54- قل إني على بينة من ربي وكذبتم به . . . الآية . و المعنى قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يريدون منك اتباع أهوائهم كيف يتأتى لي ذلك وأنا على شريعة واضحة وملة صحيحة ، لا يعتريها شك ولا يخالطها زيغ لأنها كائنة من ربي الذي لا يضل ولا ينسى .
والتنوين في كلمة بينة للتفخيم والتعظيم ، وهي صفة لموصوف محذوف ، أي على حجة بينة واضحة محقة للحق ومبطلة للباطل فأنا لن أتزحزح عنها أبدا .
وفي هذا تعريض بالمشركين بأنهم ليسوا على بصيرة من أمرهم ، وإنما هم قد تبعوا ما وجدوا عليه آباءهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير .
ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين . أي ليس في مقدوري أن أنزل بكم ما تستعجلون من العذاب ، وإنما ذلك مرجعه إلى الله وحده ، فهو وحده الذي يقص الحق ويخبر به ، وهو وحده الذي يفصل في قضايا خلقه ، وهو خير الفاصلين في شؤون عباده ، وهو يرى الحكمة في إمهالكم فأمهلكم .
( وبذلك يجرد الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم – نفسه من ان تكون له قدرة ، أو تدخل في شأن القضاء الذي ينزله الله بعباده ، فهذا من شأن الألوهية وحدها وخصائصها ، وهو بشر يوحى إليه ليبلغ وينذر ، لا لينزل قضاء ويفصل ، وكما ان الله سبحانه هو الذي يقص الحق ويخبر به ، فهو كذلك الذي يقضي في الأمر ويفصل فيه . . وليس بعد هذا تنزيه وتجريد لذات الله سبحانه وتعالى وخصائصه ، عن ذوات العبيد ) ( 92 ) .
ولما كان طلبهم للآيات - أي العلامات{[29820]} الدالة على الصدق تارة بالرحمة في إنزال الأنهار والكنوز و{[29821]} إراحة الحياة{[29822]} ، وتارة بالعذاب من إيقاع السماء عليهم كسفاً ونحو ذلك - ليس في يده ولا عنده تعين وقت نزوله ، وأمره هنا أن يصرح لهم بالمباينة{[29823]} ويؤيسهم من الملاينة ما داموا على المداهنة ، أمره{[29824]} {[29825]} بأن يخبرهم{[29826]} بما هو متمكن فيه من النور وما هم فيه من العمى بقوله : { قل إني } وأشار إلى تمكنه في الأدلة الظاهرة والحجج القاهرة بحرف الاستعلاء فقال : { على بينة } أي إن{[29827]} العدو إنما يصانع عدوه إما لعدم الثقة بالنصرة عليه وتعذيبه بعداوته ، و{[29828]} إما لعدم وثوقه بأنه على الحق ، وأما أنا فواثق بكلا الأمرين { من ربي } أي المحسن إليّ بإرسالي بعد الكشف التام لي عن سر{[29829]} الملك والملكوت { و } الحال أنكم { كذبتم به } أي ربي حيث رددتم رسالته فهو منتقم منكم لا محالة .
ولما قيل ذلك ، فرض أن لسان حالهم قال : فائتنا بهذه البينة ! فقال : إن ربي تام القدرة ، فلا يخاف الفوت فلا يعجل ، وأما أنا فعبد { ما عندي } أي في{[29830]} قدرتي وإمكاني { ما تستعجلون به } أي في قولكم " امطر علنيا حجارة من السماء " ونحوه حتى أحكم فيكم{[29831]} بما يقتضيه طبع البشر من العجلة{[29832]} { إن } أي ما { الحكم } في شيء من الأشياء هذا وغيره { إلا لله } أي الذي له الأمر كله فلا كفوء له ، ثم استأنف قوله مبيناً أنه سبحانه يأتي بالأمر في الوقت الذي حده{[29833]} له على ما هو الأليق به من غير قدرة لأحد غيره على تقديم ولا تأخير فقال : { يقص{[29834]} } أي يفصل وينفذ بالتقديم والتأخير ، وهو معنى قراءة الحرميين وعاصم " يقص " أي يقطع القضاء أو القصص { الحق } ويظهره فيفصله من الباطل ويوضحه ، ليتبعه من قضى بسعادته ، ويتنكب عنه من حكم بشقاوته { وهو خير الفاصلين * } لأنه إذا أراد ذلك لم يدع لبساً لمن يريد هدايته ، وجعل في ذلك الظاهر سبباً{[29835]} لمن يريد ضلالته ؛
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.