تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لِّلَّذِينَ يُؤۡلُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ تَرَبُّصُ أَرۡبَعَةِ أَشۡهُرٖۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (226)

221

{ للذين يؤولون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم } .

المفردات :

الإيلاء : لغة لحلف ، وشرعا حلف الرجل ألا يقرب امرأته .

التربص : الانتظار والترقب قال الشاعر :

تربص بها ريب المنون لعلها *** تطلق يوما أو يموت حليلها

فاءوا : رجعوا من الفئ بمعنى الرجوع من حال إلى حال ، ومنه قوله تعالى : { حتى تفيء إلى أمر الله }( الحجرات : 9 ) وقول الشاعر :

ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له *** ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا

ويقال لظل بعد الزوال فئ *** لأنه رجع يعد أن تقلص

226

التفسير :

وردت الآية 226 متممة لأحكام القسم ، ومكملة لتنظيم الأسرة على أساس من صلات المودة والرحمة والتعاون المثمر ، وكذلك الآية227 وقد كان الإيلاء في الجاهلية يستمر بدون توقيت .

قال عبد الله بن عباس : كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك ، يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة ، فوقت لهم أربعة أشهر فمن آلى بأقل من ذلك فليس بإيلاء حكمي( 222 ) .

والحياة بين الزوجين تتعرض لبعض الأعاصير والعواصف ، فسمح الإسلام أن يهجر الرجل زوجته بعض الوقت كبحا لجماع الغرور وتهديدا للكبرياء والخيلاء .

وكان الناس في صدر الإسلام يبالغون في هذا الهجر ويزيدون في مدته عن أربعة أشهر ، والمرأة مخلوق محتاج للعطف والحنان محتاج لما يملأ عاطفته النفسية ويلبي رغباته البيولوجية فوقت الإسلام مدة الإيلاء بأربعة أشهر ، فهي كافية للتهذيب والتأديب ، وما زاد عنها يعتبر عدوانا تحكما وتركا للمرأة كالمعلقة لا هي متزوجة فتأوي إلى زوجها ولا هي مطلقة فتلتمس الأزواج .

ومعنى الآيتين : أن الله تعالى جعل للذين يحلفون على ترك مباشرة زوجاتهم مدة يراجعون فيها أنفسهم ، وينتظرون ما يستقر عليهم أمرهم ، وهذه المدة هي أربعة أشهر ، فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك مباشرة الزوجة ، ورأوا أن المصلحة في الرجوع فإن الله تعالى يغفر لهم ما فرط منهم .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{لِّلَّذِينَ يُؤۡلُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ تَرَبُّصُ أَرۡبَعَةِ أَشۡهُرٖۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (226)

{ يولون من نسائهم } يحلفون على ترك وطئهن وإنما تعدى بمن ، لأنه تضمن معنى البعد منهن ، ويدخل في عموم قوله :{ الذين } : كل حالف حرا كان أو عبدا ، إلا أن مالك جعل مدة إيلاء العبد شهرين ، خلافا للشافعي ، ويدخل في إطلاق الإيلاء اليمين بكل ما يلزم عنه حكم ، خلافا للشافعي في قصر الإيلاء على الحلف بالله ، ووجهه أنها اليمين الشرعية ، ولا يكون موليا عند مالك والشافعي ، إلا إذا حلف على مدة أكثر من أربعة أشهر ، وعند أبي حنيفة أربعة أشهر فصاعدا ، فإذا انقضت الأربعة الأشهر : وقف المولى عند مالك والشافعي ، فإما فاء وإلا طلق ، فإن أبى الطلاق : طلق عليه الحاكم ، وقال أبو حنيفة : إذا انقضت الأربعة الأشهر ، وقع الطلاق دون توقيف ، ولفظ الآية يحتمل القولين .

{ فإن فاءوا } رجعوا إلى الوطىء وكفروا عن اليمين .

{ غفور رحيم } أي : يغفر ما في الأيمان من إضرار المرأة .