{ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا ( 34 ) }
اليتيم : اسم يطلق على من فقد والده صغيرا ويظل الاسم يطلق عليه بعد بلوغه وكان صلى الله عليه وسلم يسمى : يتيم أبي طالب ، واليتامى : جمع يتيم ذكرا كان أو أنثى ، أما الأيتام فجمع للذكران فقط .
التي هي أحسن : أي : الطريق التي هي أحسن .
العهد : ما تعاهدون عليه غيركم من العباد لتوثيقه وتوكيده .
34- { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده } .
أي : لا تتصرفوا في مال اليتيم إلا بالطريق التي هي أحسن الطرق وهي طريق حفظه وتثميره بما يزيد فيه ؛ حتى تستحكم قوة عقله وشبابه وإذ ذاك يمكنه القيام على ماله بما فيه المصلحة .
ولما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا لا يخالطون اليتامى في طعام ولا غيره فأنزل الله تعالى : { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح . . . } ( البقرة : 220 ) . فكانت لهم فيها رخصة في المخالطة إذا كان الولي صادق النية في مخالطة اليتيم لمواساته وتعويضه عن أبيه ورعاية ماله وتثميره .
ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة النساء : { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف . . . } ( النساء : 6 ) .
ومدلولها : أنه يجب على الولي أن يختبر اليتيم بالتدريب العلمي بعد التدريب النظري فتطلب منه أن يمسك حساب البيت أو يشتري لوازم الأسرة فإذا بلغ الحلم وآنست فيه الرشد وحسن التصرف ؛ سلمت إليه ماله وقد نهى القرآن عن أكل مال اليتيم ، كما نهى عن تبديده والإنفاق منه بالإسراف والتبذير قبل أن يكبر اليتيم ويسترد ماله .
والوصي على اليتيم له أن يأخذ من مال اليتيم بمقدار ما يبذل له من رعاية وتثمير فإن كان الوصي غنيا ؛ فلا يأخذ شيئا من مال اليتيم وإن كان فقيرا ؛ أخذ ما يكفي بالمعروف ؛ إذ كان الوصي يقوم برعاية المال كأن يكون محاسبا أو وكيلا أو راعيا فبقدر ما يؤجر به نفسه يأخذ من مال اليتيم .
ولعلنا شاهد أن أحسن ما فسر القرآن هو القرآن وإن تناولنا للآية في موضوع اليتامى يحتم علينا أن نحيط بأهداف القرآن الكلية في معالجته للموضوع ، والنظر إلى الفكرة ككل وإلى ما يقصده القرآن كجسم كامل لا يصح بتر أجزائه .
فإذا ضمت الآيات التي تحدثت عن اليتامى في القرآن مثل الواردة في صدر سورة النساء{[395]} وغيرها من السور خرجنا بحقيقة ظاهرة ، وهي أن القرآن لا يمكن أن يكون من عند بشر كمحمد بل هو كلام الله الخبير بالنفوس فهو ينهى عن أكل مال اليتيم ويأمر بمخالطته بالتي هي حسن ويرد ماله إليه عند بلوغه سن الرشد كما يتوعد آكل مال اليتيم بالعذاب والسعير ويخوفه من صورة رهيبة ، هي أنه من المحتمل أن يترك أولاده صغارا ويتمنى ألا يتعرضوا للإذلال والامتهان والحرمان فليرفق بمن تحت يده من اليتامى وليحسن معاملتهم .
يقول بعض الغربيين ومن سار في طريقهم : إن التشريع الإسلامي قد أخذ عن التشريع الروماني وهذه دعوى باطلة لما يأتي :
1- التشريع الروماني مأخوذ عن الألواح الاثني عشر والتشريع الروماني في سوريا وما جاورها نظر إلى العرف السائد فدونه وكان يرجع إليه كقانون وأحيانا كان يقضي القضاء بمقتضى العرف بدون قانون ، فكيف يأخذ من تدوين عرف لشريعة نزلت كاملة شاملة .
2- علماء الغرب أنفسهم يعترفون بانفراد القرآن الكريم بالحديث عن اليتيم وإفاضته القول في الوصية به ، فالقانون الروماني كان يهدف إلى أن يأخذ الوصي نصيب الأسد ، بينما القانون الإسلامي على النقيض من ذلك كله توصية باليتيم وتحذير من أكل ماله بشتى الطرق ولم يجعل للوصي الحق في أخذ شيء من المال إلا إن كان فقيرا فليأكل بالمعروف .
وقد شدد الإسلام في أمره بحفظ مال اليتيم ، وأمره برعايته وتثمير ماله ، وحرم أكل ماله ظلما وعدوانا ، وذلك لأن اليتيم ضعيف عن الذود عنه ، والجماعة الإسلامية مكلفة برعاية اليتيم وماله حتى يبلغ أشده ويرشد ويستطيع أن يدبر ماله وأن يدافع عنه ، وهذه حجة أخرى على المستشرقين إذ يقولون : إن القرآن لم يعن بالصغار فكل تعاليمه موجهة إلى الرجال .
وقد تحدث أبو حامد الغزالي في كتابه : ( إحياء علوم الدين ) عن تربية الأطفال وتعويدهم العادات الحسنة وأمرهم بالصلاة ومكارم الأخلاق وتحبيب الإيمان إليهم وغير ذلك مما يعد نموذجا رفيعا لأساليب التربية في الإسلام .
ومما نلاحظه على الأوامر والنواهي الواردة في هذه السورة أن الأمور التي يكلف كل فرد بصفته الفردية جاء الأمر أو النهي فيها بصيغة المفرد ، أما الأمور التي تناط بالجماعة فقد جاء الأمر أو النهي فيها بصيغة الجمع .
ففي الإحسان إلى الوالدين وإيتاء ذي القربى والمساكين وابن السبيل وعدم التبذير والتوسط في الإنفاق بين البخل والإسراف ، وفي التثبت من الحق والنهي عن الخيلاء والكبر كان الأمر أو النهي بصيغة المفرد لما لها من صيغة فردية ، وفي النهي عن قتل الأولاد وعن الزنا وعن قتل النفس ، والأمر برعاية مال اليتيم والوفاء بالعهد ، وإيفاء الكيل والميزان كان الأمر أو النهي بصيغة الجمع لما لها من صفة جماعية .
ومن تم جاء النهي عن قرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن في صيغة الجمع ؛ لتكون الجماعة كلها مسئولة عن اليتيم وماله ، وهذا يبرر عناية القرآن باليتيم والضعيف ومسئولية الجماعة الإسلامية عن هؤلاء وأمثالهم .
فالمسلمون أشبه بالجسد الواحد أو بالبنيان المرصوص يشد ببعضه بعضا .
ولأن رعاية اليتيم عهد على الجماعة أُلحق به الأمر بالوفاء بالعهد إطلاقا فقال سبحانه : { وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا } .
أي : أوفوا بما عاهدتم الله عليه من التزام ما كلفكم به وما عاهدتم الناس عليه من العقود التي تتعاملون بها في البيوع والإجارة ونحوها .
قال الزجاج : كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد ، ويدخل في ذلك ما بين العبد وربه ، وما بين العباد بعضهم وبعض . والوفاء به : القيام بحفظه على الوجه الشرعي والقانون المرضي .
{ إن العهد كان مسئولا } . يسأل الله جل جلاله عن الوفاء بالعهد ويحاسب من ينكث به وينقضه .
وقد أكد الإسلام على الوفاء بالعهد والشدد ؛ لأن هذا الوفاء مناط الاستقامة والثقة والنظافة في ضمير الفرد وفي حياة الجماعة وقد تكرر الحديث عن الوفاء بالعهد في صور شتى في القرآن وفي الحديث النبوي سواء في ذلك عهد الله وعهد الناس ، عهد الفرد وعهد الجماعة وعهد الدولة ، عهد الحاكم وعهد المحكوم ، وبلغ الإسلام في واقعه التاريخي شأوا بعيدا في الوفاء بالعهود لم تبلغه البشرية إلا في ظل الإسلام .
{ 34 } { وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا }
وهذا من لطفه ورحمته تعالى باليتيم الذي فقد والده وهو صغير غير عارف بمصلحة نفسه ولا قائم بها أن أمر أولياءه بحفظه وحفظ ماله وإصلاحه وأن لا يقربوه { إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } من التجارة فيه وعدم تعريضه للأخطار ، والحرص على تنميته ، وذلك ممتد إلى أن { يَبْلُغَ } اليتيم { أَشُدَّهُ } أي : بلوغه وعقله ورشده ، فإذا بلغ أشده زالت عنه الولاية وصار ولي نفسه ودفع إليه ماله .
كما قال تعالى : { فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } { وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ } الذي عاهدتم الله عليه والذي عاهدتم الخلق عليه . { إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا } أي : مسئولين عن الوفاء به وعدمه ، فإن وفيتم فلكم الثواب الجزيل وإن لم تفوا{[471]} فعليكم الإثم العظيم .
وبعد أن نهى - سبحانه - عن إتلاف النفوس عن طريق القتل والزنا ، أتبع ذلك بالنهى عن إتلاف الأموال التى هى قوام الحياة ، وبدأ - سبحانه - بالنهى عن الاقتراب من مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن ، ثم ثنى بالأمر بإيفاء الكيل والميزان عند التعامل ، فقال - تعالى - :
{ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً وَأَوْفُوا الكيل إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } .
واليتيم : هو الصغير الذى مات أبوه مأخوذ من اليتم بمعنى الانفراد ، ومنه الدرة اليتيمة .
والخطاب فى قوله : { ولا تقربوا . . . } لأولياء اليتيم ، والأوصياء على ماله .
والأشد : قوة الإِنسان ، واشتعال حرارته ، ومن الشدة بمعنى القوة . يقال : شد النهار إذا ارتفع واكتمل ، وهو مفرد جاء بصيغة الجمع . أو هو جمع لا واحد له من لفظه ، أو جمع شدة كأنعم ونعمة .
أى : ولا تقربوا - أيها الأولياء على اليتيم - ماله الذى منحه الله إياه عن طريق الميراث أو غيره ، إلا بالطريقة التى هى أحسن الطرق ، والتى من شأنها أن تنفعه ، كالمحافظة عليه ، واستثماره له ، وإنفاقه فى الوجوه المشروعة .
واعلموا أن كل تصرف مع اليتيم أو فى ماله لا يقع فى تلك الدائرة - دائرة الأنفع والأحسن - فهو تصرف محظور ومنهى عنه ، وسيحاسبكم الله - تعالى - عليه .
وتعليق النهى بالقربان ، للمبالغة فى الزجر عن التصرف فى مال اليتيم ، إلا بالطريقة التى هى أحسن .
وقوله : { حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } ليس غاية للنهى ، إذ ليس المعنى : فإذا بلغ أشده فاقربوه ، لأن هذا المعنى يقتضى إباحة أكل الولى لمال اليتيم بعد بلوغه ، وإنما هو غاية لما يفهم من النهى ، فيكون المعنى : لا تقربوا مال اليتيم إلا بالطريقة التى هى أحسن ، واستمروا على ذلك حتى يبلغ أشده ، أى : حتى يصير بالغا عاقلا رشيدا ، فإذا ما صار كذلك ، فسلموا إليه ماله بأمانة واستعفاف عن التطلع إلى شئ منه .
هذا ، وقد أمرت شريعة الإِسلام ، بحسن رعاية اليتيم ، وبالمحافظة على حقوقه ، ونهت عن الإِساءة إليه ، بأى لون من ألوان الإِساءة .
قال - تعالى - : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ . . } وقال - سبحانه - : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذى رواه الإِمام البخارى عن سهل بن سعد رضى الله عنه :
" أنا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا " وأشار بالسبابة والوسطى .
" وروى الشيخان عن أبى هريرة - رضى الله عنه - عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " اجتنبوا السبع الموبقات . قالوا : يا رسول الله وما هن ؟ قال : الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولى يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " " .
ومن الحكم التى من أجلها أمر الاسلام بالعطف على اليتيم ونهى عن ظلمه ، أنه إنسان ضعيف فقد الأب الحانى ، والعائل والنصير منذ صغره . .
فإذا نشأ فى بيئة ترعاه وتكرمه . . شب محبا لمن حوله ، وللمجتمع الذى يعيش فيه .
وإذا نشأ فى بيئة تقهره وتذله وتظلمه . . نظر إلى من حوله ، وإلى المجتمع الذى يعيش فيه ، نظرة العدو إلى عدوه . .
وكأنه يقول لنفسه : إذا كان الناس لم يحسنوا إلى فى صغرى وفى حالة ضعفى ، فلماذا أحسن إليهم فى حال كبرى وقوتى ! ! وإذا كانوا قد حرمونى حقى الذى منحه الله لى فلماذا أعطيهم شيئا من خيرى وبرى ! ! .
هذه بعض الأسباب التى من أجلها أمر الإِسلام أتباعه برعاية اليتيم وإكرامه ، وصيانة حقوقه من أى اعتداء أو ظلم .
وبعد أن نهى - سبحانه - عن الاقتراب من مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن ، أمر بالوفاء بالعهود فقال : { وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً } .
والعهد : ما من شأنه أن يراعى ويحفظ ، كالوصية واليمين . وعهد الله : أوامره ونواهيه وعهد الناس : ما يتعاهدون عليه من معاملات وعقود وغير ذلك مما تقتضيه شئون حياتهم .
أى : وأوفوا بالعهود التى بينكم وبين الله - تعالى - ، والتى بينكم وبين الناس ، بأن تؤدوها كاملة غير منقوصة ، وأن تقوموا بما تقتضيه من حقوق شرعية . وقوله { إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً } تعليل لجواب الوفاء بالعهد .
أى : كونوا أوفياء بعهودكم لأن صاحب العهد كان مسئولا عنه ، أمام الله - تعالى - وأمام الناس ، فالكلام على حذف مضاف كما فى قوله - سبحانه - { واسأل القرية } .
وقال - سبحانه - : { وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد . . . } بالإِظهار دون الإِضمار للإِشعار بكمال العناية بشأن الوفاء بالعهود .
ويجوز أن يكون المعنى : وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا ، أى : كان مطلوبا بالوفاء به وقد مدح الله - تعالى - الذين يوفون بعهودهم فى آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : { إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الألباب الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله وَلاَ يَنقُضُونَ الميثاق } وقوله - تعالى - : { والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ والصابرين فِي البأسآء والضراء وَحِينَ البأس أولئك الذين صَدَقُواْ وأولئك هُمُ المتقون }