كيف يحصل لي .

المفردات :

بلغني الكبر : أدركتني الشيخوخة .

وامرأتي عاقر : عقيم لا تلد .

التفسير :

لما بشرته الملائكة بذلك وتحقق من البشارة تعجب من وقوع ذلك مع وجود الموانع فقد كان عمره ( 120 ) سنة وعمر زوجته 98 سنة وهي عقيم لا تلد في صباها فكيف تلد في شيخوختها ؟

قال الشيخ محمد عبده :

" إن زكريا لما رأى من نعم الله على مريم من كمال إيمانها وحسن حالها واعتقادها ان المسخر لها والرازق لما عندها هو من يرزق من يشاء بغير حساب اخذ عن نفسه وغاب عن حسه وانصرف عن العالم وما فيه ، واستغرق قلبه في ملاحظة فضل الله ورحمته فنطق بهذا الدعاء في حال غيبته وإنما يكون الدعاء مستجابا إذا جرى به اللسان بتلقين القلب حال استغراقه في الشعور بكمال الرب .

ولما عاد من سفره في عالم الوحدة إلى عالم الأسباب ومقام التفرقة وقد أوذن بسماع ندائه واستجابة دعائه سأل ربه عن كيفية الاستجابة وهي على غير السنة الكونية فأجابه بقوله :

{ قال كذلك الله يفعل ما يشاء } : أي الله يفعل ما شاء مثل ذلك من الأفعال الخارقة للعادة الخارجة عن القياس .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ} (40)

فكأنه قيل : فما قال حين أجابه ربه سبحانه وتعالى ؟ فقيل : { قال } يستثبت بذلك{[16608]} ما{[16609]} يزيده طمأنينة{[16610]} ويقيناً وسكينة{[16611]} { رب } أي{[16612]} أيها المحسن إلي .

ولما كان مطلوبه ولداً يقوم مقامه فيما هو فيه{[16613]} من النبوة التي لا يطيقها إلا الذكور{[16614]} الأقوياء الكملة{[16615]} ، وكانت {[16616]}العادة قاضية بأن ولد الشيخ يكون ضعيفاً لا سيما إن كان حرثه مع الطعن في السن في أصله غير قابل للزرع أحب أن يصرح له بمطلوبه فقال : { أنّى } أي كيف ومن أين { يكون لي } وعبر بما تدور مادته على الغلبة والقوة زيادة في الكشف فقال : { غلام } وفي{[16617]} تعبيره به في سياق الحصور{[16618]} دليل على أنه في غاية ما يكون من صحة الجسم وقوته اللازم منه شدة الداعية إلى النكاح ، وهو مع ذلك يمنع نفسه منه{[16619]} منعاً زائداً على الحد ، لما عنده من غلبة الشهود اللازم منه {[16620]}الإقبال على العبادة{[16621]} بكليته والإعراض عن كل ما يشغل عنها جملة لا سيما النكاح ، بحيث يظن{[16622]} أنه لا إرب له فيه ، وهذا موافق للتعبير الأول للحصور في القاموس ، وهو الذي ينبغي ألا{[16623]} يعرج على غيره لأنه بناء مبالغة من متعد ، ولأنه أمدح له صلى الله عليه وسلم ، ومهما دار الشيء على صفة الكمال في الأنبياء عليهم السلام وجب أن لا يعدل عنه ، وما ورد{[16624]} - كما يأتي إن شاء الله تعالى في سورة مريم عليها السلام - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

" ذكره مثل هذه{[16625]} القذاة " فقد ضعفوه ، وعلى تقدير صحته{[16626]} فيكون ذلك إخباراً{[16627]} عن أنه لما أعرض عنه رأساً ضعف ما معه لذلك ، فهو إخبار عن آخر أمره الذي أدت إليه عزيمته ، والآية مشيرة إلى ما اقتضته خلقته وغريزته وإن كان الجمع لكمال{[16628]} الوجود الإنساني بالنكاح أكمل كما وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم ويقع لعيسى عليه السلام بعد نزوله { وقد } أي والحال أنه قد { بلغني الكبر } إلى حد لا يولد فيه عادة { وامرأتى عاقر } قال الحرالي : من العقر وهو البلوغ إلى حد انقطاع النسل هرماً{[16629]} - انتهى ؛ كذا قال ، وآية سورة مريم تدل{[16630]} على أن المعنى أنها لم تزل عقيماً ، وعليه يدل كلام أهل اللغة ، قال في القاموس في الراء{[16631]} : العقرة وتضم{[16632]} : العقم ، وقد عُقرت كعُنى{[16633]} فهي عاقر{[16634]} ، ورجل عاقر وعقير : لا يولد له ولد{[16635]} ، والعُقَرة{[16636]} كهمزة : خرزة تحملها المرأة لئلا تلد ، وقال في الميم : العقم بالضم : هزمة تقع في الرحم فلا تقبل{[16637]} الولد ، عقمت كفرح ونصر{[16638]} وكرم{[16639]} وعُنى ، ورحم{[16640]} عقيم وامرأة عقيم ورجل عقيم{[16641]} : لا يولد له ، وقال الإمامان أبو عبد الله القزاز في ديوانه وعبد الحق في واعيه : والعقر بضم العين وسكون القاف مصدر العاقر من النساء وهي التي لا تحمل من غير داء ولا كبر ، يقال : امرأة عاقر ، وبها عقر ، سميت بذلك كأن في رحمها عقرا يمنعها من الولادة ، وقال الإمام{[16642]} أبو غالب{[16643]} " ابن التياني{[16644]} " في كتابه الموعب{[16645]} صاحب [ تلقيح ] العين{[16646]} : العقر مصدر العاقر من النساء وهي التي لا تحمل{[16647]} من غير داء ولا كبر ، لكن خلقة ، ثم قال{[16648]} وتعقرت : إذا ولدت ثم أمسكت - والله الموفق .

ثم وصل به قوله : { قال كذلك } أي مثل هذا الفعل الجليل البعيد{[16649]} الرتبة . ولما كان استنباؤه عن القوة والكمال لا عن الخلق عبر سبحانه في تعليل ذلك بالفعل بخلاف ما يأتي في قصة مريم عليها السلام فقال : { الله يفعل ما يشاء * } لأنه المحيط بكل شيء قدرة وعلماً .


[16608]:ن ظ، وفي الأصل ومد: ذلك.
[16609]:ي الأصول: بما.
[16610]:ي ظ: وتعينا ويعينه، وفي مد: وقببا وسكينة ـ كذا.
[16611]:في ظ: وتعينا ويعينه، وفي مد: وقببا وسكينة ـ كذا.
[16612]:قط من ظ، وزيد قبله في مد: إني.
[16613]:يد من ظ ومد.
[16614]:يدت الواو بعده في ظ.
[16615]:قط من ظ، وفي مد: الكلمة.
[16616]:من هنا إلى "لأنه وقت" ص 317 أسسنا المتن على ظ لكون الأصل في غاية الانطماس.
[16617]:قط من مد.
[16618]:ن مد، وفي ظ: المحصور.
[16619]:يد من مد.
[16620]:ن مد، وفي ظ: عن.
[16621]:ن مد، وفي ظ: العادة.
[16622]:سقط من مد.
[16623]:زيد ما بين الحاجزين من مد.
[16624]:زيد ما بين الحاجزين من مد.
[16625]:ن مد، وفي ظ: هذا.
[16626]:ن مد، وفي ظ: صحبته.
[16627]:ن مد، وفي ظ: أجنادا.
[16628]:ن مد وفي ظ: بكماله.
[16629]:ن مد، وفي ظ: منها.
[16630]:ن مد، وفي ظ: فدل.
[16631]:ن مد، وفي ظ: الزاء.
[16632]:ن القاموس، وفي ظ: بضم، وفي مد: يضم.
[16633]:ن القاموس، وفي ظ ومد: يعنى.
[16634]:ن القاموس ومد، وفي ظ: فهو.
[16635]:يد من القاموس.
[16636]:ن القاموس، وفي ظ ومد: كثمرة جوزه.
[16637]:ن القاموس، وفي ظ ومد: يقبل.
[16638]:ي مد: عقم.
[16639]:ن القاموس ومد، وفي ظ: يصر.
[16640]:ن القاموس ومد، وفي ظ: غير ودحم ـ كذا.
[16641]:يد من اللسان ومد.
[16642]:يد من مد.
[16643]:ن معجم المؤلفين 3/92، وفي ظ: المتاني ـ كذا، وفي مد: ابن التباني.
[16644]:من معجم المؤلفين 3/92، وفي ظ: المتاني ـ كذا، وفي مد: ابن التباني.
[16645]:ن مد والمعجم، وفي ظ: الموجب.
[16646]:أي صاحب تلقيح العين، كما في المعجم وكشف الظنون.
[16647]:يد بعدخ في ظ: من النساء، ولم تكن الزيادة في مد فحذفناها.
[16648]:زيد من مد.
[16649]:من مد، وفي ظ: العد ـ كذا.