تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدۡ وَجَدۡنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّٗا فَهَلۡ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمۡ حَقّٗاۖ قَالُواْ نَعَمۡۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُۢ بَيۡنَهُمۡ أَن لَّعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} (44)

المفردات :

فأذن مؤذن : أعلم معلم من الملائكة ، أي : نادى مناد .

التفسير :

ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا قالوا نعم . . . الآية .

تعرض الآيات مشهدا من الحوار الذي يدور يوم القيامة بين أصحاب الجنة وأصحاب النار ، وهو حوار يمثل الرضا والسعادة والفوز والامتنان من جانب المؤمنين ، ويمثل الحسرة والذلة والحرمان والقلق من جانب الكافرين .

وإنه لتصوير قوي بارع ، يحرك إليه النفوس ، ويهز المشاعر ، ويبين أن النهاية الأليمة المتوقعة لهؤلاء المكذبين ، إنما هي تسجيل اللعنة عليهم ، والطرد والحرمان من رحمة الله بسبب ظلمهم وانحرافهم .

قال الشوكاني في فتح القدير :

ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار .

أي ينادونهم بعد أن يستقر كل من الفريقين في منزله .

أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا .

أي : إنا قد وصلنا إلى ما وعدنا الله به من النعيم ، فهل وصلتم إلى ما وعدكم الله به من العذاب الأليم ؟ اه .

قالوا : نعم . أي : وجدنا ما وعدنا ربنا حقا وفي رواية .

نعم . بكسر العين وهي لغة فيه ، كما يقول أبو السعود في التفسير .

فأذن مؤذن أن لعنة الله على الظالمين .

أي : نادى مناد من الملائكة ، أو هو نداء الكون والحق والعدل . ( وهذا المنادي من أمور الغيب التي لا تعلم علما صحيحا إلا من التوقيف المستند إلى الوحي ، وما ورد في ذلك فهو من الآثار التي لا يعتمد عليها ( 49 ) .

وقال أبو السعود : قيل : هو صاحب الصور .

أن لعنة الله على الظالمين .

إنه صوت الوجوه كله . يلعن الظالمين ويخزيهم ويفضح ما كان منهم من كفر بالله وصد عن سبيله .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدۡ وَجَدۡنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّٗا فَهَلۡ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمۡ حَقّٗاۖ قَالُواْ نَعَمۡۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُۢ بَيۡنَهُمۡ أَن لَّعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} (44)

قوله تعالى : " ونادى أصحاب الجنة " هذا سؤال تقريع وتعيير . " أن قد وجدنا " مثل " أن تلكم الجنة " أي أنه قد وجدنا . وقيل : هو نفس النداء . " فأذن مؤذن بينهم " أي نادى وصوت ، يعني من الملائكة . " بينهم " ظرف ، كما تقول : أعلم وسطهم . وقرأ الأعمش والكسائي : " نعم " بكسر العين وتجوز على هذه اللغة بإسكان العين . قال مكي : من قال " نعم " بكسر العين أراد أن يفرق بين " نعم " التي هي جواب وبين " نعم " التي هي اسم للإبل والبقر والغنم . وقد روي عن عمر إنكار " نعم " بفتح العين في الجواب ، وقال : قل نعم . ونعم ونعم ، لغتان بمعنى العدة والتصديق . فالعدة إذا استفهمت عن موجب نحو قولك : أيقوم زيد ؟ فيقول نعم . والتصديق إذا أخبرت عما وقع ، تقول : قد كان كذا وكذا ، فيقول نعم . فإذا استفهمت عن منفي فالجواب بلى نحو قولك ألم أكرمك ، فيقول بلى . فنعم لجواب الاستفهام الداخل على الإيجاب كما في هذه الآية . وبلى ، لجواب الاستفهام الداخل على النفي ، كما قال تعالى : " ألست بربكم قالوا بلى{[7129]} " [ الأعراف : 172 ] . وقرأ البزي وابن عامر وحمزة والكسائي " أن لعنة الله " وهو الأصل . وقرأ الباقون بتخفيف " أن " ورفع اللعنة على الابتداء . ف " أن " في موضع نصب على القراءتين على إسقاط الخافض . ويجوز في المخففة ألا يكون لها موضع من الإعراب ، وتكون مفسرة كما تقوم . وحكي عن الأعمش أنه قرأ " إن لعنة الله " بكسر الهمزة ، فهذا على إضمار القول كما قرأ الكوفيون{[7130]} " فناداه الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله " ويروى أن طاوسا دخل على هشام بن عبد الملك فقال له : اتق الله واحذر يوم الأذان . فقال : وما يوم الأذان ؟ قال : قوله تعالى : " فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين " فصعق هشام . فقال طاوس : هذا ذل الصفة فكيف ذل المعاينة .


[7129]:راجع ص 313 من هذا الجزء.
[7130]:كذا في الأصول وتقدم في ج 4 ص 74 أنها قراءة حمزة والكسائي فيكون الصواب: الكوفيان وفي الشواذ هي قراءة ابن مسعود.