تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ} (59)

المفردات :

مفاتح : جمع مفتح أو مفتاح – بكسر الميم فيهما ، وهو أداة الفتح . والمراد بمفتاح الغيب : أسباب علمه .

في كتاب مبين : الكتاب المبين هو علم الله .

التفسير :

55- وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها . . . الآية .

تصور هذه الآية علم الله تعالى الشامل المحيط لهذا الكون ، فلا يند عن علم الله شيء في الزمان ولا في المكان ، في الأرض ولا في السماء ، في البر ولا في البحر ، في جوف الأرض ، ولا في طبقات الجو ، من حي وميت ويابس ورطب .

أي أن الله سبحانه وتعالى استأثر بعلم الغيب فلا يعلمه أحد سواه ، إنه هو الذي خلق الإنسان ، وكتب أجله ورزقه ، وشقي أو سعيد ، وهو المحيط علما بما في البر والبحر وخصهما بالذكر لأنهما مشاهدان أمام الإنسان وهما رمز لإحاطة علم الله الشامل بكل ما في الكون .

والمعنى : يعلم ما في البر والبحر من أجزائهما ، وما ظهر أو خفي فيهما : من الإنسان والحيوان والنبات ، والسوائل ، والجوامد ، والأدهنة والأبخرة ، وعناصرها ، وذراتها ، ومكونات هذه الذرات .

وقد صرح الحق سبحانه بشمول علمه لكل كلي وجزئي ، ولكل صغير وكبير ، ولكل دقيق وجليل فقال سبحانه :

وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين . أي وما تسقط ورقة ما من شجرة من الأشجار ، ولا حبة في باطن الأرض وأجوافها ، ولا رطب ولا يابس من الثمار أو غيرها ، إلا ويعلمه علما تاما شاملا ، لأن ذلك مكتوب ومحفوظ في العلم الإلهي الثابت .

ويمكن أن نضيف إلى تفسير هذه الآية ما يأتي :

قامت الشيوعية وأظهرت تبرمها بالأديان ، وادعت أن الإنسان يخطط لنفسه ويصنع مستقبله بعلمه وعمله وظن الناس ان التطور العلمي سيحدد مستقبل الإنسان ، وإذا بالعلماء يصرحون أن الإنسان كلما زاد علمه زاد إدراكه بالجهل ، واتساع دائرة ما لا يعلمه . أي أن زيادة العلم تشعر الإنسان بزيادة الجهل بحقائق كثيرة في هذا الكون ، وبذلك تراجعت الفلسفة الشيوعية ، وانسحبت الشيوعية من أوروبا الشرقية بعد مرور ( 70 ) سبعين عاما على نشأتها وعاد الإيمان إلى الناس ، وعادت ثقتهم في الإيمان بالغيب .

الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر عاد الناس إلى الكنائس في موسكو نفسها ، وفي غيرها من البلدان التي كانت شيوعية ، ولم يكن الذاهبون إلى الكنائس من كبار السن فقط بل كان فيهم الشباب والفتيان والفتيات .

يتعلق بهذه الآية أيضا : أن علم الغيب مقصور على الله تعالى ، أما ظن الغيب بأمارات فإنه ممكن لمن يأخذ بأسباب هذه المعرفة كما يحدث عن الراصدين لحركات الرياح والشمس والقمر ، حين يخبرون بهبوب الرياح بشدة أو باعتدالها ، وبكسوف الشمس يوم كذا ، وبخسوف القمر ليلة كذا ، وكما يحدث عن علماء الفلك حين يخبرون بزمن نزول المطر ، أو نزول درجة الحرارة أو صعودها .

أو نحو ذلك ، فيقع الأمر كما قالوا . . وكما يفعله الأطباء بحكم العادة عندهم إذ يقولون : لمن حلمة ثديها الأيمن سوداء جنينك ذكر ، ولمن حلمة ثديها الأيسر كذلك جنينك أنثى فيقع الأمر كما قالوا . ونحو ذلك مما يخضع لقواعد علمية أو أمارات ظنية .

أما العرافون الذين يدعون علم الغيب كقول أحدهم :

إنك ستكسب كذا ، أو تتزوج فلانة فهو آثم جاحد .

قال القرطبي في تفسير الآية :

قال علماؤنا : أضاف سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آية من كتابه ، إلا من اصطفى من عباده ، والله تعالى يقول : قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله .

ثم قال : وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان بإتيان المنجمين والكهان ولا سيما بالديار المصرية ، فقد شاع في رؤسائهم وأتباعهم وأمرائهم ، اتخاذ المنجمين ، بل ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقر والدين فلجأوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين فبهرجوا عليهم بالمحال واستخرجوا منهم الأموال ، فحصلوا من أقوالهم على السراب ( 93 ) .

وقد ورد في السنة الصحيحة النهي عن الذهاب إلى العرافين والمنجمين ، جاء في صحيح مسلم : ( من أتى عرافا فسأله عن شيء ، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ( 94 ) .

وروى البخاري بسنده عن ابن عمر أن رسول الله قال : ( مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم أحد ما يكون في غد إلا الله ، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلا الله ، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا ، ولا تدري نفس بأي أرض تموت ، ولا يدري أحد متى يجيء المطر ( 95 ) .

وهذا الحديث يوافق قوله تعالى : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير . ( لقمان : 34 ) .

وهنا نجد بعض الناس يتساءلون عن توصل العلم إلى معرفة نوع الجنين ، والجواب أن علم الله بما في الأرحام علم شامل يمتد إلى معرفة أجله ورزقه وسعادته أو شقاوته وهذه أمور لا يعلمها إلا الله تعالى .

ولا ينبغي أن نطاوع العامة في محاولة معرفة المستقبل عند العرافين فقد روى الإمام أحمد وغيره عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه ، فقد كفر بما أنزل على محمد ( 96 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ} (59)

ولما كانت هذه الآيات مثبتة لجزئيات من علمه تعالى وقدرته ، وكان ختامها العلم بالظالم وغيره ، أتبعها الاختصاص بما هو أعم من ذلك ، وهو علم مفاتح الغيب الذي لا يصل إليه إلا من حازها ، إذ لا يطلع على الخزائن إلا من فتحها ، ولا يفتحها إلا من حاز مفاتيحها وعلم كيف يفتح بها ، فإثبات ذلك في هذا الأسلوب من باب الترقية في مراقي الاعتقاد من درجة كاملة إلى أكمل منها ، فقال عاطفاً على معنى ما سبق ، وهو : فعنده خاصة{[29842]} جميع ذلك : { وعنده } أي وحده { مفاتح الغيب } أي{[29843]} التي{[29844]} لا يدرك الغيب إلا من علمها .

ولما كان معنى ذلك الاختصاص ، صرح به في قوله : { لا يعلمها إلا هو } وتخصيصها بالنفي دون الخزائن دال على ما فهمته من أن التقييد فيها{[29845]} ب " لكم " يفهم أنه يجوز أن نقول{[29846]} ذلك للمؤمنين . {[29847]}

ولما ذكر علم الغيب ، أتبعه علم الشهادة ، لأن القضايا العقلية المحضة يصعب تحصيل العلم{[29848]} بها على سبيل التمام إلا للكُمَّل من الأنام الذين{[29849]} تجردوا فتعودوا{[29850]} استحضار المعقولات المجردة ، والقرآن إنما أنزل لنفع{[29851]} جميع الخلق : الذكي منهم والغبي{[29852]} ، فكان ذكر المحسوسات الداخلة تحت القضية العقلية الكلية معيناً على تصور ذلك المعقول ورسوخه في القلب ، فقال مؤكداً لهذا المعقول الكلي المجرد بمثال{[29853]} داخل تحته{[29854]} يجري مجرى المحسوس ، وعطفُه بالواو عطفَ الخاص على العام إشارة إلى تعظيمه فقال : { ويعلم ما في البر } وقدمه لأن الإنسان أكثر ملابسة له بما فيه من القرى والمدن والمفاوز والجبال والتلال وكثرة ما بها من الحيوان{[29855]} والنبات{[29856]} والنجم{[29857]} وذي الساق والمعادن { والبحر } وأخره لأن إحاطة العقل بأحواله أقل وإن كان الحس يدل على أن عجائبها أكثر ، وطولها وعرضها أعظم ، وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب ، فكان هذا الأمر المحسوس مقوياً لعظمة ذلك الأمر المعقول .

ولما ذكر ما يعم الثابت والمنتقل : خص المنتقل تنصيصاً على الجزئيات وتعظيماً للعلم بتعظيم المعلومات فقال : { وما تسقط } وأغرق في النفي بقوله : { من ورقة } ونكرها إتماماً للتعميم { إلا يعلمها } ولما كان هذا مع عظمه ظاهراً ، ذكر ما هو أدق منه فقال : { ولا } أي وما{[29858]} من { حبة } ودل على أن الأرض ليس لها من نفسها نور تنبيهاً على ما أودع هذا الآدمي المكوّن منها من الغرائب بقوله : { في ظلمات الأرض } أي ولو كان في أقصى بطنها ، فكيف بماهو في النور وهو أكبر{[29859]} من الحبة .

ولما خص ، رجع إلى التعميم رداً للآخر على الأول فقال : { ولا رطب ولا يابس } أي وجد أو لم يوجد أو{[29860]} سيوجد { إلا في كتاب مبين * } أي موضح لأحواله وأعيانه وكل أموره وأحيانه{[29861]} ، فثبت أنه فاعل لجميع العالم بجواهره وأعراضه على سبيل الإحكام والإتقان ، لأنه وحده عالم بجميع المعلومات ، ومن اختص بعلم جميع المعلومات كان مختصاً بصنع جميع المصنوعات وقادراً على جميع المقدورات .


[29842]:في ظ: حاصله.
[29843]:زيد من ظ.
[29844]:في ظ: الذي.
[29845]:زيد من ظ.
[29846]:في ظ: يقول.
[29847]:زيد بعده في الأصل: ما يعم الثابت والمتنقل، خص المتنقل تنصيصا على الجزئيات وتعظيما للعلم بتعظيم المعلومات، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها، وستأتي في موضعها الأليق بها.
[29848]:سقط من ظ.
[29849]:في ظ: الذي.
[29850]:في الأصل: فيعودوا، وفي ظ: فتعود.
[29851]:من ظ، وفي الأصل: النفع.
[29852]:في ظ: الغني.
[29853]:من ظ، وفي الأصل: لمثال.
[29854]:في ظ: تحت.
[29855]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29856]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29857]:من ظ، وفي الأصل: الجم، والنجم من النبات ما لا ساق له.
[29858]:في ظ: لا.
[29859]:من ظ، وفي الأصل: أكرم.
[29860]:في الأصل و ظ "و".
[29861]:في ظ: اختانه.