ثم استوى على العرش : العرش : الجسم المحيط بسائر الأجسام ولا يحيط بكنهه إنسان .
والاستواء على العرش صفة لله بلا كيف ، أي : أن له تعالى استواء على العرش على الوجه الذي عناه ، منزها عن الاستقرار والتمكن ، وهو استواء بالمعنى اللائق به سبحانه .
يغشى الليل النهار : يغطى النهار بالليل ، فيذهب ضوءه .
يطلبه حثيثا : يطلب الليل النهار طلبا سريعا .
له الخلق : إيجاد جميع الأشياء من العدم .
الأمر : التدبير والتصرف فيها كما يشاء .
تبارك الله : تنزه أو تعظم أو كثر خيره .
إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش . . . الآية .
خلق السموات والأرض في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا ، والله قادر على أن يقول للشيء كن فيكون ، لكنه أراد أن يشعر الناس بأن للكون نظاما وللخلق إحكاما وترتيبا ، فالجنين يمكث في بطن أمه تسعة أشهر ، حتى يتم تخليقه وتكوينه ، نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ، ثم يكسى العظام لحما ، ثم يتم تكوينه خلقا آخر ؛ فتبارك الله أحسن الخالقين .
وفي القرآن الكريم : لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون . ( غافر : 57 ) .
أي : استولى على نظام الملك وسير أموره ، وهي كناية عن قدرته سبحانه على تسيير خلق هذا الكون وإبداع صنعته ، وإحكام نظامه ، وتدبير أموره .
المفسرون القدامى لاحظوا أن هناك آيات تشير إلى أن خلق السماء كان قبل خلق الأرض ، وهناك آيات تشير إلى أن خلق الأرض كان قبل خلق السماء .
وقد جمع العلماء بينهما أن الله خلق الأرض أولا ، ثم خلق السماء ثانيا ، ثم أتم إعمار الأرض وجعلها مدحوة ، منبعجة عند خط الاستواء ومفرطحة عند القطبين .
قال تعالى : أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها ماءها ومرعاها * والجبال أرساها * متاعا لكم ولأنعامكم . ( النازعات : 27- 33 ) .
وهذه الآيات تفيد أن الأرض خلقت بعد السماء بيد أن علماء اللغة يقولون : إن كلمة بعد ذلك تحتمل معنى : فوق ذلك أو علاوة على ذلك ، أو قبل ذلك .
تقول لابنك : ربيتك وعلمتك وزوجتك ، وأنا بعد ذلك أبوك الذي رعاك صغيرا وناشئا . بمعنى : أنا فوق ذلك أو قبل ذلك .
وقال تعالى : قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين * ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم .
وفي كتب التفسير : ما يفيد أن الله تعالى خلق الأرض في مقدار يومين ، وخلق الجبال والبحار والأنهار ووسائل الإعمار في يومين ، فصار المجموع أربعة أيام .
تقول : سرت من البصرة إلى الكوفة في يومين ، ومن الكوفة إلى بغداد في أربعة أيام ، وتكون أنت قد سرت من الكوفة إلى بغداد في يومين ، ونقصد أن مجموع أيام السفر إلى بغداد أربعة أيام .
وتفيد الآيات في سورة فصلت أن الله بعد أن خلق الأرض ، خلق الجبال والبحار والأنهار ، ثم خلق السماء في يومين ، لكن الآيات تشعر أن السماء والأرض قالتا : أتينا طائعين ، مما يفيد أن هناك مراحل متعددة مر بها نشوء الكون حتى انتهى إلى الخلق البديع الكمال .
والعلماء المحدثون يذكرون النقاط الخمس الآية :
خلق الكون ابتداء من كومة أولية فريدة كانت تشكل كتلة متماسكة ، انفصلت أجزاؤها بعد ذلك .
تعدد السماوات وتعدد الكواكب التي تشبه الأرض .
وجود خلق وسيط بين السموات والأرض .
إن المطابقة واضحة بين مفهوم السديم الأولى في العلم الحديث والدخان على حسب القرآن ؛ للدلالة على الحالة الغازية للمادة التي كونت الكون في هذه المرحلة الأولى .
فالعلماء المحدثون يرون أن الكون كله كان كرة ملتهبة ، وبمرور الزمن انفصلت منها الأرض ، والسماء والفضاء والهواء .
وكانت الأرض صماء لا تنبت والسماء كانت رتقاء ليس بها أسباب المطر ، والرتق ضد الفتق .
قال تعالى : أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون . ( الأنبياء : 30 ) .
وقد جاء في تفسير المنار 12 ص 16 :
والمعنى : ألم يعلموا أن السماوات والأرض كانتا مادة واحدة متصلة لا فتق ولا انفصال ، وهو ما يسمى في عرف علماء الفلك : بالسديم وبلغة القرآن بالدخان .
ففتقناهما . بفصل بعضها عن بعض ، فكان منها ما هو سماء ومنها ما هو أرض ) .
وجاء في تفسير : فتح القدير للشوكاني :
إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام .
قيل : هذه الأيام من أيام الدنيا ، وقيل : من أيام الآخرة ، وقيل : هذه الأيام أولها الأحد وآخرها الجمعة ، وهو سبحانه قادر على خلقها في لحظة واحدة ، يقول لها : كوني ؛ فتكون ، ولكن لكل شيء عنده أجل .
( ليس ببعيد أن يكون لهذا الوجود فلك يدور فيه ، وأن يكون لهذا الفلك مركز ، وأن يكون العرش هو مركز هذا الوجود ، وهي جميعها من خلق الله وفي يد القدرة ( 55 ) .
وقد ذكر العرش في إحدى وعشرين آية في القرآن الكريم وذكر الاستواء في سبع آيات . مثل قوله تعالى : الرحمن على العرش استوى . ( طه : 5 ) .
وقوله تعالى : الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون . ( الرعد : 2 ) .
أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة إلى أنه صفة لله تعالى ، بلا كيف ولا انحصار ، ولا تشبيه ولا تمثيل ؛ لاستحالة اتصافه سبحانه المحدثين ، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به . ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . ( الشورى : 11 ) .
وأنه يجب الإيمان بهذه الآيات كما وردت ، وتفويض العلم بحقيقتها إليه تعالى .
قال محمد بن الحسن : اتفق الفقهاء جميعا على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه .
وقال الإمام الرازي : إن هذا المذهب هو الذي نقول به ونختاره ونعتمد عليه .
وذهب بعض علماء الخلف إلى وجوب صرفه عن ظاهره – أي : الاستواء على العرش ، ( أو الجلوس على كرسي الملك ) لاستحالته ، فالله خالق العرش ومدبره والعرش محتاج إليه .
قال الإمام القفال : المراد أنه استقام ملكه ، وأطرد أمره ، ونفذ حكمه تعالى في مخلوقاته ، والله تعالى دل على ذاته وصفاته وكيفية تدبيره للعالم على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم ، واستقر في قلوبهم ، وتنبيها على عظمته وكمال قدرته ، وذلك مشروط بنفي التشبيه ويشهد بذلك ثم استوى على العرش يدبر الأمر .
ويكون المعنى : استولى على نظام الكون ودبر شئون الملك .
الاستواء : هو العلو والاستقرار ، والله أعلم بكيفية ذلك ، بل على الوجه الذي يليق بجلاله تعالى .
والعرش : هو سرير الملك ، عن أم سلمة : الكيف غير معقول ، الاستواء غير مجهول ، والإقرار به إيمان ، والجحود كفر .
وعن مالك أن رجلا سأله : كيف استوى على العرش ؟ فقال : الكيف غير معقول ، والاستواء منه غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة اه .
وأريد أن أشرح هذه الجملة ، بأن الكيف غير معقول ، أي : أن يجلس الله على كرسي الملك كما يجلس البشر .
والاستواء غير مجهول ، أي : الاستيلاء والقهر .
والإيمان بأن الله استوى على العرش واجب ، والسؤال عنه بدعة ؛ لأن السلف آمنوا بدون سؤال على أنها دليل على سعة الملك وكمال القدرة وأن الله مالك الملك ومدبر شئونه .
يغشي الليل النهار ( 56 ) يطلبه حثيثا .
أي : يجعل الليل كالغشاء للنهار فيغطى بظلمته ضياءه .
يطلبه حثيثا . أي : حال كون الليل طالبا للنهار طلبا سريعا لا يفتر عنه بحال .
وقد قال تعالى في آية أخرى : يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل . ( الزمر : 5 ) .
أي : كل من الليل والنهار يطلب الآخر طلبا سريعا .
( وهكذا النهار والليل في دورة الفلك ، حيث تدور الأرض حول نفسها ، تحت سلطان الشمس مرة كل يوم من الغرب إلى الشرق . . وفي تلك الدورة اليومية يتناسخ كل من الليل والنهار ، أي : ينسخ كل منها الآخر ، وذلك بتحريك الأرض شيئا فشيئا ، بحيث يكون دائما نصفها المقابل للشمس نهارا ، والنصف الآخر ليلا ، ففي كل لحظة ، ضوء ينسخ ظلاما ، ويلبسه ويغشيه . . فالظلام الذي يخيم على الأرض شيء أصيل ، والضوء الذي يلبسها كائن جديد داخل عليها ، الظلام منسوخ ، والضوء ناسخ له ( 57 ) ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : وجعلنا الليل والنهار ءايتين فمحونا ءاية الليل وجعلنا ءاية النهار مبصرة . ( الإسراء : 12 ) .
والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره .
قرأ الجمهور بنصب الشمس والقمر والنجوم على أنها معطوف على خلق السماوات والأرض . في أول الآية .
أي : وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ، أي : وهي كائنات مسخرات بأمره لا سلطان لأحد من الناس عليها ولا سلطان لها على نفسها ولا فضل لها من ذاتها ومن هنا لا تصح عبادتها ، ولا ينبغي أن يتعلق مخلوق بمخلوق مثله وينشد الرزق منه .
ومسخرات . منصوبة على أنها حال من الشمس والقمر والنجوم . وقرأ أبو عامر بالرفع في جميعها على الابتداء والخبر مسخرات .
ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين .
الخلق : إيجاد الشيء من العدم .
والأمر : التدبير والتصرف والتسخير على حسب الإرادة ، فالمخلوقات كلها جميعا صنعة الخالق ، وحركاتها وسكناتها كلها بتقدير الله وبأمره .
تبارك الله رب العالمين . كثر خيره وإحسانه وتعاظمت وتزايدت بركات الله رب العالمين .
قوله تعالى : " إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام " بين أنه المنفرد بقدرة الإيجاد ، فهو الذي يجب أن يعبد . وأصل " ستة " سدسة ، فأرادوا إدغام الدال في السين فالتقيا عند مخرج التاء فغلبت عليهما . وإن شئت قلت : أبدل من إحدى السينين تاء وأدغم في الدال ؛ لأنك تقول في تصغيرها : سديسة ، وفي الجمع أسداس ، والجمع والتصغير يردان الأسماء إلى أصولها . ويقولون : جاء فلان سادسا وسادتا وساتا ، فمن قال : سادتا أيدل من السين تاء .
واليوم : من طلوع الشمس إلى غروبها . فإن لم يكن شمس فلا يوم . قاله القشيري . وقال : ومعنى ( في ستة أيام ) أي من أيام الآخرة ، كل يوم ألف سنة ؛ لتفخيم خلق السماوات والأرض . وقيل : من أيام الدنيا . قال مجاهد وغيره : أولها الأحد وآخرها الجمعة . وذكر هذه المدة ولو أراد خلقها في لحظة لفعل ؛ إذ هو القادر على أن يقول لها كوني فتكون . ولكنه أراد أن يعلم العباد الرفق والتثبت في الأمور ، ولتظهر قدرته للملائكة شيئا بعد شيء . وهذا عند من يقول : خلق الملائكة قبل خلق السماوات والأرض . وحكمة أخرى - خلقها في ستة أيام لأن لكل شيء عنده أجلا . وبين بهذا ترك معاجلة العصاة بالعقاب ؛ لأن لكل شيء عنده أجلا . وهذا كقول : " ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب . فاصبر على ما يقولون{[7148]} " [ ق : 38 ، 39 ] . بعد أن قال : " وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا " [ ق : 36 ] .
قوله تعالى : " ثم استوى على العرش " هذه مسألة الاستواء ، وللعلماء فيها كلام وإجراء . وقد بينا أقوال العلماء فيها في الكتاب( الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى ) وذكرنا فيه هناك أربعة عشر قولا . والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة ، فليس بجهة فوق عندهم ؛ لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز ، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز ، والتغير والحدوث . هذا قول المتكلمين . وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك ، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله . ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة . وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته ، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته . قال مالك رحمه الله : الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول ، والسؤال عن هذا بدعة . وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها . وهذا القدر كاف ، ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء . والاستواء في كلام العرب هو العلو والاستقرار . قال الجوهري : واستوى من اعوجاج ، واستوى على ظهر دابته ؛ أي استقر . واستوى إلى السماء أي قصد . واستوى أي استولى وظهر . قال :
قد استوى بِشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراق
واستوى الرجل أي انتهى شبابه . واستوى الشيء إذا اعتدل . وحكى أبو عمر بن عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى : " الرحمن على العرش استوى{[7149]} " [ طه : 5 ] قال : علا . وقال الشاعر :
فأوردتهم ماءَ بفيفاءَ قَفْرَةٍ *** وقد حَلَّقَ النجمُ اليمانيُّ فاستَوَى
قلت : فعلو الله تعالى وارتفاعه عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته . أي ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد ، ولا معه من يكون العلو مشتركا بينه وبينه ؛ لكنه العلي بالإطلاق سبحانه .
قوله تعالى : " على العرش " لفظ مشترك يطلق على أكثر من واحد . قال الجوهري وغيره : العرش سرير الملك . وفي التنزيل " نكروا لها عرشها{[7150]} " [ النمل : 41 ] ، " ورفع أبويه على العرش{[7151]} " [ يوسف : 100 ] . والعرش : سقف البيت . وعرش القدم : ما نتأ في ظهرها وفيه الأصابع . وعرش السماك : أربعة كواكب صغار أسفل من العواء{[7152]} ، يقال : إنها عجز الأسد . وعرش البئر : طيها بالخشب ، بعد أن يطوى أسفلها بالحجارة قدر قامة ، فذلك الخشب هو العرش ، والجمع عروش . والعرش اسم لمكة . والعرش الملك والسلطان . يقال : ثل عرش فلان إذا ذهب ملكه وسلطانه وعزه . قال زهير :
تداركتُمَا عبساً وقد ثُلَّ عرشُهَا *** وذُبْيَانُ إذ ذَلَّتْ بأقدامها النَّعْلُ
وقد يؤول العرش في الآية بمعنى الملك ، أي ما استوى الملك إلا له جل وعز . وهو قول حسن وفيه نظر ، وقد بيناه في جملة الأقوال في كتابنا . والحمد لله .
قوله تعالى : " يغشي الليل النهار " أي يجعله كالغشاء ، أي يذهب نور النهار ليتم قوام الحياة في الدنيا بمجيء الليل . فالليل للسكون ، والنهار للمعاش . وقرئ " يغشى " بالتشديد ، ومثله في " الرعد{[7153]} " . وهي قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي . وخفف الباقون . وهما لغتان أغشى وغشى . وقد أجمعوا على " فغشاها{[7154]} ما غشى " [ النجم : 54 ] مشددا . وأجمعوا على " فأغشيناهم{[7155]} " [ يس : 9 ] فالقراءتان متساويتان . وفي التشديد معنى التكرير والتكثير . والتغشية والإغشاء : إلباس الشيءِ الشيءَ . ولم يذكر في هذه الآية دخول النهار على الليل ، فاكتفى بأحدهما عن الآخر ، مثل " سرابيل تقيكم{[7156]} الحر " [ النحل : 81 ] . " بيدك الخير{[7157]} " [ آل عمران : 26 ] . وقرأ حميد بن قيس " يغشي الليل النهار " ومعناه أن النهار يغشي الليل .
قوله تعالى : " يطلبه حثيثا " أي يطلبه دائما من غير فتور . و " يغشي الليل النهار " في موضع نصب على الحال . والتقدير : استوى على العرش مغشيا الليل النهار . وكذا " يطلبه حثيثا " حال من الليل ، أي يغشي الليل النهار طالبا له . ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة ليست بحال . " حثيثا " بدل من طالب المقدر أو نعت له ، أو نعت لمصدر محذوف ، أي يطلبه طلبا سريعا . والحث : الإعجال والسرعة . وولى حثيثا أي مسرعا . " والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره " قال الأخفش : هي معطوفة على السماوات ، أي وخلق الشمس . وروي عن عبد الله بن عامر بالرفع فيها كلها على الابتداء والخبر .
قوله تعالى : " ألا له الخلق والأمر " فيه مسألتان :
الأولى - صدق الله في خبره ، فله الخلق وله الأمر ، خلقهم وأمرهم بما أحب . وهذا الأمر يقتضي النهي . قال ابن عيينة : فرق بين الخلق والأمر ، فمن جمع بينهما فقد كفر . فالخلق المخلوق ، والأمر كلامه الذي هو غير مخلوق وهو قوله : " كن " . " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون{[7158]} " [ يس : 82 ] . وفي تفرقته بين الخلق والأمر دليل بين على فساد قول من قال بخلق القرآن ؛ إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقا لكان قد قال : ألا له الخلق والخلق . وذلك عي من الكلام ومستهجن ومستغث . والله يتعالى عن التكلم بما لا فائدة فيه . ويدل عليه قوله سبحانه . " ومن آياته أن تقوم السماء والأرض{[7159]} بأمره " [ الروم : 25 ] . " والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره{[7160]} " [ الأعراف : 54 ] . فأخبر سبحانه أن المخلوقات قائمة بأمره ، فلو كان الأمر مخلوقا لافتقر إلى أمر آخر يقوم به ، وذلك الأمر إلى أمر آخر إلى ما لا نهاية له . وذلك محال . فثبت أن أمره الذي هو كلامه قديم أزلي غير مخلوق ؛ ليصح قيام المخلوقات به . ويدل عليه أيضا قوله تعالى : " وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق{[7161]} " [ الحجر : 85 ] . وأخبر تعالى أنه خلقهما بالحق ، يعني القول وهو قوله للمكونات : " كن " . فلو كان الحق مخلوقا لما صح أن يخلق به المخلوقات ؛ لأن الخلق لا يخلق بالمخلوق . يدل عليه " ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين{[7162]} " [ الصافات : 171 ] . " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون{[7163]} " [ الأنبياء : 101 ] . " ولكن حق القول مني{[7164]} " [ السجدة : 13 ] . وهذا كله إشارة إلى السبق في القول في القدم{[7165]} ، وذلك يوجب الأزل في الوجود . وهذه النكتة كافية في الرد عليهم . ولهم آيات احتجوا بها على مذهبهم ، مثل قوله تعالى : " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث{[7166]} " [ الأنبياء : 2 ] الآية . ومثل قوله تعالى : " وكان أمر الله قدرا مقدورا{[7167]} " [ الأحزاب : 38 ] . و " مفعولا{[7168]} " [ المزمل : 18 ] وما كان مثله . قال القاضي أبو بكر : معنى " ما يأتيهم من ذكر{[7169]} " أي من وعظ من النبي صلى الله عليه وسلم ووعد وتخويف " إلا استمعوه وهم يلعبون " ؛ لأن وعظ الرسل صلوات الله عليهم وسلامه وتحذيرهم ذكر . قال الله تعالى : " فذكر إنما أنت مذكر{[7170]} " [ الغاشية : 21 ] . ويقال : فلان في مجلس الذكر . ومعنى " وكان أمر الله قدرا مقدورا " و " مفعولا " أراد سبحانه عقابه وانتقامه من الكافرين ونصره للمؤمنين وما حكم به وقدره من أفعاله . ومن ذلك قوله تعالى : " حتى إذا جاء أمرنا{[7171]} " [ هود : 40 ] وقال عز وجل : " وما أمر فرعون برشيد " [ هود : 97 ] يعني به شأنه وأفعال وطرائقه . قال الشاعر :
لها أمرُها حتى إذا ما تبوَّأت *** بأخفافها مرعىً تبوَّأ مضجَعَا
الثانية - وإذا تقرر هذا فاعلم أن الأمر ليس من الإرادة في شيء . والمعتزلة تقول : الأمر نفس الإرادة . وليس بصحيح ، بل يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد . ألا ترى أنه أمر إبراهيم بذبح ولده ولم يرده منه ، وأمر نبيه أن يصلي مع أمته خمسين صلاة ، ولم يرد منه إلا خمس صلوات . وقد أراد شهادة حمزة حيث يقول : " ويتخذ منكم شهداء{[7172]} " [ آل عمران : 140 ] . وقد نهى الكفار عن قتله ولم يأمرهم به . وهذا صحيح نفيس في بابه ، فتأمله .
قوله تعالى : " تبارك الله رب العالمين " " تبارك " تفاعل ، من البركة وهي الكثرة والاتساع . يقال : بورك الشيء وبورك فيه . قاله ابن عرفة . وقال الأزهري : " تبارك " تعالى وتعاظم وارتفع . وقيل : إن باسمه يتبرك ويتيمن . وقد مضى في الفاتحة معنى " رب العالمين{[7173]} " [ الفاتحة ، 1 ] .