تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِنَا فَقُلۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۖ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (54)

المفردات :

بجهالة : بسفه وسوء رأي .

التفسير :

53- وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم . ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية تخص السابقين إلى الإسلام الذين سخر منهم الكبراء والأشراف ، فقد أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يبدأهم بالسلام ، وأن يبشرهم بما لزم الله به نفسه من رحمة عباده وقبول توبتهم ، متى تابوا وأصلحوا .

قال الإمام الشوكاني في فتح القدير :

وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا : هم الذين نهاه الله عن طردهم وهم المستضعفون من المؤمنين فقل سلام عليكم . تطييبا لخواطرهم وإكراما لهم ، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول هذه الآية إذا رآهم بدأهم بالسلام .

كتب ربكم على نفسه الرحمة . أي اوجب ذلك على نفسه إيجاب فضل وإحسان ، وقيل : كتب ذلك في اللوح المحفوظ ، وقيل : هذا من جملة ما أمره الله سبحانه . بإبلاغه إلى أولئك تبشيرا بسعة مغفرة الله وعظيم رحمته .

ويرى بعض المفسرين : أن هذه الآية الكريمة ليست خاصة بالمنهى عن طردهم من ضعفاء المؤمنين .

بل هي دستور عام لجميع المؤمنين المقصرين إذا ما تابوا وأصلحوا .

والمعنى : وإذا جاءك – يا محمد – الذين آمنوا ، وقد أصابوا بعض الذنوب ، فقل تبشيرا لهم : سلام عليكم ، أي مسالمة من الله ربكم ، وتلك المسالمة هي أنه تعالى قضى على نفسه بالرحمة لعباده : تفضيلا ، وذلك أنه من عمل منكم سوءا أي ذنبا – بجهالة – أي سفه وسوء رأى فشأنه تعالى : أنه غفار للذنوب رحيم بعباده فلا تقنطوا من رحمة الله ( 88 ) .

ومن المعروف في كتب علوم القرآن أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

فالآية عامة لجميع المؤمنين ، وما فيها من رحمة الله بعباده ، وتوبته على المذنبين ، ورحمته بالعصاة ، ومغفرته للنادمين ، أمر قد ورد في القرآن الكريم والسنة الصحيحة .

فالتوبة النصوح ، إذا قرنت بالندم على فعل الذنوب ، وصدق الالتجاء إلى الله ، والانتقال من فعل الذنب ، إلى فعل الصلاح وامتثال المأثورات واجتناب المنهيات هذه التوبة جديرة بالقبول إن شاء الله .

قال تعالى : إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما* ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا . ( الفرقان : 70 : 71 ) .

وقال عز شأنه : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم . ( الحجر : 49 : 50 ) .

وقال سبحانه : غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير . ( غافر : 3 ) :

وقال تعالى : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم . ( الزمر : 53 ) .

وقال تعالى : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين . ( آل عمران : 135 : 136 ) .

وقال تعالى : إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما . ( النساء : 17 ) .

وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فينادي يا عبادي هل من داع فأستجيب له ، هل من مستغفر فأغفر له ، هل من تائب فأتوب عليه ، هل من طالب حاجة فأقضيها له حتى يطلع الفجر ( 89 ) .

وفي الحديث الشريف : ( إن الله يمد يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويمد يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ( 90 ) .

وفي القرآن الكريم : إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين . ( البقرة : 222 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِنَا فَقُلۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۖ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (54)

ولما نهاه صلى الله عليه وسلم عن طردهم ، علمه كيف يلاطفهم فقال عاطفاً على ما تقديره : وإذا جاءك الذين يحتقرون الضعفاء من عبادي فلا تحفل{[29783]} بهم{[29784]} : { وإذا جاءك } وأظهر موضع الإضمار دلالة على الوصف الموجب لإكرامهم وتعميماً لغيرهم فقال : { الذين يؤمنون } أي{[29785]} هم أو غيرهم أغنياء كانوا أو فقراء ، وأشار بمظهر العظمة إلى أنهم آمنوا بما هو جدير بالإيمان به فقال : { بآياتنا } على ما لها{[29786]} من العظمة بالنسبة إلينا { فقل } أي لهم{[29787]} بادئاً بالسلام إكراماً لهم وتطييباً لخواطرهم{[29788]} { سلام عليكم } أي سلامة مني ومن الله ، {[29789]} ونكره لما يلحقهم في الدنيا من المصائب{[29790]} ؛ ثم علل ذلك بقوله : { كتب ربكم } أي المحسن إليكم { على نفسه الرحمة } ثم علل ذلك بقوله{[29791]} و{[29792]} استأنف بما حاصله أنه علم من الإنسان النقصان ، لأنه طبعه على طبائع الخسران إلا من جعله موضع الامتنان{[29793]} فقال : { أنه من عمل منكم سوءاً } أي أيّ{[29794]} سوء كان ملتبساً { بجهالة } أي بسفه أو بخفة وحركة أخرجته عن الحق والعلم حتى كان كأنه لا يعلم شيئاً { ثم تاب } أي رجع بالندم والإقلاع وإن طال الزمان ، ولذا{[29795]} أدخل الجار فقال{[29796]} : { من بعده } أي بعد ذلك العمل { وأصلح } بالاستمرار على الخير { فإنه } أي ربكم بسبب هذه التوبة يغفر له لأنه دائماً { غفور } أي بالغ الستر والمحو لما كان من ذلك { رحيم{[29797]} * } يكرم من تاب هذه التوبة{[29798]} بأن يجعله كمن أحسن بعد أن جعله بالغفر كمن لم يذنب ، ومن أصر وأفسد فإنه يعاقبه ، لأنه عزيز حكيم ، وربما كانت الآية ناظرة{[29799]} إلى ما{[29800]} قذفهم به المشركون من عدم الإخلاص ، ويكون حينئذ مرشحاً لأن المراد بالحساب المحاسبة على الذنوب .


[29783]:في ظ: فلا تجعل- كذا.
[29784]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[29785]:سقط من ظ.
[29786]:سقط من ظ.
[29787]:سقط من ظ.
[29788]:سقط من ظ.
[29789]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29790]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29791]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[29792]:في ظ: أو.
[29793]:في ظ: الامتهان.
[29794]:سقط من ظ.
[29795]:في ظ: كذلك.
[29796]:في ظ: في قوله.
[29797]:زيدت الواو بعده في ظ.
[29798]:سقط من ظ.
[29799]:في ظ: ظاهرة.
[29800]:زيد من ظ.