تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (63)

المفردات :

ألف بين قلوبهم : جمع بين قلوب الأوس والخزرج .

63 – { وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .

تستمر هذه الآيات في تشجيع الرسول صلى الله عليه وسلم ، على السير في طريق الصلح ، ما دام فيه مصلحة للإسلام والمسلمين ، وتبشره بأن الله سينصره وسيكفيه أمر الأعداء ، حتى لو أرادوا المخادعة والمراوغة ، وتضرب لذلك مثالا عمليا شاخصا للعيان .

فهؤلاء الأوس والخزرج كانوا في الجاهلية أبناء عمومة ، وكانت بينهم حروب لا تهدأ ، وثارات لم تنطفئ ، ولم يجتمعوا تحت راية ، حتى جاء الإسلام ، ودخل فيه من الأوس ومن الخزرج ؛ وتحولت البغضاء والإحن ، والأحقاد والعداوة ، إلى حب عظيم في الله وفي دينه ، وفي رسوله وفي كتابه ، وألف الله بين قلوبهم ، بقدرته ورحمته ، فقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمان يقلبها كيف يشاء ؛ فالحب والهداية والإيمان كلها من خلق الله ، وذلك لأن الألفة والمودة والمحبة الشديدة إنما حصلت بفضل الله ومتابعة الرسول الله صلى الله عليه وسلم .

{ لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم } .

أي : لو جمعت ما في الأرض من ذهب وفضة ، وأنفقته لتقضي على ما كان بينهم من التنازع والتخاصم والفرقة ، وتزرع بدلا منه المودة والألفة والرحمة ؛ ما استطعت إلى ذلك سبيلا بوسائلك المادية ؛ ولكن الله تعالى ، أماط عنهم البغضاء والشحناء ، وزرع مكان ذلك الحب والمودة والإيثار ؛ لأنه سبحانه هو مقلب القلوب وولى تصريفها .

وكان من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم : " اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ، ثبت قلبي على دينك " .

فقالت عائشة : يا رسول الله ، أراك تكثر من هذا الدعاء . فقال صلى الله عليه وسلم : " يا عائشة ، إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمان يقلبها كيف يشاء " liii .

ومن الدعاء المأثور : " اللهم آت نفسي تقواها وزكاها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها " liv .

{ إنه عزيز حكيم } .

إنه سبحانه غالب على أمره ، لا يعجزه أمر أراده حكيم ، لا يخرج شيء عن حكمته .

وقد ذكر الزمخشري في تفسير الكشاف كلاما نفيسا في وصف حالة العرب في الجاهلية ، وما كانوا فيه من الحمية والعصبية ، ثم بيان أثر هداية الإسلام في وحدتهم وألفتهم وتعاونهم . اه .

وفي الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خطب الأنصار في شأن غنائم حنين ؛ قال لهم : يا معشر الأنصار ، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ؟ وعالة فأغناكم الله بي ؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ؟ ! فقالت الأنصار : نعم يا رسول الله ، ولله ولرسوله الفضل والمنةlv .

وذكر الحافظ أبو بكر البيهقي عن ابن عباس قال : " قرابة الرحم تقطع ، ومنه النعمة تكفر ، ولم ير مثل تقارب القلوب " : يقول الله تعالى : { لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم } .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (63)

شرح الكلمات :

{ ألف بين قلوبهم } : أي جمع بين قلوب الأنصار بعدما كانت متنافرة مختلفة .

{ إنه عزيز حكيم } : أي غالب على أمره ، حكيم في فعله وتدبير أمور خلقه .

المعنى :

{ وألف بين قلوبهم } أي جمع بين تلك القلوب المتنافرة المنطوية على الإِحن والعداوات ولأقل الأسباب وأتفهها ، لقد كان الأنصار يعيشون على عداوة عظيمة فيما بينهم حتى إن حرباً وقعت بينهم مائة وعشرين سنة فلما دخول في الإِسلام اصطلحوا وزالت كل آثار العداوة والبغضاء وأصبحوا جسماً واحداً مَنْ فعل هذا سوى الله تعالى ؟ الله لا أحد ، ولذا قال تعالى لرسوله { لو أنفقت ما في الأرض جميعا } أي من مال صامت وناطق { ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم } .