تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذَا لَمۡ تَأۡتِهِم بِـَٔايَةٖ قَالُواْ لَوۡلَا ٱجۡتَبَيۡتَهَاۚ قُلۡ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّيۚ هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (203)

{ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآية قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إنمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 203 ) وَإِذَا قُرِىءَ القرآن فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 204 ) وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ ( 205 ) إن الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ( 206 ) }

المفردات :

اجتبيتها : طلبتها .

بصائر : ما تبصر به عقولكم من الآيات .

التفسير :

{ 203 - وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآية قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا . . . } الآية .

كان المشركون لا يكفون عن طلب الخوارق من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والآية تحكي بعض أقوالهم ؛ الدالة على جهلهم بطبيعة الوحي والرسالة ؛ فقد كانوا يتصورون أن في مقدرة النبي معرفة الغيب ؛ أو الاقتراح على الله أن ينزل بعض المعجزات ، أو بعض الآيات من القرآن .

ومعنى الآية :

وإذا لم تأت أيها الرسول أهل مكة بآية مما اقترحوا حدوثه ، أو بآية من القرآن .

{ قالوا لولا اجتبيتها } .

أي : لولا ألححت على ربك حتى ينزلها ! . . .

أو هلا فعلتها أنت من نفسك ؟ ألست نبيّا ؟ !

{ قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي } .

أي : إنما أنا بشر يتلقى الوحي ، ولا يطلب ولا يقترح ؛ فإن الله هو الذي ينزل الوحي وهو العليم الحكيم الخبير بما يحتاج إليه العباد .

ونظير ذلك قوله تعالى : { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقائي نفسي أن أتبع إلا ما يوحي إلي إني أخاف أن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . ( يونس : 15 ) .

ثم نبههم الحق تعالى ، إلى هذا القرآن أعظم المعجزات ، وكأنه يقول لهم : ما لكم تطلبون شيئا لا يفيدكم ؟ وإنما لديكم هذا القرآن الذي يشتمل على آيات الله الكونية ويرشد إلى الهوى ، وينير الطريق للسالكين .

{ هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } .

أي : خذ القرآن بصائر وحجج ناهضة من ربكم ؛ يعود من تأملها وعقلها بصير بما تدل عليه من الحق ؛ إذ هي أدلّ عليه من الآيات الكونية التي تطلبونها .

قال تعالى : { قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ } . ( الأنعام : 104 ) .

{ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } .

وهذا القرآن هذى للحيارى إلى طريق الاستقامة ؛ وهو أيضا رحمة في الدنيا والآخرة لمن يؤمن به ، فمن آمن به وعمل بأحكامه ؛ فهو من المفلحين .

قال تعالى : { وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون } . ( الأنعام : 155 ) .

جاء في التفسير المنير للدكتور وهبة الزحيلي :

هذا القرآن أعظم المعجزات ، وأبين الدلالات وأصدق الحجج والبينات فهو متصف بخصائص ثلاث :

1 – مبصّر بالحق في دلالاته على التوحيد والنبوة والمعاد ، وتنظيم الحياة بأحسن التشريعات .

2 – هاد ومرشد إلى طريق الاستقامة .

3 – رحمة في الدنيا والآخرة للمؤمنين به .

وجاء في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب ما خلاصته :

إنه هذا القرآن بصائر تهدى ، ورحمة تفيض . . . لمن يؤمن به ويغتنم هذا الخير العميم .

إنه هذا القرآن الذي لا تبلغ خارقة مادّية من الإعجاز ما يبلغه . . . من أي جانب من الجوانب شاء الناس .

هذا جانبه التعبيري كان وما يزال إلى اليوم معجزا لا يتطاول إليه أحد في البشر ، تحدّاهم الله به وما يزال هذا التحدّي قائما . . .

ويبقى وراء ذلك السر المعجز في هذا الكتاب الفريد . . . ويبقى ذلك السلطان الذي له على الفطرة ، متى خلى بينه وبينها لحظة . . .

منهج هذا القرآن العجيب في مخاطبته الكينونة البشرية بحقائق الوجود ، وهو منهج يواجه هذه الكينونة بجملتها . . .

منهج هذا القرآن العجيب ، وهو يتناول قضايا الوجود ، فيكشف منها ما تتلقاه فطرة الإنسان وقلبه وعقله بالتسليم المطلق .

منهج هذا العجيب في النظرة الكلية في هذا الوجود وطبيعته ، وحقيقته ونشأته ، في النظرة الكلية إلى الإنسان ونفسه وأصله ونشأته ، وطبيعة تركيبه وانفعالاته واستجاباته وأحواله ، تلك الموضوعات التي تطرق جوانب منها علوم الحياة والنفس والتربية والاجتماع والعقائد والأديان . . . 97

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذَا لَمۡ تَأۡتِهِم بِـَٔايَةٖ قَالُواْ لَوۡلَا ٱجۡتَبَيۡتَهَاۚ قُلۡ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّيۚ هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (203)

ولما تقرر ما شرعه من التعفف وعدم التنطع والتكلف ، وكان قد أخبر أن من عمههم تكلفهم السؤال عن{[34440]} الساعة ، والشياطين لا يفترون عن إغوائهم ، أخبره عن مطلق تكلفهم تعجباً{[34441]} منهم وإشهاداً لتماديهم مع إغواء شياطينهم ، وأمره صلى الله عليه وسلم بما يجيبهم به{[34442]} فقال عاطفاً{[34443]} على { يمدونهم } : { وإذا لم تأتهم بآية } أي على حسب اقتراحهم { قالوا لولا } أي هلا { اجتبيتها } والجبي : الجمع ، والإجباء تركه ، والاجتباء : الجد في الجمع ، ويلزم منه الاصطفاء والاختيار ، فمعنى اجتبيتها اجتلبتها ، أي تكلفت من عند نفسك الإتيان بها مختارة .

ولما كان المقام داعياً إلى السؤال في تعليم الجواب{[34444]} ، أسعف ذلك{[34445]} بقوله : { قل } أي إذا قالوا ذلك { إنما أتبع } أي أتعمد وأتكلف اتباع { ما يوحي إليّ } أي يأتيني به الملك { من ربي } أي المحسن إليّ بتعليمي ما ينفعني ، لا أني آتي بشيء من عند نفسي ولا أقترح على ربي .

ولما حصر حاله في اتباع الوحي كان كأنه قيل : ما هذا الذي يوحي إليك ؟ فقال - ويجوز أن يكون تعليلاً لاتباعه لأنه كاف في إثبات نبوته مغنٍ عن الآيات المقترحة قاهر في وجوب اتباعه - : { هذا } مشيراً إلى ما يوحى إليه تنبيهاً على أنه يجب أن يكون مستحضراً في سائر الأذهان ، حاضراً بين عيني كل إنسان { بصائر } أي أشياء هي{[34446]} - على حسب ما طلبتم - مجتباة ، بل هي خيار الخيار ، يكون بها نور القلب فيصير للعيون أيضاً بصر يقربه{[34447]} مما يحث الكتاب على نظره من الآيات المرئيات إلى علوم لم تكن لها قبل{[34448]} ذلك ، وهي حجج{[34449]} بينة قاهرة على تصديقي و{[34450]}قبول كل{[34451]} ما جئت به ، وسماه بذلك لأنه سبب لبصر العقول بدلائل التوحيد والنبوة والمعاد وجميع الشريعة أصولاً وفروعاً ، فهو تسمية للسبب باسم المسبب ، وعليّ{[34452]} مدحها بقولة : { من ربكم } أي الذي لم يقطع إحسانه عنكم أصلاً ، فهو جدير بأن يتلقي ما أتى منه بكل جميل .

ولما كانت البصائر جمعاً ، وكانت العادة جارية بأن مفردات الجمع تكون متفاوتة ، أكدها بما يشير إلى أنها خارقة للعادة في أنها على حد سواء في أعلى طبقات الهداية فقال : { وهدى } أي بيان ؛ ولما كان البيان قد لا يكون على وجه الإكرام ، قال : { ورحمة } أي إكرام .

ولما كان من لا ينتفع{[34453]} بالشيء يصح أن ينفي عن الشيء النافع النفع بالنسبة إليه ، قال : { {[34454]}لقوم يؤمنون{[34455]}* } أي يوجدون هذه الحقيقة ويستمرون على تجديدها في كل وقت ، وأما غيرهم فقد يكون عليهم عذاباً .


[34440]:- من ظ، وفي الأصل: على.
[34441]:- في ظ: تعجيبا.
[34442]:- زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[34443]:- في ظ: عطفا.
[34444]:- في ظ: اعسف.
[34445]:- من ظ، وفي الأصل: بذلك.
[34446]:- سقط من ظ.
[34447]:- في ظ: يعبر به.
[34448]:- زيد بعده في الأصل: بصر، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[34449]:- في ظ: حجة.
[34450]:- في ظ: في.
[34451]:- زيد من ظ.
[34452]:- في ظ: أعلى.
[34453]:- من ظ، وفي الأصل: لا ينفع.
[34454]:- زيد ما بين الرقمين من ظ والقرآن الكريم.
[34455]:-زيد ما بين الرقمين من ظ والقرآن الكريم.