اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِتَسۡتَبِينَ سَبِيلُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ} (55)

الكاف " نعتٌ لمصدر مَحْذُوفٍ ، أو حال من ضمير ذلك المصدر ، كما هو رأي سيبويه{[14046]} ، والإشارةُ بذلك إلى التفصيل السَّابق ، تقديره : مِثْلُ التَّفْصِيل البيِّن ، وهو ما سبق من أحوال الأمم نُفَصِّلُ آيات القرآن .

وقال ابن عطية{[14047]} : والإشارةُ بقوله : " وكذلك " إلى ما تقدَّم ، من النَّهْيِ عن طَرْدِ المؤمنين ، وبيان فَسَاده بِنَزْعِ المعارضين لذلك .

و{ نفَصِّلُ الآيَات } نُبَيِّنُهَا ونَشْرَحُهَا ، وهذا شبيه بما تقدَّم له في قوله : { وَكَذلِكَ فَتَنَّا } [ الأنعام : 53 ] وتقدَّم أنه غير ظاهر .

قوله : " ولتَسْتَبينَ سَبِيلُ " قرأ الأخوان{[14048]} ، وأبو بكر : " وليَسْتَبِينَ " بالياء من تحت ، و " سَبِيلُ " بالرفع .

ونافع{[14049]} : " وَلِتَسْتَبينَ " بالتَّاء من فَوْق ، " سَبِيلَ " بالنصب ، والباقون : بالتاء من فوق ، و " سبيل " بالرفع . وهذه القراءات دائرة على تذكير " السبيل " وتأنيثه وتعدي " استبان " ولزومه ، وإيضاح هذا أن لغة نجد وتميم تذكير " السبيل " وعليه قوله تعالى : { وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } [ الأعراف :146 ] .

ولغة " الحجاز " التأنيث ، وعليه { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي } [ يوسف :108 ] وقوله : { لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً } [ آل عمران :99 ] .

وقوله : [ البسيط ]

خَلَّ الس‍َّبيلَ لِمَنْ يَبْنِي المَنَارَ بَهَا *** . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . {[14050]}

وأمَّا " اسْتَبَانَ " فيكونُ مُتعدِّياً ، نحو : " اسْتَبَنْتُ الشَّيء " ، ويكون لازَماً نحو : " اسْتَبَانَ الصُّبْحُ " بمعنى " بَانَ " فمن قرأ بالياء من تحت ، ورفع فإنه أسْنَدَ الفعل إلى " السَّبيل " ، فرفعه على أنه مذكر وعلى أن الفعل لازمٌ .

ومن قرأ بالتَّاء من فوق ، فكذلك ولكن لغة التأنيث ، ومن قرأ بالتاء من فوق ، ونصب " السبيل " فإنه [ أسند الفعل إلى المخاطب ، ونصب " السبيل " على ]{[14051]} المفعولية وذلك على تعديته أي : ولتستبين أنت سبيل المجرمين ، فالتاء في " تستبين " مختلفة المعنى ، فإنها في إحدى القراءتين للخطابِ ، وفي الأخرى للتأنيث وهي في كلا الحالين للمُضارعةِ ، و " تستبين " منصوب بإضمار " أن " بعد لام " كي " ، وفيما يتعلق به هذه اللام وجهان :

أحدهما : أنها معطوفة على عِلَّةٍ محذوفة ، وتلك العَلَّةُ معمولة لقوله : " نُفَصّل " والمعنى : وكذلك نُفَصِّلُ الآيات لتستبين لكم ولتستبين .

والثاني : أنها مُتعلِّقةٌ بمحذوف مُقدَّر بعدها ، أي : ولتسبين سبيل المجرمين فَصَّلْنَاهَا ذلك التَّفْصِيل ، وفي الكلام حَذْفُ مَعْطُوفٍ على رأي ، أي : وسبيل المؤمنين كقوله تعالى : { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ } [ النحل :81 ] .

وقيل : لا يحتاج إلى ذلك لأن المقام إنما يَقْتَضِي ذِكْرَ المجرمين فقط ؛ إذ هم الذين أثَارُوا ما تقدم ذكرهُ وقيل : لأن الضَّديْنِ إذا كانا بحيث لا يَحْصُلُ بينما واسطةٌ ، فمتى بَانَتْ خَاصيَّةُ أحد القسمين بانت خاصيَّةُ القسمٍ الآخر ، والحق والباطل لا وَاسِطَةَ بينهما ، فمتى اسْتَبَانَتْ طريقة المجرمين ، فقد استبانت طريقة المُحَقِّقين أيضاً لا محالة .


[14046]:ينظر: الكتاب 1/116.
[14047]:ينظر: المحرر الوجيز 2/297.
[14048]:ينظر: الدر المصون 3/76، البحر المحيط 4/144، الوسيط 2/77، الكشاف 2/29، الحجة لأبي زرعة ص (253)، السبعة ص (258)، النشر 2/258، الزجاج 2/279 ـ 280، التبيان 1/501، الفراء 1/337، الأخفش 2/490.
[14049]:ينظر: الدر المصون 3/76، البحر المحيط 4/145، الوسيط 2/77، الكشاف 2/29، الحجة لأبي زرعة ص (253)، السبعة ص (258)، النشر 2/258، الزجاج 2/279 ـ 280، التبيان 1/501، الفراء 1/337.
[14050]:صدر بيت لجرير وعجزه: وأبرز ببرزة حيث اضطرك القدر *** ......................... ديوانه 1/211، شرح التصريح 2/195، الصاحبي في فقه اللغة ص (186)، الكتاب 1/254، لسان العرب (برز)، المقاصد النحوية 4/307، أوضح المسالك 4/78، الرد على النحاة ص (75)، شرح الأشموني 2/781، شرح المفصل 2/30، الدر المصون 3/76.
[14051]:سقط في أ.