تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٖ وَتَغۡشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ} (50)

المفردات :

سرابيلهم : جمع سربال ، وهو : القميص .

قطران : القطران : سائل أسود تطلى به الإبل الجربى .

تغشى وجوههم النار : تعلوها وتحيط بها .

التفسير :

{ سرابيلهم من قطران . . . } .

تكمل هذه الآية رسم صورة للظالمين ، فثيابهم أو قمصهم من قطران ، وهو سائل حار أسود اللون ، منتن الرائحة ، يساعد على سرعة اشتعال النار ، تطلى به الإبل الجربى ، فيحرق القطران الجرب ، كما تطلى به جلود أهل النار ، حتى يكون عليهم كالسرابيل ؛ ليذوقوا أشد العذاب وأقساه ، بنار سريعة الاشتعال ، تجعل أجسامهم سوداء داكنة فيجتمع عليهم أربعة ألوان من العذاب : لذع القطران وحرقته ، وإسراع اشتعال النار في الجلود ، واللون الأسود الموحش ، ونتن الريح .

{ وتغشى وجوههم النار } .

إن وجوههم تعلوها النار ، التي تلهب وجوههم وتحيط بها ، كما تحيط بأجسامهم المسربلة بالقطران وتخصيص الوجوه بالذكر ؛ لكونها أعز الأعضاء الظاهرة وأشرفها .

ونظير الآية قوله تعالى : { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة } ( الزمر : 24 ) ، وقوله سبحانه : { يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مسّ سقر } ( القمر : 48 ) .

القطران والجرب

اجتمع الفرزدق وجرير والأخطل فقالوا : ليأت كل واحد منا ببيت من الشعر لا يستطيع الآخر نقضه .

فقال أولهم :

أنا القطران والشعراء جربى وفي القطران للجربى شفاء

فقال الثاني :

فإن تك زق زاملة فإني *** أنا الطاعون ليس له دواء

فقال الثالث :

أنا الموت الذي يأتي عليكم *** فليس لهارب مني نجاء

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٖ وَتَغۡشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ} (50)

قوله تعالى : " سرابيلهم من قطران " أي قميصهم ، عن ابن دريد وغيره ، واحدها سربال ، والفعل تسربلت وسربلت غيري ، قال كعب بن مالك :

تلقاكُمُ عصبٌ حولَ النَّبِيّ لَهُمْ*** من نسجِ داود في الهَيْجَا سرابيلُ

" من قطران " يعني قطران الإبل الذي تهنأ به{[9587]} ، قاله الحسن . وذلك أبلغ لاشتعال النار فيهم . وفي الصحيح : أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب . وروي عن حماد أنهم قالوا : هو النحاس . وقرأ عيسى بن عمر : " قطران " بفتح القاف وتسكين الطاء . وفيه قراءة ثالثة : كسر القاف وجزم الطاء ؛ ومنه قول أبي النجم :

جَوْنٌ كَأَنَّ العَرَقَ المَنْتُوحَا{[9588]} *** لَبَّسَه القِطْرَانَ والمُسُوحَا

وقراءة رابعة : " من قطران{[9589]} " رويت عن ابن عباس وأبي هريرة وعكرمة وسعيد بن جبير ويعقوب ، والقطر : النحاس والصُّفْر المذاب . ومنه قوله تعالى : " آتوني أفرغ عليه قطرا{[9590]} " [ الكهف : 96 ] . والآن : الذي قد انتهى إلى حره ، ومنه قوله تعالى : " وبين حميم آن{[9591]} " . [ الرحمن : 44 ] . " وتغشى وجوههم النار " أي تضرب " وجوههم النار " فتغشيها .


[9587]:تهنأ به: ترهن.
[9588]:نتح العرق خرج من الجلد.
[9589]:"قطر" : ضبطه في "روح المعاني" بفتح القاف وكسر الطاء وتنوين الراء، ومثله في "البحر المحيط" وضبط بفتح القاف وكسرها مع سكون الطاء، ففيه ثلاث لغات.
[9590]:راجع ج 11 ص 62.
[9591]:راجع ج 17 ص 175.