الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَأَصۡحَٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونَۢا بَيۡنَ ذَٰلِكَ كَثِيرٗا} (38)

قوله تعالى : " وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا " كله معطوف على " قوم نوح " إذا كان " قوم نوح " منصوبا على العطف ، أو بمعنى اذكر . ويجوز أن يكون كله منصوبا على أنه معطوف على المضمر في " دمرناهم " أو على المضمر في " جعلناهم " وهو اختيار النحاس ؛ لأنه أقرب إليه . ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار فعل ، أي اذكر عادا الذين كذبوا هودا فأهلكهم الله بالريح العقيم ، وثمودا كذبوا صالحا فأهلكوا بالرجفة . و " أصحاب الرس " والرس في كلام العرب البئر التي تكون غير مطوية ، والجمع رساس . قال{[12127]} : تنابلة يحفرون الرساسا

يعني آبار المعادن . قال ابن عباس : سألت كعبا عن أصحاب الرس قال : صاحب " يس " الذي قال : " يا قوم اتبعوا المرسلين " [ يس : 20 ] قتله قومه ورسوه في بئر لهم يقال لها الرس طرحوه فيها ، وكذا قال مقاتل . السدي : هم أصحاب قصة " يس " أهل أنطاكية ، والرس : بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار مؤمن آل " يس " فنسبوا إليها . وقال علي رضي الله عنه : هم قوم كانوا يعبدون شجرة صنوبر فدعا عليهم نبيهم ، وكان من ولد يهوذا ، فيبست الشجرة فقتلوه ورسوه في بئر ، فأظلتهم سحابة سوداء فأحرقتهم . وقال ابن عباس : هم قوم بأذربيجان قتلوا أنبياء فجفت أشجارهم وزروعهم فماتوا جوعا وعطشا . وقال وهب بن منبه : كانوا أهل بئر يقعدون عليها وأصحاب مواشي ، وكانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل الله إليهم شعيبا فكذبوه وآذوه ، وتمادوا على كفرهم وطغيانهم ، فبينما هم حول البئر في منازلهم انهارت بهم وبديارهم ؛ فخسف الله بهم فهلكوا جميعا . وقال قتادة : أصحاب الرس وأصحاب الأيكة أمتان أرسل الله إليهما شعيبا فكذبوه فعذبهما الله بعذابين . قال قتادة : والرس قرية بفلج اليمامة . وقال عكرمة : هم قوم رسوا نبيهم في بئر حيا . دليله ما روى محمد ابن كعب القرظي عمن حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة عبد أسود وذلك أن الله تعالى بعث نبيا إلى قومه فلم يؤمن به إلا ذلك الأسود فحفر أهل القرية بئرا ، وألقوا فيها نبيهم حيا وأطبقوا عليه حجرا ضخما وكان العبد الأسود يحتطب على ظهره ويبيعه ويأتيه بطعامه وشرابه فيعينه الله على رفع تلك الصخرة حتى يدليه إليه ، فبينما هو يحتطب إذ نام فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم هب من نومه فتمطى واتكأ على شقه الآخر فضرب الله على أذنه سبع سنين ، ثم هب فاحتمل حزمة الحطب فباعها وأتى بطعامه وشرابه إلى البئر فلم يجده وكان قومه قد أراهم الله تعالى آية فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه ومات ذلك النبي ) . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن ذلك العبد الأسود لأول من يدخل الجنة ) وذكر هذا الخبر المهدوي والثعلبي ، واللفظ للثعلبي ، وقال : هؤلاء آمنوا بنبيهم فلا يجوز أن يكونوا أصحاب الرس ؛ لأن الله تعالى أخبر عن أصحاب الرس أنه دمرهم ، إلا أن يدمروا بأحداث أحدثوها بعد نبيهم . وقال الكلبي : أصحاب الرس قوم أرسل الله إليهم نبيا فأكلوه . وهم أول من عمل نساؤهم السحق . ذكره الماوردي . وقيل : هم أصحاب الأخدود الذين حفروا الأخاديد وحرقوا فيها المؤمنين ، وسيأتي . وقيل : هم بقايا من قوم ثمود ، وأن الرس البئر المذكورة في " الحج " في قوله : " وبئر معطلة " [ الحج : 45 ] على ما تقدم{[12128]} . وفي الصحاح : والرس اسم بئر كانت لبقية من ثمود . وقال جعفر بن محمد عن أبيه : أصحاب الرس قوم كانوا يستحسنون لنسائهم السحق ، وكان نساؤهم كلهم سحاقات . وروي من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن من أشراط الساعة أن يكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء وذلك السحق ) . وقيل : الرس ماء ونخل لبني أسد . وقيل : الثلج المتراكم في الجبال . ذكره القشيري . وما ذكرناه أولا هو المعروف ، وهو كل حفر احتفر كالقبر والمعدن والبئر . قال أبو عبيدة : الرس كل ركية لم تطو ، وجمعها رِساس . قال الشاعر :

وهم سائرون إلى أرضهم *** فيا ليتهم يحفرون الرِّساسا

والرس اسم واد في قول زهير :

بكرن بكورا واسْتَحَرْنَ بسُحْرَةٍ *** فهن لوادي الرَّسِّ كاليدِ للفَمِ

ورسست رسا : حفرت بئرا . ورس الميت أي قبر . والرس : الإصلاح بين الناس ، والإفساد أيضا وقد رسست بينهم ، فهو من الأضداد . وقد قيل في أصحاب الرس غير ما ذكرنا ، ذكره الثعلبي وغيره . " وقرونا بين ذلك كثيرا " أي أمما لا يعلمهم إلا الله بين قوم نوح وعاد . وثمود وأصحاب الرس . وعن الربيع بن خيثم اشتكى فقيل له : ألا تتداوى فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر به ؟ قال : لقد هممت بذلك ثم فكرت فيما بيني وبين نفسي ، فإذا عاد وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا كانوا أكثر وأشد حرصا على جمع المال ، فكان فيهم أطباء ، فلا الناعت منهم بقي ولا المنعوت ، فأبى أن يتداوى فما مكث إلا خمسة أيام حتى مات ، رحمه الله .


[12127]:هو النابعة الجعدي.
[12128]:راجع ج 12 ص 75 طبعة أولى أو ثانية.