تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (31)

{ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 31 ) يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ( 32 ) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ( 33 ) } .

المفردات :

أحبارهم : جمع حبر بكسر الحاء وفتحها لغتان كما قال الفراء – ويطلق على العالم مطلقا وغلب في عالم اليهود .

ورهبانهم : جمع راهب مأخوذ من الرهبة وهي الخوف ، والمراد به هنا : عابد النصارى الذي اعتزل ملذات الحياة .

التفسير :

31 – { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ . . . } الآية .

أي : اتخذ اليهود علماء دينهم أربابا من دون الله ؛ فأطاعوهم في تحريم ما أحل الله ، وتحليل ما حرم الله ، وجعلوهم بطاعتهم لهم ؛ كأنهم آلهة لهم يطاعون فيما يشرعون . واتخذ النصارى رهبانهم . أي : علماءهم المتعبدين – اتخذوهم آلهة من دون الله بأن أطاعوهم فيما لم يحل ، كما يطاع الله فيما شرعه لعباده ، مع أنهم آثمون .

قال الشوكاني في فتح القدير :

كانوا إذا أحلوا لهم شيئا ، استحلوه ، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه ، أطاعوهم فيما يأمرونه به ، وينهونهم عنه فيما يخالف أحكام الله تعالى ؛ فنسخوا بذلك ما في كتب الله ، فكانوا بمنزلة المتخذين لهم أربابا ؛ لأنهم أطاعوهم كما تطاع الأرباب .

{ والمسيح ابن مريم } .

أي : واتخذ النصارى المسيح ابن مريم ربا معبودا وكان ذلك على صور شتى ، فمرة : عبدوه على أنه ابن الله ، وأخرى : عبدوه على أنه إله ، وثالثة : على أنه ثالث آلهة ثلاثة .

قال صاحب تفسير المنار :

جمع الله بين اليهود والنصارى ؛ في اتخاذ رجال دينهم أربابا ؛ بأن أعطوهم حق التشريع فيهم ، وذكر بعد ذلك : ما انفرد به النصارى دون اليهود من اتخاذهم المسيح ربا وإلها يعبدونه ، واليهود لم يعبدوا عزيرا ، ولم يؤثر عمن قال منهم : إنه ابن الله ، أنهم عنوا ما يعنيه النصارى من قولهم في المسيح : إنه هو الله الخالق المدبر لأمور العباد57 .

وقال الشوكاني :

اتخذ النصارى المسيح ربا معبودا وفيه إشارة إلى أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ربا معبودا .

{ وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا } .

أي : وما أمرهم الله في كتبه التي أنزلها إليهم إلا ليطيعوا إلها واحدا فيما أمرهم به أو نهاهم عنه .

{ لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } .

أي : تنزه الله عز وجل ، وتقدس عن الشركاء والنظراء والأعوان ، والأضداد والأولاد ، فهو رب العالمين وخالق الخلائق أجمعين .

قصة إسلام عدى بن حاتم الطائي

روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير الطبري : عن عدي بن حاتم ، أنه لما بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فر إلى الشام وكان قد تنصر في الجاهلية .

ثم أسرت أخته وجماعة من قومه ، ثم من الرسول صلى الله عليه وسلم على أخته وأعطاها ، فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام ، وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم عدي إلى المدينة ، وكان رئيسا في قومه طىء ، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم ؛ فتحدث الناس بقدومه ، فدخل عدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنق عدي صليب من فضة .

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله . . . }

فقال عدي للرسول صلى الله عليه وسلم : إنهم لم يعبدوهم !

فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : بلى ، إنهم حرموا عليهم الحلال ، وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا عدي ، ما تقول ؟ أيضرك أن يقال : الله أكبر ؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله ؟ ما يضرك ؟ أيضرك أن يقال : لا إله إلا الله ؟ فهل تعلم إلها غير الله ؟

ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم ، وشهد شهادة الحق ؛ فاستبشر وجه الرسول بإسلامه ثم قال : " إن اليهود مغضوب عليهم ، والنصارى ضالون " 58 .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (31)

قوله تعالى : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم " الأحبار جمع حبر ، وهو الذي يحسن القول وينظمه ويتقنه بحسن البيان عنه . ومنه ثوب محبر أي جمع الزينة . وقد قيل في واحد الأحبار : حبر بكسر الحاء ، والدليل على ذلك أنهم قالوا : مداد{[7944]} حبر يريدون مداد عالم ، ثم كثر الاستعمال حتى قالوا للمداد حبر . قال الفراء : الكسر والفتح لغتان . وقال ابن السكيت : الحبر بالكسر المداد ، والحبر بالفتح العالم . والرهبان جمع راهب مأخوذ من الرهبة ، وهو الذي حمله خوف الله تعالى على أن يخلص له النية دون الناس ، ويجعل زمانه له وعمله معه وأنسه به .

قوله تعالى : " أربابا من دون الله " قال أهل المعاني : جعلوا أحبارهم ورهبانهم كالأرباب حيث أطاعوهم في كل شيء ومنه قوله تعالى : " قال انفخوا حتى إذا جعله نارا{[7945]} " [ الكهف : 96 ] أي كالنار . قال عبدالله بن المبارك :

وهل أفسد الدين إلا الملوك*** وأحبار سوء ورهبانها

روى الأعمش وسفيان عن حبيب بن أبى ثابت عن أبى البختري قال : سئل حذيفة عن قول الله عز وجل : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " هل عبدوهم ؟ فقال لا ، ولكن أحلوا لهم الحرام فاستحلوه ، وحرموا عليهم الحلال فحرموه . وروى الترمذي عن عدي بن حاتم قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب . فقال : ( ما هذا يا عدي اطرح عنك هذا الوثن ) وسمعته يقرأ في سورة [ براءه " " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم " ثم قال : ( أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه ) . قال : هذا حديث غريب لا يعرف إلا من حديث عبدالسلام بن حرب . وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث .

قوله تعالى : " والمسيح ابن مريم " مضى الكلام في اشتقاقه في " آل عمران{[7946]} " والمسيح : العرق يسيل من الجبين . ولقد أحسن بعض المتأخرين فقال :

افرح فسوف تألف الأحزانا*** إذا شهدت الحشر والميزانا

وسالَ من جبينك المسيح *** كأنه جداول تسيحُ

ومضى في " النساء{[7947]} " معنى إضافته إلى مريم أمه .


[7944]:من ج و ك و هـ و ى.
[7945]:راجع ج 11 ص 55 فما بعد.
[7946]:راجع ج 4 ص 88.
[7947]:راجع ج 6 ص 21.