تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ} (6)

المفرادات :

يجادلونك : يراجعونك .

في الحق : المراد بالحق هنا : القتال وسيأتي بيانه .

التفسير :

6 – { يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون } .

المعنى : يراجعونك في الحق – وهو لقاء النفير – أي : جيش العدو – ويؤثرون عليه لقاء العير للاستيلاء على تجارتهم بعد ما تبين . من بعدما أخبرتهم أن النصر سيكون حليفهم ، فقد وعدهم الله إحدى الحسنيين :

العير أو النفير ، وقد فرت العير فلم يبق إلا النفير ، لكن نفوس بعض الصحابة كانت قد تعلقت بالاستيلاء على العير وفضلت ذلك على القتال ، فلما فرض القتال ، وصار هو الخيار الوحيد ، كرهوا القتال كراهة من يساق إلى الموت سوقا لا مهرب منه ، وهو ناظر إليه بعينه ومشاهد لأسبابه .

وفي قوله تعالى : { كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون } .

تصوير معجز ، لما استولى على هذا الفريق من خوف وفزع من القتال بسبب قلة عددهم وعددهم ، وفيه بيان لفضل الله على هذه الفئة المؤمنة ، كيف منّ الله عليها بالإيمان ؟ ودربها على الشجاعة والتضحية والفداء ، فانتصرت عليها نفسها ، وتخلصت من الخوف وكراهية القتال ، ثم صارت بعد ذلك تحارب أضعافها من الكفار ، وتنتصر عليهم بفضل الله تعالى : { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين } .

ويقول الله سبحانه وتعالى ممتنّا على عباده المؤمنين .

{ واذكروا إذا أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيّدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون } . ( الأنفال : 26 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ} (6)

ثم ذكر دليل كراهتهم فقال : { يجادلونك } أي يكررون ذلك إرادة{[34538]} أن يفتلوك عن اللقاء للجيش إلى الرجوع عنه .

ولما كان لقاء الجيش امراً قد حتمه الله فلا بد{[34539]} من وقوعه مع أنه يرضيه ، قال : { في الحق } أي الذي هو إيثار الجهاد { بعد ما تبين } أي وضح وضوحاً عظيماً سهلاً من غير كلفة نظر{[34540]} بقرائن الأحوال بفوات العير وتيسير أمر النفير وبإعلام الرسول صلى الله عليه وسلم لهم تارة صريحاً وتارة تلويحاً كقوله " والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ، هذا مصرع فلان وذلك مصرع فلان " .

و{[34541]}لما كان سبحانه قد حكم{[34542]} باللقاء والنصرة تأييداً لوليه{[34543]} وإعلاء لكلمته مع شدة كراهتهم لذلك ، شبه{[34544]} سوقه لهم{[34545]} إلى مراده . فقال بانياً للمفعول لأن المكروه إليهم السوق لا كونه من معين : { كأنما يساقون } أي يسوقهم سائق لا قدرة لهم على ممانعته { إلى الموت وهم ينظرون* } لأنها كانت أول غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم وكان فيها لقاء ، وكانوا غير متأهبين للقتال غاية التأهب ، إنما خرجوا للقاء العير ، هذا مع أنهم عدد يسير ، وعدد أهل النفير كثير ، وكانوا في غاية الهيبة للقائهم والرعب من قتالهم ، وكل هذا تذكير لهم بأنه لم ينصرهم إلا الله بلا صنع منهم ، بل كانوا في يد قدرته كالآلة في يد أحدهم ، لينتج ذلك أنه ليس لهم أن ينازعوا في الأنفال .


[34538]:في ظ: إشارة.
[34539]:في ظ: بأس.
[34540]:زيد.
[34541]:زيد.
[34542]:من ظ: في ظ حاكم.
[34543]:في ط: لدينيه ـ كذا.
[34544]:في ظ: سوقهم له.
[34545]:في ظ: سوقهم له.