الرس : البئر غير المبنية ، والجمع رساس ، قال أبو عبيدة : والمراد بهم كما قال قتادة : أهل قرية من اليمامة ، يقال لها : الرس والقلج ، قتلوا نبيهم فهلكوا ، وهم بقية ثمود قوم صالح .
38- { وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا } .
ودمرنا وأهلكنا قوم عاد ، بسبب تكذيبهم لنبيهم هود ، كما أهلكنا قوم ثمود بسبب تكذيبهم لنبيهم صالح .
قال تعالى : { الحاقة*ما الحاقة* وما أدراك ما الحاقة*كذبت ثمود وعاد بالقارعة* فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية*وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية*سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية*فهل ترى لهم من باقية } [ الحاقة : 1-8 ] .
كانت عاد تسكن في جنوب الجزيرة في مكان يسمى الأحقاف ، أي : الكثيب من الرمال .
قال تعالى : { واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف . . } [ الأحقاف : 21 ]
وهذا المكان الآن بين اليمن وسلطنة عمان ، في منطقة صلالة ، وتوجد في صلالة سينما تسمى سينما الأحقاف ، وقد اكتشفت قرب صلالة ، آثار مطمورة ، طمرتها الرياح ، عبارة عن مدن بائدة يرجح أنها من آثار عاد قوم هود .
قال تعالى : { ألا بعدا لعاد قوم هود } [ هود : 60 ] .
وكانت ثمود تسكن في شمال الجزيرة العربية ، بين الحجاز والشام . وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم على قراهم ، وهو في طريقه إلى غزوة تبوك ، ولما مرّ صلى الله عليه وسلم على قرى ثمود قوم صالح ، حنى ظهره ، واستحث راحلته ، وقال لأصحابه : ( لا تمرّوا على قرى القوم الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم مشفقون أن يصيبكم ما أصابهم )9 .
قال تعالى : { وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب } [ هود : 61 ]
الرس : البئر التي لم تبن بالحجارة ، وقيل : البئر مطلقا ، وقد اختار ابن جرير الطبري : أن أصحاب الرس هم أصحاب الأخدود ، الذين ذكرهم الله في سورة البروج .
وقال بعض المفسرين : إنهم من بقايا قبيلة ثمود ، بعث الله إليهم نبيا فكذبوه ، ورسّوه في تلك البئر ، أي : ألقوا به فيها ، فأهلكهم الله تعالى .
وفي ذيل المنتخب في تفسير القرآن ، طبعة 13 لوزارة الأوقاف المصرية ما يأتي :
وأصحاب الرسّ ، قوم كانوا يعبدون الأصنام ، فبعث الله شعيبا إليهم ، وقد ذكرهم شعيب بأنعم الله عليهم وما هم فيه من أشجار وآبار ، وخيرات كثيرة ، ولكنهم كفروا بنعمة الله ، وكذبوا رسولهم ، وعبدوا الأوثان ، وبينما هم حول الرس [ أي : البئر ] إذ انهارت بهم ، وخسف الله تعالى بهم الأرض .
قال تعالى : { كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود*وعاد وفرعون وإخوان لوط*وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد } [ ق : 12-14 ] .
{ وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا } .
أي : لقد أهلكنا عادا وثمود ، وأصحاب الرس لما كذبوا رسلهم ، وأهلكنا أمما كثيرة كانوا بين أمة نوح وبين عاد ، فأصابهم جزاء الظالمين ، والقرون جمع قرن ، والمراد به : الجيل من الناس ، الذين اقترنوا في زمان واحد من الأزمنة .
وفي الحديث الشريف : ( خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم . . . )10 رواه البخاري .
ومن شأن الله أن يهلك الظالمين ، والأمم الظالمة ، وأن ينشئ بعدها أمما أخرى ، قال تعالى : { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } [ الأنعام : 6 ] .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{و} أهلكنا {وعادا وثمودا وأصحاب الرس} يعني: البئر التي قتل فيها صاحب ياسين... {وقرونا} يعني: وأهلكنا أمما {بين ذلك} ما بين عاد إلى أصحاب الرس {كثيرا}.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: ودمرنا أيضا عادا وثمود وأصحاب الرسّ.
واختلف أهل التأويل في أصحاب الرسّ؛ فقال بعضهم: أصحاب الرسّ من ثمود...
وقال آخرون: بل هي قرية من اليمامة يقال لها الفلْج...
وقال آخرون: هم قوم رسّوا نبيهم في بئر...
وقال آخرون: هي بئر كانت تسمى الرسّ... والصواب من القول في ذلك، قول من قال: هم قوم كانوا على بئر، وذلك أن الرّسّ في كلام العرب كلّ محفور مثل البئر والقبر ونحو ذلك... ولا أعلم قوما كانت لهم قصة بسبب حفرة، ذكرهم الله في كتابه إلا أصحاب الأخدود، فإن يكونوا هم المعنيين بقوله وأصحَابَ الرّسّ، فإنا سنذكر خبرهم إن شاء الله إذا انتهينا إلى سورة البروج، وإن يكونوا غيرهم فلا نعرف لهم خبرا، إلا ما جاء من جملة الخبر عنهم أنهم قوم رَسّوا نبيهم في حفرة...
"وَقُرُونا بينَ ذلكَ كَثِيرا" يقول: ودمرنا بين أضعاف هذه الأمم التي سمّيناها لكم أمما كثيرة.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما ذكر آخر الأمم المهلكة بعامة وأولها، وكان إهلاكهما بالماء، ذكر من بينهما ممن أهلك بغير ذلك، إظهاراً للقدرة والاختيار، وطوى خبرهم بغير العذاب لأنه كما مضى في سياق الإنذار فقال: {وعاداً} أي ودمرنا عاداً بالريح {وثموداْ} بالصيحة {وأصحاب الرس} أي البئر التي هي غير مطوية؛ قال ابن جرير: والرس في كلام العرب كل محفور مثل البئر والقبر ونحو ذلك. أي دمرناهم بالخسف
{وقروناً بين ذلك} أي الأمر العظيم المذكور، وهو بين كل أمتين من هذه الأمم {كثيراً} وناهيك بما يقول فيه العلي الكبير: إنه كثير...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وهؤلاء عاد وثمود وأصحاب الرس والقرون الكثيرة بين ذلك كلهم لاقوا ذات المصير بعد أن ضربت لهم الأمثال، فلم يتدبروا القول، ولم يتقوا البوار والدمار.
ثم يضرب الحق –تبارك وتعالى- لرسوله مثلا آخر:
{وعادا و ثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا}:
إنها نماذج من المتاعب التي لاقاها الرسل من أممهم، كما قال في موضع آخر: {وإلى عاد أخاهم هودا...} (الأعراف 65). {وإلى ثمود أخاهم صالحا...} (الأعراف 73).
وكانت النهاية أن نصر الله أولياءه ورسله، و دحر خصومهم والمكذبين بهم، كل ذلك ليقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: يا محمد لست بدعا من الرسل، فإن وقف منك قومك موقف العناد والتكذيب، فكن على يقين وعلى ثقة من نصر الله لك كما قال:
{ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين171 إنهم لهم المنصورون172 وإن جندنا لهم الغالبون 173} (الصافات).
إنها قضية يطلقها الحق – تبارك وتعالى – لا للتأريخ فقط، ولكن لتربية النفس البشرية، فإن أردت الغلبة فكن في جند الله وتحت حزبه، ولن تهزم أبدا، إلا إذا اختلت فيك هذه الجندية، ولا تنس أن أول شيء في هذه الجندية الطاعة والانضباط، فإذا هزمت في معركة فعليك أن تنظر عن أي منهما تخليت.
قوله : ( وعادا وثمودا وأصحاب الرس ) ( عادا ) معطوف على قوم نوح . وقيل : معطوف على الضمير ، هم ، مفعول ( وجعلناهم ) . وأصحاب الرس ، قوم ثمود ؛ لأن الرس ، البئر التي لم تطو . وقيل : إنهم أناس عبدة أصنام قتلوا نبيهم ورسوه في بئر . أي دسوه فيه{[3322]} وقيل غير ذلك في حقيقة أهل الرس .
وخلاصة القول فيهم أنهم ظالمون كذبوا نبيهم ثم قتلوه فأهلكهم الله ودمّر عليهم شرّ تدمير .
قوله : ( وقرونا بين ذلك كثيرا ) ( ذلك ) ، إشارة إلى الذين تقدم ذكرهم من الأمم ؛ أي ثمة أمم كثيرة بين هؤلاء المذكورين قد كذبوا وعتوا فأهلكهم الله بكفرهم وعصيانهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.