تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ} (29)

{ قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ( 29 ) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 30 ) } .

المفردات :

الجزية : هي ضريبة لنا على أهل الكتاب ؛ جزاء حمايتهم وحقن دمائهم .

عن يد وهم صاغرون : أي : عن يد مواتية منقادة وهم خاضعون .

التفسير :

29 – { قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ . . . } الآية .

يأمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بقتال أهل الكتاب ، بعد ما أمرهم من قبل بقتال المشركين ، ومنعهم من قرب المسجد الحرام بحج أو عمرة .

والغاية من قتال أهل الكتاب في هذه الآية : هي اعترافهم بالدين الحق ، وعدم إلزامهم بالدخول فيه ؛ والاكتفاء بالتصالح معهم ؛ ليستوطنوا في دار الإسلام بأمان وسلام ، مع إخضاعهم لأحكام الإسلام المدنية والجزائية ، وما عدا ذلك فإنا أمرنا بتركهم وما يدينون به في عباداتهم وشئونهم ، مع أخذ الجزية منهم جزاء حمايتهم ، وتوفير الأمن والأمان لهم ، ويصبحون عند ذلك من أهل الذمة والعهد40 .

قال ابن كثير :

" هذه الآية أول أمر نزل بقتال أهل الكتاب – اليهود والنصارى – وكان ذلك سنة تسع ؛ ولهذا تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتال الروم ، ودعا الناس إلى ذلك ، وأظهره لهم ، وبعث إلى إحياء العرب حول المدينة ، فندبهم فخرجوا معه ، واجتمع من المقاتلة نحو ثلاثين ألفا ، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من المنافقين وغيرهم ، وكان ذلك في عام جدب ، ووقت قيظ وحر ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يريد الشام لقتال الروم ، فبلغ تبوك ونزل بها ، وأقام بها قريبا من عشرين يوما ، ثم استخار الله في الرجوع ، فرجع عامه ذلك ؛ لضيق الحال ، وضعف الناس . . . " 41 .

والمعنى : قاتلوا أهل الكتاب إلى أن يستسلموا ويدفعوا الجزية ، عن مقدرة عليها منهم ، وفي نفس الوقت عن عرفان منهم بمقدرة المسلمين وكفاءتهم ؛ ونلاحظ أن الآية بينت أسباب قتال أهل الكتاب وهي ثلاثة أسباب :

1 – عبرت عنهم باسم الموصول فقالت :

{ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر . . . }

وأهل الكتاب يدّعون أنهم يؤمنون بالله وباليوم الآخر ، لكنهم ادعوا أن لله ولدا ، وادعوا أن الله ثالث ثلاثة .

جاء في حاشية الجمل على الجلالين :

إن إيمانهم باليوم الآخر ليس كإيمان المؤمنين ، وذلك لأنهم يعتقدون بعث الأرواح دون الأجساد ، وأن أهل الجنة لا يأكلون فيها ، ولا يشربون ولا ينكحون ، ويرون أن نعيم الجنة وعذاب النار ، معان روحية فقط كالسرور والهم ، فهم لا يؤمنون بحياة مادية كاملة في عالم الآخرة ، وهذا مناف لما أخبر به القرآن ، ومن أنكر البعث الجسماني ؛ فقد أنكر صريح القرآن42 .

2 – { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } .

فهم لا يحرمون ما حرمه موسى وعيسى ، عليهما السلام بل حرفوا التوراة والإنجيل ، وشرعوا لأنفسهم أحكاما تخالف أصل دينهم .

فترى اليهود يستحلون أكل أموال الناس بالباطل .

قال تعالى : { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل } . ( النساء : 161 ) .

والنصارى استباحوا ما حرم عليهم في التوراة كالشحوم والخمور ، وقد استحلوا الرهبانية ، وفسق بعضهم بها عن حكم الله وهدايته .

قال تعالى : { ثم قفينا على آثرهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتينه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون } . ( الحديد : 27 ) .

3 – { ولا يدينون دين الحق } .

أي : الدين الثابت الناسخ لجميع الأديان وهو دين الإسلام .

قال تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } . ( المائدة : 3 ) .

وقال تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } . ( آل عمران : 85 ) .

ويصح أن يكون المراد بدين الحق : ما يشمل دين الإسلام ، وغيره من الأديان السماوية التي جاء بها الأنبياء السابقون . أي : ولا يدينون بدين من الأديان التي أنزلها الله على أنبيائه ، وشرعها لعباده ، وإنما هم يتبعون أحبارهم ورهبانهم فيما يحلونه لهم ويحرمونه عليهم43 .

{ من الذين أوتوا الكتاب } .

أي : الذين أعطاهم الله التوراة وهم اليهود ، أو الإنجيل وهم النصارى .

والمراد بالكتاب : جنسه الشامل للتوراة والإنجيل . أي : قاتلوا من أعطاهم الله التوراة والإنجيل عن طريق موسى وعيسى ، ولكنهم لم يعملوا بتعاليمها ؛ وإنما عملوا بما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم ، والمقصود بقوله : { من الذين أوتوا الكتاب } تميزهم عن المشركين عبدة الأوثان في الحكم ؛ لأن عبدة الأوثان في بلاد العرب يخيرون بين أمرين الإسلام أو القتال .

أما أهل الكتاب فإنهم يخيرون بين ثلاثة أشياء : الإسلام ، أو القتال ، أو الجزية .

والجزية : كلمة فارسية هي( كزيت ) ؛ وكانت نظاما معولا به عند الفرس وغيرهم .

وقد عمل به الإسلام ؛ لمن أراد البقاء على دينه من أهل الكتاب ؛ فأعفاه الإسلام من دخول الجيش أو الدفاع عن الدولة ، حيث إنه لا يعتقد بعقيدة الإسلام ، فأعفاه الإسلام من الاشتراك في الجندية ، وأخذ منه ما يشبه البدل النقدي الذي يؤخذ من بعض المتخلفين عن الخدمة في الجيش في هذه الأيام .

وقد اشترط الإسلام على المسلمين حماية أهل الذمة ، والدفاع عنهم مقابل أخذ الجزية ، فإذا لم يستطع المسلمون الدفاع عن أهل الكتاب ، ردوا عليهم الجزية .

وقد فعل ذلك خالد بن الوليد حين شغل بالقتال ، عن الدفاع عن بعض أهل الكتاب فرد عليهم الجزية ، وقال : إنما أخذنا الجزية جزاء حمايتكم والدفاع عنكم ، فإذا شغلنا عنكم رددنا الجزية لكم ، فاعترف أهل الكتاب له بالشكر وبحسن المعاملة .

{ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } .

أي : أن الغاية من قتال أهل الكتاب ، هو اتفاقهم مع المسلمين ، والاعتراف لهم بحقهم ، وإن لم يدخلوا في الإسلام ؛ فإذا دخلوا مع المسلمين في معاهدة ، أصبحت لهم ذمة الله ورسوله ؛ ولذلك كانوا يسمون : أهل الذمة ؛ أي : أهل المعاهدة .

وإذا أسلموا سقطت عنهم الجزية باتفاق الفقهاء ؛ لما رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والدارقطني : عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس على مسلم جزية " 44 .

وفي رواية للطبراني : عن ابن عمر " من أسلم فلا جزية عليه " 45 .

ملحق بتفسير الآية

جاء في التفسير الوسيط لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ، ص 1689 ما يأتي :

معنى : عن يد وهم صاغرون .

( أ )اليد هنا يحتمل أن تكون كناية عن الاستسلام والانقياد ، أي : حتى يعطوا الجزية عن خضوع وانقياد وطاعة .

( ب )ويحتمل أن تكون كناية عن الدفع نقدا بدون تأجيل ، أي : حتى يعطوها نقدا بدون تسويف أو تأخير .

( ج )ويحتمل أن تكون بمعنى : الغنى ، ولذلك لم تجب على الفقير العاجز من أهل الكتاب والمعنى : حتى يدفعوا الجزية عن مقدرة منهم على دفعها ، مع الاعتراف للمسلمين بالسيادة .

وهذه المعاني الثلاثة إذا أريد باليد : يد الكتابي ، أما إذا أريد باليد : اليد الآخذة وهي يد الحاكم المسلم ؛ ففي هذه الحالة يكون معناها : القوة والقهر والغلبة والحماية .

أي : حتى يعطوها للمسلمين عن يد قاهرة مستولية ؛ وهي يد المسلمين ، أو حتى يعطوها للمسلمين عن يد من المسلمين . أي : إنعام من المسلمين عليهم ؛ لأن قبول الجزية منهم وترك أرواحهم له نعمة عظيمة46 .

وجاء في تفسير سورة التوبة للدكتور محمد سيد طنطاوي ما يأتي :

{ وهم صاغرون } : وهم خاضعون لولايتكم عليهم ؛ وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى : وهم صاغرون أنهم يؤدونها في ذلة وانكسار ومهانة .

قال الزمخشري في تفسير الكشاف :

{ وهم صاغرون } .

تؤخذ منهم على الصغار والذل ، وهو أن يأتي بنفسه ماشيا غير راكب ، ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس ، وأن يتلتل تلتلة ، ويؤخذ بتلابيبه ويقال له : أد الجزية ، ويدفع في قفاه47 .

وقال السيوطي : استدل بقوله تعالى : وهم صاغرون من قال : إنها تؤخذ بإهانة بأن يجلس الآخذ ؛ ويقوم الدمي يطأطئ رأسه ، ويحني ظهره . . . إلخ .

وقد رد الإمام ابن القيم على هذا القائل بقوله : هذا كله مما لا دليل عليه ، ولا هو من مقتضى الآية ؛ ولا نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه .

والصواب في الآية : أن الصغار هو التزامهم بجريان أحكام الله عليهم وإعطاء الجزية فإن ذلك هو الصغار ، وبه قال الشافعي48 .

ونرى أن كلام الإمام ابن القيم أقرب إلى المعقول والمنقول ؛ ويتفق مع عدالة الإسلام وسماحته ورحمته بالناس أجمعين خاصة ونحن في زمن صار العالم كله قرية واحدة ، وصار بعضهم يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان ، وديننا هو الذي كرم إنسانية الإنسان ؛ فقد خلق الله آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له الملائكة ، واستخلفه في إعمار الأرض ، وقال سبحانه : { ولقد كرمنا بني ءادم } .

مقدار الجزية

لم يحدد القرآن مقدار الجزية ، وقد اختلف الفقهاء في تقديرها .

( أ ) قال الشافعي : هي في السنة دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين ، وإن صولحوا على أكثر من دينار ؛ جاز لهم وتؤخذ في آخر السنة49 .

( ب )وقال المالكية : إنها أربعة دنانير على أهل الذهب ؛ وأربعون درهما على أهل الفضة ، الغني والفقير سواء .

( ج )وقال الحنفية : 12 درهما على الفقراء الذين لهم كسب ، 24 درهما على الأوساط ، 48 درهما على الأغنياء ؛ وتؤخذ في أول السنة ، ولا تؤخذ من فقير لا كسب له50 .

ولعلك بالتأمل ترى أن الجزية عطاء مرتبط بقوة المسلمين ، وقدرتهم على حماية أهل الكتاب والدفاع عنهم .

هذا أمر متغير متقلب ونسبة الجزية تتأثر بمدى قوة المسلمين ومدى ضعف الآخرين . وربما كان من المناسب أن نقول : إن مقدار الجزية يترك تقديره إلى كل حالة بما يناسبها ، أو إلى تقدير أهل الحل والعقد .

وتقدير الحنفية أقرب إلى روح العصر ؛ لأنها تراعي حالة الكتابي من الفقير أو الغني وتؤخذ منه حسب حالته .

من أحكام الآية

ذكر الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي في تفسير سورة التوبة : أن العلماء قد أخذوا من هذه الآية الأحكام الآتية :

1 – إن هذه الآية أصل في مشروعية الجزية ، وأنها لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب عند كثير من الفقهاء ؛ لأن أهل الكتاب هم الذين يخيرون بين الإسلام أو القتال أو الجزية ، أما غيرهم من مشركي العرب فلا يخيرون إلا بين الإسلام أو القتال .

قال القرطبي ما ملخصه :

وقد اختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية ؛ فقال الشافعي : لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب خاصة ، عربا كانوا أو عجما ؛ لهذه الآية ؛ فإنهم هم الذين خصوا بالذكر فتوجه الحكم إليهم دون من سواهم ؛ لقوله تعالى : في شأن المشركين : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } . لم يقل : حتى يعطوا الجزية كما قال في أهل الكتاب .

وقال الشافعي : وتقبل من المجوس لحديث " سنوليهم سنة أهل الكتاب " أي : في أخذ الجزية منهم .

وبه قال أحمد وأبو ثور : وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأصحابه .

وقال الأوازعي : تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذب .

وكذلك مذهب مالك : فإنه يرى أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد ، عربيا أو عجميا ، تغلبيّا أو قرشيا ، كائنا من كان إلا المرتد51 .

2 – إن أخذ الجزية منهم إنما هو نظير ما ينالهم وكفنا عن قتالهم ، ومساهمة منهم في رفع شأن الدولة الإسلامية التي أمنتهم وأموالهم وأعراضهم ومعتقداتهم ، ومقدساتهم . . . وإقرار منهم بالخضوع لتعاليم هذه الدولة وأنهم متى التزموا بدفعها ؛ وجب علينا حمايتهم ، ورعايتهم ، ومعاملتهم بالعدل والرفق والرحمة .

وفي تاريخ الإسلام كثير من الأمثلة التي تؤيد هذا المعنى ، ومن ذلك ما جاء في كتاب الخراج لأبي يوسف أنه قال في خطابه لهارون الرشيد : " وينبغي يا أمير المؤمنين – أيدك الله – أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد صلى الله عليه وسلم – والتفقد لهم ؛ حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق طاقتهم ، ولا يؤخذ شيء من أموالهم إلا بحق يجب عليهم ؛ فقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . أنه قال : " من ظلم من أمتي معاهدا أو كلفه فوق طاقته ؛ فأنا حجيجه " .

وكان فيما تكلم عمر بن الخطاب عند وفاته : أوصى الخليفة من بعدي بذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم . أن يوفى لهم بعهدهم ، وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم52 .

وجاء في كتاب " أشهر مشاهير الإسلام " :

وأن جيوش التتار ، لما اكتسحت بلاد الإسلام من حدود الصين إلى الشام ، ووقع في أسرهم من وقع من المسلمين والنصارى ثم خضد المسلمون شوكة التتار ودان ملوكهم بالإسلام ، خاطب شيخ الإسلام ابن تيمية ، أمير التتار بإطلاق الأسرى فسمح له بالمسلمين وأبى أن يسمح بأهل الذمة ، فقال له شيخ الإسلام : لا بد من إطلاق جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا ولا ندع أسيرا لا من أهل الملة ، ولا من أهل الذمة ، فأطلقهم له53 .

وجاء في كتاب " الإسلام والنصرانية " للأستاذ الإمام محمد عبده ما ملخصه :

" . . . الإسلام كان يكتفي من الفتح بإدخال الأرض المفتوحة تحت سلطانه ، ثم يترك الناس وما كانوا عليه من دين . ثم يكلفهم بجزية يدفعونها ؛ لتكون عونا على صيانتهم والمحافظة على أمنهم في ديارهم ، وهم في عقائدهم ومعابدهم وعاداتهم بعد ذلك أحرارا ، لا يضايقون في عمل ، ولا يضامون في معاملة .

خلفاء المسلمين كانوا يوصون قوادهم باحترام العبّاد الذين انقطعوا عن العامة في الصوامع والأديرة للعبادة ، كما كانوا يوصونهم باحترام دماء النساء والأطفال وكل من لم يعن على القتال .

جاءت السنة بالنهي عن إيذاء أهل الذمة ، وبتقرير ما له من الحقوق على المسلمين ، " لهم ما لنا وعليهم ما علينا " و " من آذى ذميا فليس منا " .

واستمر العمل على ذلك ما استمرت قوة الإسلام . ولست أبالي إذا انحرف بعض المسلمين عن هذه الأحكام عندما بدأ الضعف في أبناء الإسلام فضيق الصدر من طبع الضعيف .

ثم قال : أما المسيحية فترى لها حق القيام على كل دين يدخل تحت سلطانها تراقب أعمال أهله ، وتخصهم دون الناس بضروب من المعاملة لا يحتملها الصبر مهما عظم ، حتى إذا تمت لها القدرة على طردهم – بعد العجز عن إخراجهم من دينهم – طردتهم عن ديارهم ، وغسلت الديار من آثارهم ، كما حصل ويحصل في كل أرض استولت عليها أمة مسيحية استيلاء حقيقيا .

ولا يمنع غير المسيحي من تعدي المسيحي إلا كثرة العدد أو شدة العضد ، كما شاهد التاريخ ، وكما يشهد كاتبوه .

ثم قال : فأنت ترى الإسلام يكتفي من الأمم والطوائف التي يغلب على أرضها ، بشيء من المال ، أقل مما كانوا يؤدونه من قبل تغلبه عليهم ، وبأن يعيشوا في هدوء ، لا يعكرون معه صفو الدولة ، ولا يخلون بنظام السلطة العامة ، ثم يرخى لهم بعد عنان الاختيار في شئونهم الخاصة بهم ، لا رقيب عليهم فيها سوى ضمائرهم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ} (29)

فيه خمس عشرة مسألة :

الأولى - قوله تعالى : " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " لما حرم الله تعالى على الكفار أن يقربوا المسجد الحرام ، وجد المسلمون في أنفسهم بما قطع عنهم من التجارة التي كان المشركون يوافون بها ، قال الله عز وجل : " وإن خفتم عيلة " [ التوبة :28 ] الآية . على ما تقدم . ثم أحل في هذه الآية الجزية وكانت لم تؤخذ قبل ذلك ، فجعلها عوضا مما منعهم من موافاة المشركين بتجارتهم . فقال الله عز وجل : " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " الآية . فأمر سبحانه وتعالى بمقاتلة جميع الكفار لإصفاقهم{[7923]} على هذا الوصف ، وخص أهل الكتاب بالذكر إكراما لكتابهم ، ولكونهم عالمين بالتوحيد والرسل والشرائع والملل ، وخصوصا ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وملته وأمته . فلما أنكروه تأكدت عليهم الحجة وعظمت منهم الجريمة ، فنبه على محلهم ثم جعل للقتال غاية وهي إعطاء الجزية بدلا عن القتل . وهو الصحيح . قال ابن العربي : سمعت أبا الوفاء علي بن عقيل في مجلس النظر يتلوها ويحتج بها . فقال : " قاتلوا " وذلك أمر بالعقوبة . ثم قال : " الذين لا يؤمنون " وذلك بيان للذنب الذي أوجب العقوبة . وقوله : " ولا باليوم الآخر " تأكيد للذنب في جانب الاعتقاد . ثم قال : " ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله " زيادة للذنب في مخالفة الأعمال . ثم قال : " ولا يدينون دين الحق " إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة والأنفة عن الاستسلام . ثم قال : " من الذين أوتوا الكتاب " تأكيد للحجة ، لأنهم كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل . ثم قال : " حتى يعطوا الجزية عن يد " فبين الغاية التي تمتد إليها العقوبة وعين البدل الذي ترتفع به .

الثانية - وقد اختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية ، قال الشافعي رحمه الله : لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب خاصة عربا كانوا أو عجما لهذه الآية ، فإنهم هم الذين خصوا بالذكر فتوجه الحكم إليهم دون من سواهم لقوله عز وجل : " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم{[7924]} " [ التوبة :5 ] . ولم يقل : حتى يعطوا الجزية كما قال في أهل الكتاب . وقال : وتقبل من المجوس بالسنة{[7925]} وبه قال أحمد وأبو ثور . وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأصحابه . وقال الأوزاعي : تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذب . وكذلك مذهب مالك ، فإنه رأى الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد ، عربيا أو عجميا ، تغلبيا أو قرشيا ، كائنا من كان ، إلا المرتد . وقال ابن القاسم وأشهب وسحنون : تؤخذ الجزية من مجوس العرب والأمم كلها . وأما عبدة الأوثان من العرب فلم يستن الله فيهم جزية ، ولا يبقى على الأرض منهم أحد ، وإنما لهم القتال أو الإسلام . ويوجد لابن القاسم : أن الجزية تؤخذ منهم ، كما يقول مالك . وذلك في التفريع لابن الجلاب وهو احتمال لا نص . وقال ابن وهب : لا تقبل الجزية من مجوس العرب وتقبل من غيرهم . قال : لأنه ليس في العرب مجوسي إلا وجميعهم أسلم ، فمن وجد منهم بخلاف الإسلام فهو مرتد يقتل بكل حال إن لم يسلم ولا تقبل منهم جزية . وقال ابن الجهم : تقبل الجزية من كل من دان بغير الإسلام إلا ما أجمع عليه من كفار قريش . وذكر في تعليل ذلك أنه إكرام لهم عن الذلة والصغار ، لمكانهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال غيره : إنما ذلك لأن جميعهم أسلم يوم فتح مكة . والله أعلم .

الثالثة - وأما المجوس فقال ابن المنذر : لا أعلم خلافا أن الجزية تؤخذ منهم . وفي الموطأ : مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر أمر المجوس فقال : ما أدري كيف أصنع في أمرهم . فقال عبدالرحمن بن عوف : أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( سنوا بهم سنة أهل الكتاب ) . قال أبو عمر : يعني في الجزية خاصة . وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سنوا بهم سنة أهل الكتاب ) دليل على أنهم ليسوا أهل كتاب . وعلى هذا جمهور الفقهاء . وقد روي عن الشافعي أنهم كانوا أهل كتاب فبدلوا . وأظنه ذهب في ذلك إلى شيء روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من وجه فيه ضعف ، يدور على أبي سعيد البقال ، ذكره عبدالرزاق وغيره . قال ابن عطية : وروي أنه قد كان بعث في المجوس نبي اسمه زرادشت . والله أعلم .

الرابعة - لم يذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه مقدارا للجزية المأخوذة منهم . وقد اختلف العلماء في مقدار الجزية المأخوذة منهم ، فقال عطاء بن أبي رباح : لا توقيت فيها ، وإنما هو على ما صولحوا عليه . وكذلك قال يحيى بن آدم وأبو عبيد والطبري ، إلا أن الطبري قال : أقله دينار وأكثره لا حد له . واحتجوا بما رواه أهل الصحيح عن عمرو بن عوف : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل البحرين على الجزية . وقال الشافعي : دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين لا ينقص منه شيء واحتج بما رواه أبو داود وغيره عن معاذ : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا في الجزية . قال الشافعي : وهو المبين عن الله تعالى مراده . وهو قول أبي ثور . قال الشافعي : وإن صولحوا على أكثر من دينار جاز ، وإن زادوا وطابت بذلك أنفسهم قبل منهم . وإن صولحوا على ضيافة ثلاثة أيام جاز ، إذا كانت الضيافة معلومة في الخبز والشعير والتبن{[7926]} والإدام ، وذكر ما على الوسط من ذلك وما على الموسر وذكر موضع النزول والكنِّ من البرد والحر . وقال مالك فيما رواه عنه ابن القاسم وأشهب ومحمد بن الحارث بن زنجويه : إنها أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الورق ، الغني والفقير سواء ولو كان مجوسيا . لا يزاد ولا ينقص على ما فرض عمر لا يؤخذ منهم غيره . وقد قيل : إن الضعيف يخفف عنه بقدر ما يراه الإمام . وقال ابن القاسم : لا ينقص من فرض عمر لعسر ولا يزاد عليه لغنى . قال أبو عمر : ويؤخذ من فقرائهم بقدر ما يحتملون ولو درهما . وإلى هذا رجع مالك . وقال أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل : اثنا عشر ، وأربعة وعشرون ، وأربعون . قال الثوري : جاء عن عمر بن الخطاب في ذلك ضرائب مختلفة ، فللوالي أن يأخذ بأيها شاء ، إذا كانوا أهل ذمة . وأما أهل الصلح فما صولحوا عليه لا غير .

الخامسة - قال علماؤنا رحمة الله عليهم : والذي دل عليه القرآن أن الجزية تؤخذ من الرجال المقاتلين ، لأنه تعالى قال : " قاتلوا الذين " إلى قوله : " حتى يعطوا الجزية " فيقتضي ذلك وجوبها على من يقاتل . ويدل على أنه ليس على العبد وإن كان مقاتلا ؛ لأنه لا مال له ، ولأنه تعالى قال : " حتى يعطوا " . ولا يقال لمن لا يملك حتى يعطي . وهذا إجماع من العلماء على أن الجزية إنما توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين ، وهم الذين يقاتلون دون النساء والذرية والعبيد والمجانين المغلوبين على عقولهم والشيخ الفاني . واختلف في الرهبان ، فروى ابن وهب عن مالك أنها لا تؤخذ منهم . قال مطرف وابن الماجشون : هذا إذا لم يترهب بعد فرضها فإن فرضت ثم ترهب لم يسقطها ترهبه .

السادسة - إذا أعطى أهل الجزية الجزية لم يؤخذ منهم شيء من ثمارهم ولا تجارتهم ولا زروعهم إلا أن يتجروا في بلاد غير بلادهم التي أقروا فيها وصولحوا عليها . فإن خرجوا تجارا عن بلادهم التي أقروا فيها إلى غيرها أخذ منهم العشر إذا باعوا ونض{[7927]} ثمن ذلك بأيديهم ولو كان ذلك في السنة مرارا إلا في حملهم الطعام الحنطة والزيت إلى المدينة ومكة خاصة ، فإنه يؤخذ منهم نصف العشر على ما فعل عمر . ومن أهل المدينة من لا يرى أن يؤخذ من أهل الذمة العشر في تجارتهم إلا مرة في الحول ، مثل ما يؤخذ من المسلمين . وهو مذهب عمر بن عبدالعزيز وجماعة من أئمة الفقهاء . والأول قول مالك وأصحابه .

السابعة - إذا أدى أهل الجزية جزيتهم التي ضربت عليهم أو صولحوا عليها خلي بينهم وبين أموالهم كلها ، وبين كرومهم وعصرها ما ستروا خمورهم ولم يعلنوا بيعها من مسلم ومنعوا من إظهار الخمر والخنزير في أسواق المسلمين ، فإن أظهروا شيئا من ذلك أريقت الخمر عليهم ، وأدب من أظهر الخنزير . وإن أراقها مسلم من غير إظهارها فقد تعدى ، ويجب عليه الضمان . وقيل : لا يجب ولو غصبها وجب عليه ردها . ولا يعترض لهم في أحكامهم ولا متاجرتهم فيما بينهم بالربا . فإن تحاكموا إلينا فالحاكم مخير ، إن شاء حكم بينهم بما أنزل الله وإن شاء أعرض . وقيل : يحكم بينهم في المظالم على كل حال ، ويؤخذ من قويهم لضعيفهم ؛ لأنه من باب الدفع عنهم وعلى الإمام أن يقاتل عنهم عدوهم ويستعين بهم في قتالهم . ولا حظ لهم في الفيء ، وما صولحوا عليه من الكنائس لم يزيدوا عليها ، ولم يمنعوا من إصلاح ما وهى منها ، ولا سبيل لهم إلى إحداث غيرها . ويأخذون من اللباس والهيئة بما يبينون{[7928]} به من المسلمين ، ويمنعون من التشبه بأهل الإسلام . ولا بأس باشتراء أولاد العدو منهم إذا لم تكن لهم ذمة . ومن لد في أداء جزيته أدب على لدده{[7929]} وأخذت منه صاغرا .

الثامنة - اختلف العلماء فيما وجبت الجزية عنه ، فقال علماء المالكية : وجبت بدلا عن القتل بسبب الكفر . وقال الشافعي : وجبت بدلا عن الدم وسكنى الدار .

وفائدة الخلاف أنا إذا قلنا وجبت بدلا عن القتل فأسلم سقطت عنه الجزية لما مضى ، ولو أسلم قبل تمام الحول بيوم أو بعده عند مالك . وعند الشافعي أنها دين مستقر في الذمة فلا يسقطه الإسلام كأجرة الدار . وقال بعض الحنفية بقولنا . وقال بعضهم : إنما وجبت بدلا عن النصر والجهاد . واختاره القاضي أبو زيد وزعم أنه سر الله في المسألة . وقول مالك أصح ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ليس على مسلم جزية ) . قال سفيان : معناه إذا أسلم الذمي بعد ما وجبت الجزية عليه بطلت عنه . أخرجه الترمذي وأبو داود . قال علماؤنا : وعليه يدل قوله تعالى : " حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " لأن بالإسلام يزول هذا المعنى . ولا خلاف أنهم إذا أسلموا فلا يؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون . والشافعي لا يأخذ بعد الإسلام على الوجه الذي قاله الله تعالى . وإنما يقول : إن الجزية دين ، وجبت عليه بسبب سابق وهو السكنى أو توقي شر القتل ، فصارت كالديون كلها .

التاسعة - لو عاهد الإمام أهل بلد أو حصن ثم نقضوا عهدهم وامتنعوا من أداء ما يلزمهم من الجزية وغيرها وامتنعوا من حكم الإسلام من غير أن يظلموا وكان الإمام غير جائر عليهم وجب على المسلمين غزوهم وقتالهم مع إمامهم . فإن قاتلوا وغلبوا حكم فيهم بالحكم في دار الحرب سواء . وقد قيل : هم ونساؤهم فيء ولا خمس فيهم ، وهو مذهب .

العاشرة - فإن خرجوا متلصصين قاطعين الطريق فهم بمنزلة المحاربين المسلمين إذا لم يمنعوا الجزية . ولو خرجوا متظلمين نظر في أمرهم وردوا إلى الذمة وأنصفوا من ظالمهم ولا يسترق منهم أحد وهم أحرار . فإن نقض بعضهم دون بعض فمن لم ينقض على عهده ، ولا يؤخذ بنقض غيره وتعرف إقامتهم على العهد بإنكارهم على الناقضين .

الحادية عشرة - الجزية وزنها فعلة ، من جزى يجزي إذا كافأ عما أسدي إليه ، فكأنهم أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن ، وهي كالقعدة والجلسة . ومن هذا المعنى قول الشاعر :

يجزيك أو يثني عليك وإن من*** أثنى عليك بما فعلت كمن جزى

الثانية عشرة - روى مسلم عن هشام بن حكيم بن حزام ومر على ناس من الأنباط{[7930]} بالشأم قد أقيموا في الشمس - في رواية : وصب على رؤوسهم الزيت - فقال : ما شأنهم ؟ فقال يحبسون في الجزية . فقال هشام : أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا ) . في رواية : وأميرهم يومئذ عمير بن سعد على فلسطين ، فدخل عليه فحدثه فأمر بهم فخلوا . قال علماؤنا : أما عقوبتهم إذا امتنعوا من أدائها مع التمكين فجائز ، فأما مع تبين عجزهم فلا تحل عقوبتهم ، لأن من عجز عن الجزية سقطت عنه . ولا يكلف الأغنياء أداءها عن الفقراء . وروى أبو داود عن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ شيئا منه بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة ) .

الثالثة عشرة - قوله تعالى : " عن يد " قال ابن عباس : يدفعها بنفسه غير مستنيب فيها أحدا روى أبو البختري عن سلمان قال : مذمومين . وروى معمر عن قتادة قال : عن قهر وقيل : " عن يد " عن إنعام منكم عليهم ، لأنهم إذا أخذت منهم الجزية فقد أنعم عليهم بذلك . عكرمة : يدفعها وهو قائم والآخذ جالس وقال سعيد بن جبير . ابن العربي : وهذا ليس من قوله : " عن يد " وإنما هو من قوله : " وهم صاغرون " .

الرابعة عشرة - روى الأئمة عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( اليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة ) وروى : ( واليد العليا هي المعطية ) . فجعل يد المعطي في الصدقة عليا ، وجعل يد المعطي في الجزية سفلى . ويد الآخذ عليا ، ذلك بأنه الرافع الخافض ، يرفع من يشاء ويخفض من يشاء ، لا إله غيره .

الخامسة عشرة - عن حبيب بن أبي ثابت قال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال : إن أرض الخراج يعجز عنها أهلها أفأعمرها وأزرعها وأؤدي خراجها ؟ فقال : لا . وجاءه آخر فقال له ذلك فقال : لا وتلا قوله تعالى : " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " إلى قوله : " وهم صاغرون " أيعمد أحدكم إلى الصغار في عنق أحدهم فينتزعه فيجعله في عنقه وقال كليب بن وائل : قلت لابن عمر اشتريت أرضا ، قال الشراء حسن . قلت : فإني أعطي عن كل جريب{[7931]} أرض درهما وقفيز طعام . قال : لا تجعل في عنقك صغارا . وروى ميمون بن مهران عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ما يسرني أن لي الأرض كلها بجزية خمسة دراهم أمر فيها بالصغار على نفسي .


[7923]:أصفق القوم على أمر واحد: أجمعوا عليه
[7924]:راجع ص 72 من هذا الجزء.
[7925]:لقوله عليه الصلاة والسلام "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
[7926]:كذا في ب ، ج ، هـ ، ى: وفي ك: التين.
[7927]:نض المال: صار عينا بعد أن كان متاعا.
[7928]:في ج: ما يتبينون.
[7929]:اللدد: الخصومة الشديدة.
[7930]:الأنباط: فلاحو العجم.
[7931]:الجريب من الأرض: قال بعضهم عشرة آلاف ذراع. راجع المصباح ففيه الخلاف. والقفيز: مكيال وهو ثمانية مكاكيك.