{ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ( 29 ) إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ( 30 ) }
المغلولة : المقيدة بالغل وهو القيد يوضع في اليدين والعنق .
تبسطها أي : تتوسع في الإنفاق .
المحسور : المنقطع عن السير إعياء وكلالا .
29- { ولا تجعل يدك مغلولة . . . }
نهانا الله عن البخل والشح كما نهانا عن الإسراف والتبذير وأمرنا بالتوسط في النفقة كما قال عز شأنه في آية أخرى : { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } ( الفرقان : 67 ) .
والتوازن هو القاعدة الكبرى في النهج الإسلامي ، والغلو كالتفريط يخل بالتوازن والتعبير هنا يجري على طريقة التصوير ، فيرسم البخل يدا مغلولة إلى العنق ويرسم الإسراف يدا مبسوطة كل البسط لا تمسك شيئا ويرسم نهاية البخل والإسراف قعدة كقعدة الملوم المحسور . والحسير{[379]} : هي الدابة التي تعجز عن السير فتقف ضعفا وعجزا فكذلك البخيل حسره بخله فيقف ، وكذلك المسرف ينتهي به سرفه إلى وقفة الحسير ملوما في الحالتين على البخل وعلى السرف وخير الأمور الوسط{[380]} .
وجعل ابن كثير قوله تعالى : { فتقعد ملوما محسورا } من باب اللف والنشر المرتب قال : أي : فتقعد إن بخلت ، ملوما يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك كما قال زهير :
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله *** على قوه يستغن عنه ويذمم
ومتى بسطت يدك فوق طاقتك ؛ قعدت بلا شيء تنفقه فتكون كالحسير الممنوع من المسير وهو مأخوذ من الكلال والإعياء كما قال : { فارجع البصر هل ترى من فطور . ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير } ( الملك : 4 ، 3 ) . أي : كليل على أن يرى عيبا .
وقد ذهب ابن عباس والحسن وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم إلى أن المراد بالآية : النهي عن البخل والإسراف .
ورد في كتب السنة الصحاح : ذم البخل والشح والتحذير منهما ، فمن ذلك ما ورد في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان من السماء يقول أحدهما : اللهم ، أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر : اللهم ، أعط ممسكا تلفا ) .
وروى مسلم عن أبي هريرة مرفوعا : ( ما نقص مال من صدقة وما زاد الله عبدا أنفق إلا عزا ومن تواضع لله رفعه الله ) ، وفي الحديث ( إياكم والشح ؛ فإنه أهلك من كان قبلكم ؛ أمرهم بالبخل ؛ فبخلوا ، وأمرهم بالقطيعة ؛ فقطعوا ، وأمرهم بالفجور ؛ فجروا ) .
كما ورد في كتب السنن : الأمر بالاقتصاد في النفقة والاعتدال والتوسط ، روى الإمام أحمد وغيره عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما عال من اقتصد ) وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة ) وروى عن أنس مرفوعا : ( التدبير نصف المعيشة ، والتودد نصف العقل ، والهم نصف الهرم ، وقلة العيال أحد اليسارين ) . وقيل : حسن التدبير مع العفاف خير من الغنى مع الإسراف .
وقال هنا : { وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ } كناية عن شدة الإمساك والبخل .
{ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ } فتنفق فيما لا ينبغي ، أو زيادة على ما ينبغي .
{ فَتَقْعُدَ } إن فعلت ذلك { مَلُومًا } أي : تلام على ما فعلت { مَحْسُورًا } أي : حاسر اليد فارغها فلا بقي ما في يدك من المال ولا خلفه مدح وثناء .
وهذا الأمر بإيتاء ذي القربى مع القدرة والغنى ، فأما مع العدم أو تعسر النفقة الحاضرة فأمر تعالى أن يردوا ردا جميلا فقال : { إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، إنه كان بعباده خبيرا بصيرا }
ثم أرشد - سبحانه - عباده إلى أفضل الطرق لإِنفاق أموالهم والتصرف فيها ، فقال - تعالى - : { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً } .
وقوله { مغلولة } من الغل - بضم الغين - وأصله الطوق الذى يجعل فى العنق وتربط به اليد ، كما يربط المذنب والأسير : وهو كناية عن البخل والتقتير .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه : غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط . ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازا عنه ، لأنهما كلامان معتقبان على حقيقة واحدة . حتى أنه يستعمله فى ملك لا يعطى عطاء قط ، ولا يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال يد وقبضها وبسطها . ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزيلا لقالوا : ما أبسط يده بالنوال ؛ لأن بسط اليد وقبضها عبارتان معاقبتان للبخل والجود . . .
وقوله : { محسورا } من الحسور بمعنى الانقطاع عن الشئ ، والعجز عن الحصول عليه .
يقال : فلان حسره السير ، إذا أثر فيه أثرا بليغا جعله يعجز عن اللحاق برفقائه .
ويقال : بعير محسور . أى : ذهبت قوته وأصابه الكلل والإِعياء . فصار لا يستطيع النهوض بما يوضع عليه من أحمال .
والمقصود من الآية الكريمة : الأمر بالتوسط والاعتدال فى الإِنفاق والنهى عن البخل والإِسراف .
فقد شبه - سبحانه - مال البخيل ، بحال من يده مربوطة إلى عنقه ربطا محكما بالقيود والسلاسل ، فصار لا يستطيع تحريكها أو التصرف بها .
وشبه حال المسرف والمبذر ، بحال من مد يده وبسطها بسطا كبيرا ، بحيث أصبحت لا تمسك شيئا يوضع فيها سواء أكان قليلا أم كثيرا .
والمعنى : كن - أيها الإِنسان - متوسطا فى كل أمورك ، ومعتدلا فى إنفاق أموالك بحيث لا تكون بخيلا ولا مسرفا ، فان الإِسراف والبخل يؤديان بك إلى أن تصير ملوما . أى : مذموما من الخلق والخالق ، محسورا ، أى : مغموما منقطعا عن الوصول إلى مبتغاك بسبب ضياع مالك ، واحتياجك إلى غيرك .
قال الآلوسى ما ملخصه : فالآية الكريمة تحض على التوسط ، وذلك هو الجود الممدوح ، فخير الأمور أوساطها . وأخرجه أحمد وغيره عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.