الأمة : الجماعة ، والإشارة إلى الأنبياء الثلاثة .
ولكم ما كسبتم : أي أنتم مجازون بأعمالكم .
134- تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون .
تلك : إشارة إلى إبراهيم وبنيه .
أي أن إبراهيم وذريته أمة قد انقرضت ومضت ، لها جزاء ما كسبت من خير أو شر ، فإن من سنة الله في عباده أن يتحمل كل إنسان مسؤولية عمله وألا يجزي أحد إلا بكسبه وعمله هو ، ور يسأل عما عمل سواه .
قال تعالى : أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى . ( النجم : 36-39 ) .
وجاء في الحديث : «يا بني هاشم لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم »( 314 ) .
وقال الغزالي : إذا كان الجائع يشبع إذا أكل واله دونه ، والظمآن يروي إذا شرب والده وإن لم يشرب ، فالعاصي ينجو بصلاح والده .
وقد كانت الدعوة إلى الإيمان بالله والعمل الصالح رسالة الأنبياء جميعا ، فهم هداة إلى التوحيد ودعاة إلى مكارم الأخلاق ، ومرشدون إلى إخلاص العمل لله ، وإسلام الوجه له واتباع تعاليم الإسلام .
وفي القرآن الكريم آيات صرحت بأن الإسلام للذين الذي دعا إليه كل الأنبياء ، وانتسب إليه أتباعهم ، فنوح قال لقومه : وأمرت أن أكون من المسلمين . ( يونس : 72 ) وموسى قال لقومه : يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين . ( آل عمران : 52 ) .
والحواريون قالوا لعيسى : آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون . ( يونس : 84 ) .
بل إن فريقا من أهل الكتاب حين سمعوا القرآن أشرقت قلوبهم لدعوته وقالوا : آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين( القصص : 53 ) .
لقد كانت الشرائع السماوية خطوات متصاعدة ، ولبنات متراكمة في بنيان الدين والأخلاق وسياسة المجتمع ، وكانت مهمة اللبنة الأخيرة أن أكملت البنيان وملأت ما بقي من فراغ ، وأنها في الوقت نفسه كانت بمثابة حجر الزاوية الذي يمسك أركان البناء .
يقول الدكتور محمد عبد الله دراز : يجب أن نفهم أن تعديل الشريعة المتأخرة للمتقدمة ليس نقضا لها وإنما وقوفا بها عند وقتها المناسب وأجلها المقدر .
مثل ذلك كمثل ثلاثة من الأطباء جاء أحدهم إلى الطفل في الطور الأول من حياته فقصر غذاءه على اللبن .
وجاء الثاني في مرحلته التالية فقرر له طعاما لينا وطعاما نشويا خفيفا .
وجاء الثالث في المرحلة التي بعدها فأمر له بغذاء كامل .
لا ريب أن ها هنا اعترافا ضمنيا من كل واحد منهم بأن صاحبه كان موفقا كل التوثيق في علاج الحالة التي عرضت عليه ، هكذا الشرائع السماوية كلها صدق وعدل في جملتها وتفصيلها ، وكلها يصدق بعضها بعضا من أنفها إلى يائها ( 315 ) .
قال صلى الله عليه وسلم : «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وجمله إلا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة ، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين( 316 ) . » .
قوله تعالى : { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون } ( تلك ) اسم إشارة في محل رفع على الابتداء ،
( أمة ) خبر مرفوع . والجملة الفعلية بعده نعت . و ( خلت ) بمعنى مضت ، ويراد بالأمة المشار إليها والتي مضت هي آباء بني إسرائيل من النبيين مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم . فقد كان بنو إسرائيل يركنون إلى انتسابهم إلى آبائهم من النبيين والمرسلين ، ويفاخرون الناس بهذا الانتساب ، فبينت لهم هذه الآية أن السابقين من النبيين والصالحين قد مضوا ، وأن ما كسبوه من عمل فهو لهم وليس بعائد عليكم ، وأنه لن ينفعكم إلا ما قدمتموه لأنفسكم من أعمال .
وكذلك فإن أحد من أولئك لن يحمل من أوزاركم شيئا ، وأن ما تقارفونه من الآثام والفسق والمعاصي إنما يحيق بكم وحدكم ، ولن يغني عنكم أسلافكم من ذلك شيئا . وفي ذلك يقول سبحانه : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } أي لا تحمل نفس ما اقترفه نفس أخرى من مخالفات وسيئات .
وكذلك الذي ورد في الحديث المرفوع " من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه " فإن كانت كفة الأعمال للمرء مرجوحة ، فلن يشفع له أن يكون ذا نسب رفيع مشهور ؛ إذ لا قيمة لا عتبارات الحسب أو النسب أو العصبية كيفما كان نوعها أو صورتها ، ولكن الاعتبار كله للعمل الصالح المشروع الذي تسبقه النية الحسنة والإخلاص الكامل لله وحده .
وعلى هذا فإن ما قدمه السلف من خير العمل ليس عائدا إلا عليهم أنفسهم ، وإن كان الذي قدموه شرا فهو عليهم وحدهم ولا يسأل عنه الخلف وفي هذا يقول سبحانه : { ولا تسألون عما كانوا يعملون } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.